الهجرة وسياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني: لتكن لي حتى لو كانت قليلة!

هناك سياسة مشتركة لدولة الاحتلال التركي والحزب الديمقراطي الكردستاني خلف ستار هجرة شعب باشور كردستان، وهي أن تتمكن تركيا من فرض سيادتها على المنطقة وإجراء التغيير الديمغرافي؛ للضغط على الاتحاد الأوروبي. أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فيطبق سياسة "فليكن لي حتى لو كان قليلًا".

أصبحت أزمة المهاجرين على الحدود بين بولونيا وبيلاروسيا، والذين يشكل الكرد أغلبهم، ضمن الأجندة العالمية. وقد وُضعت قضية هجرة الكرد، الذين أغلبهم من جنوب كردستان، على جدول الأعمال منذ مطلع عام 2018.

وعلى الرغم من أن سبب هذه الهجرة قد يبدو اقتصاديًّا، إلّا أنه في الواقع سياسي. فخلف ستار هذه القضية تلوح سياسة مشتركة بين الاحتلال التركي وحليفها الحزب الديمقراطي الكردستاني. حيث تطبق الدولة التركية المحتلة هذه السياسة لتكون قادرة على فرض سيادتها على المنطقة، وتحقيق التغيير الديمغرافي، واستخدامها كأداةٍ للضغط على الاتحاد الأوروبي.

ومثلما رأينا في الانتخابات العراقية، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني يطبق سياسة "فليكن لي حتى لو كان قليلًا".    

إن كان الموضوع إمّحاء الكرد فحتمًا للاحتلال التركي إصبع فيها

لا شك أنه، وبسبب سياسة الحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية التي تستمر في وجودها على أساس التهجير والتغيير الديمغرافي والتعذيب والاعتقال والقتل وإبادة الكرد، وعندما يكون الموضوع القضاء على الشعب الكردي، فإن للدولة التركية المحتلة يد فيها بكل تأكيد. ولهذا، فإنه بعد هذه الهجرة إلى بلاد تبعد عشرات الآلاف من الكيلومترات عن كردستان، تقوم الشركة الجوية البيلاروسية (THY) وشريكها المطار التركي بتنفيذ هذا العمل. وكما هو معروف فإنه لا توجد أي مكاتب لهذه الشركة الجوية "بيلاروسيا" سوى في إسطنبول وإيران والعراق وقطر والإمارات العربية المتحدة. 

هؤلاء المهاجرون الذين لا يُسمح لهم بالعبور إلى الدول الأوروبية، يتعرضون للبرد والمرض والجوع. وتزعم صحيفة بيلد الألمانية أن أغلبهم من الكرد، وقد نقلهم الزعيم الفاشي أردوغان إلى هناك بالطائرات.

 وبحسب مسؤولي الشرطة الحدودية الألمانية، فإن شركة الخطوط الجوية التركية نقلتهم عبر رحلات خاصة إلى مينسك. وحول أعداد المهاجرين الذين فقدوا حياتهم، فإن العدد يبلغ 7 بحسب بولونيا. إلّا أن المصادر تقول إنهم 8 مهاجرين، بينما يقول البعض أن العدد أكبر من هذا.

تحالف برزاني – أردوغان وآمال الشعب

بلا شك هناك عدة أسباب لهجرة شعب جنوب كردستان، وبشكل خاص الفئة الشابة، وأحدها هي خطة "التسليح" التي بدأتها الحكومة الفاشية لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية والتي جعلت من الحزب الديمقراطي الكردستاني حليفًا لها.

وشراكة الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العدالة والتنمية يفتح الطريق أمام نتائج خطرة، وإذ يجعل كردستان مستعمرة مصغرة من أجل مصالح الاحتلال التركي.

وفي إطار هذه الشراكة، تحتاج حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية إلى عمليات إجلاء من زاخو، وحتى حلبجة، وذلك لممارسة سياسة التغيير الديمغرافي. ويتطلب تهجير أهالي منطقة بهدينان وبرادوست وحتى سفح قنديل المعروفين تاريخيًّا بالمنتفضين والثوار بشكل خاص.

ولا شك أن الهجمات الاحتلالية التي بدأت مطلع عام 2018 وما بعدها في منطقة خاكورك ثم في حفتانين وحتى الهجمات الأخيرة والتي لا تزال مستمرة على متينا وآفاشين وزاب، كلها تهدف إلى إخلاء المنطقة من خلال الهجمات الجوية والبرية الجوية.

وبعد هذا، فإن إحدى السياسيات الأساسية للدولة التركية المحتلة هي إبادة الكرد ثقافيًّا. واستيطان المنطقة، من خلال توطين أسر ومرتزقة الشمال السوري المرتبطين بأردوغان هناك. بالإضافة إلى نشر أعضاء المجموعات التركمانية والسنية الموجودين حول الموصل وكركوك في باشور كردستان شيئًا فشيئًا. هذا يشكل تخطيطًا استراتيجيًّا بالنسبة للدولة التركية، وبالنسبة للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يعتبر هو أيضًا شريكًا في هذا التخطيط، فإنه يطبق في السياق نفسه سياسة الاعتقال والاعتداء والضغط السياسي والأمني على المعارضة.

ومثل سياسة "لقد حررنا باشور وشكلنا الحكومة، فلتذهب جميع القوى الكردية الأخرى إلى القتال في شمال وشرق وجنوب كردستان، ما عملها هنا؟ "وتطبق الدعاية ذاتها على السياسيين والطلاب والمثقفين والمعارضة ويقول "فليكن لي حتى لو كان قليلًا".

ولهذا، فإن هذا التحالف خطِر على الشعب الكردي، وبشكل خاص في جنوب كردستان. ويدرك الكرد في الجنوب أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، وخاصة الحكومة التي يترأسها مسرور البرزاني، امتداد لحرب الدولة التركية ضد الكرد والغضب العثماني الجديد الذي يريد أردوغان تطبيقه في المنطقة.

هو اقتصادي بقدر ما هو سياسي

وبقدر ما يكون سبب هجرة شعب باشور إلى الخارج سياسيًّا، فإنه اقتصادي بالقدر ذاته. فقد عرف جنوب كردستان ولفترة طويلة "كجزيرةٍ للسلام والاستقرار" في أزمة الفوضى في الشرق الأوسط، واستقطبت جميع الشركات الدولية؛ مما أدى إلى تقدم الوضع الاقتصادي. لكن هذه الصورة تغيرت على حين غِرّة صيف عام 2014.

دخل هذا الوضع مرحلة جديدة مع تغيره بصورة سلبية بسبب هجمات داعش والهجرة المتزايدة والأزمة الاقتصادية والسياسية. وبعد استفتاء الاستقلال عام 2017 وخضوع المناطق المتنازع عليها، أي المناطق الكردية للحكومة المركزية العراقية إداريًّا. قالوا تمامًا، إن الأعمال تسير على ما يرام، الأزمة الاقتصادية، وحكومة بغداد تهدد بقطع الميزانية، ويتصاعد الصراع بين أمريكا وروسيا على السلطة.

وخرج الأشخاص الذين لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور إلى الشوارع. وفوق كل هذا، أخرج الحزب الديمقراطي الكردستاني أزمة زينه ورتي، ثم أرسلوا القوات الخاصة المرتبطة بعائلة البرزاني وقوات كولان وزيرفاني ومرتزقة روج إلى منطقة غاري وبالاستفزازات التي تشكل ذاكرة سوداء بالنسبة للشعب الكردي أحيت "الاقتال الأخوي".

مجتمع جنوب كردستان هو مجتمع يعتمد على الرعي والزراعة، ولكن منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي خلال أعوام 1980، فإنه وخلال هجمات الأنفال التي قام بها نظام البعث، تم إجلاء ستة آلاف قرية كردية وحدثت موجة هجرة كبيرة. حتى وصل هذا الوضع إلى ما هو عليه الآن، حيث فاق عدد سكان المدن عدد سكان القرى. وهذا ما أثّر على الاقتصاد بشكل مباشر. الزراعة والرعي لا يزالان موجودان ولكن بشكل محدود جدًّا. عدا ذلك لا وجود لأي إنتاج بارز.

إذ يعتمد أغلب اقتصاد جنوب كردستان على بيع البترول والتجارة، لكن عمال قطاع النفط أيضاً يشكلون 2% فقط من العمال والموظفين. ويبلغ عدد سكان جنوب كردستان 6 ملايين نسمة، منهم مليون وستمئة ألف يتلقون رواتبهم من الحكومة، ونصفهم موظفون وبيشمركة. ونصفهم الآخر من ضحايا الأنفال والمتقاعدين.

كانت منطقة زراعية ولكن..

بسبب مخططات القوى الدولية المهيمنة، فإن جنوب كردستان هو أكثر جزء تعرض للحروب. وهذه الجغرافية التي لم تنقطع عنها الحرب يوماً، عاشت من ناحية في ظروف حرب ومن ناحية أخرى لم تتخلَ عن الزراعة والرعي يومًا، في مختلف الشروط والظروف. وأمّن احتياجاته عبر عدد محدود من المواشي.

وفي حقبة 1978 التي تعاقبت فيها حملات الإبادة، أخذ شعب جنوب كردستان مجموعة من مواشيه معه في رحلة هجرته. ولهذا لم ينقطع أبدًا عن الزراعة والرعي.

أصبح اكتشاف الأحزاب المحلية لواردات البترول بلاء عليها

المخططات التي نفذتها القوى الدولية على باشور كردستان كانت جميعها بسبب المصدر الغني للبترول. والمخططات التي عقدت على مصادر البترول حددت الإدارة والمكانة السياسية للمناطق الكردية.

لقد كانت أراضي باشور صالحة جدًّا للزراعة؛ بسبب التربة الغنية والمنتجة وتوفر مصادر المياه الطبيعية والمناطق الجبلية والسهلية؛ وهذا ما جعل أهالي المنطقة يعيشون وفقًا لمعايير المجتمع الزراعي القروي.  

وخلال التسعينات، اندلعت حرب الخليج الأولى بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق. وانتقلت أمريكا إلى تطبيق قوة "المطرقة" لتحقيق هدفها في المنطقة، ومع تطبيق قوة المطرقة تم تحديد حدود لباشور كردستان كمتوازي 36 -42. وانتفض شعب جنوب على ديكتاتورية صدام حسين عام 1991.

لقد بدأوا بتطبيق قوة المطرقة الأمريكية، أثناء انتفاضة شعب باشور عن عمد. وأرادوا بهذه الطريقة إرجاع إسقاط ديكتاتورية صدام حسين التي حققها الشعب بقوته الذاتية إلى فضلهم. وكانت خطة أمريكا من أجل الأحزاب السياسية. ومن انتفض كان الشعب.

فعندما انتفض الشعب لم يكن أي حزب من الأحزاب الحالية الحاكمة موجودًا في الجنوب، وبعد أن عادت هذه الأحزاب إلى باشور كردستان أسست أمريكا البرلمان. ثم صالحت بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني وجعلتهما حاكمين للإقليم. ومع هذه الحكومة بدأت الأحزاب المحلية بتجارة البترول، وهذا ما تسبب بفشل جميع المعامل، ووجهت العمال والموظفين الذين كانوا يعملون في هذه المعامل والأهالي الذين كانوا يتدبرون أمرهم في السهول والجبال بالرعي والزراعة إلى الانضمام للبيشمركة الذين يخصص لهم راتبًا. وهذا ما جرّ الزراعة والرعي إلى حافة النهاية.    

وهرّبت الأحزاب السياسية في هذه المرحلة البترول إلى إيران وتركيا. وكان الأمر أن هذه الأحزاب المحلية كانت تهَرّب 150 ألف برميل من النفط شهريًّا من العراق وباشور كردستان إلى تركيا وإيران.

 هؤلاء المسؤولين والأحزاب حققوا مربحًا من خلال تهريب البترول إلى تركيا وإيران من أجل مصالحهم الحزبية. وواصل الشعب الزراعة والرعي في الجبال والسهول. 

ANHA


إقرأ أيضاً