الهجمات على شنكال من عمان إلى الموصل

إيزدين شنكالي

إن أنظار الرأي العام العالمي وكافة كردستان، وفي مقدمتهم المجتمع الإيزيدي موجهة نحو شنكال. فالجميع يريد فهم مَن وماذا يريد من مجتمع جريح مر بـ 73 فرماناً. البعض يشاهد الهجمات الأخيرة على شنكال في حالة صدمة. والبعض الآخر يريد تصحيح حقيقة هذه الهجمات. وآخرون جعلوا من أنفسهم درعاً أمام الهجمات لحماية هذا المجتمع العريق.

من أجل فهم الهجمات والمخططات التي يسعون إلى تنفيذها في شنكال، يجب تقييم الوضع بنظرة تاريخية واجتماعية. لا يمكننا اعتبار شنكال مثل أي مدينة أخرى في العالم، وكذلك لا يمكن تقييم المجتمع الإيزيدي مثل أي قومية أخرى في العالم؛ لأن هذا المجتمع العريق حافظ على معتقداته، أو بتعبير أدق؛ حافظ على وجوده لآلاف السنين، على الرغم من جميع الفرمانات التي تعرض لها. فقد تعرض لإبادة جديدة منذ زمن ليس ببعيد.

إذاً، مَن يهاجم ولماذا يهاجم هذا المجتمع القديم والمقدس والجريج من جراء الفرمانات؟ صحيح؛ أنه من الناحية الأخلاقية لا يحق لأي أحد أن يظلم أحداً في أي مكان كان. لكن في المجتمع الإيزيدي هذا المبدأ الأخلاقي أهم من كل شيء. رغم كل هذه الحقائق وأمام أعين العالم أجمع هاجم الجيش العراقي شنكال بالدبابات والمدافع والأسلحة الثقيلة واندلعت اشتباكات عنيفة. وقبل كل شيء يجب إيضاح أن الهجمات على شنكال ليست يومية وإنما تاريخية، وأهدافها استراتيجية. ومن جهة ثانية؛ إن الذي ينفذ الهجوم هو الجيش العراقي ولكن يقف الحزب الديمقراطي الكردستاني ودولة الاحتلال التركي والقوى الدولية وراءها. والهدف إتمام إبادة المجتمع الإيزيدي. لذا فالخطر على شنكال كبير.

في الحقيقة، نستطيع القول إن هذا المخطط الأخير للحرب هو استمرار لاجتماع عمان عام 2014. لنتذكر جيداً، من سقوط الموصل إلى إبادة الإيزيديين والهجمات على كوباني، كل هذا كان جزء من مخطط دولي وإقليمي جرى تحضيره في 1 حزيران عام 2014 في العاصمة الأردنية عمان. وشارك في هذا الاجتماع كل من الدولة التركية الولايات المتحدة الأميركية، والسعودية، وإسرائيل والحزب الديمقراطي الكردستاني، بالإضافة إلى جماعات سلفية مختلفة.

في هذا الاجتماع تم مناقشة المخطط الجديد لتوازنات الشرق الأوسط، كما تم تعيين داعش كوسيلة لتنفيذ هذا المخطط. لقد تم اتخاذ قرار سقوط الموصل، وتل عفر، وشنكال في هذا الاجتماع. إذا انتبهنا جيداً للمستجدات في هذه المنطقة، وخاصة سياسات الدولة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني، فسنلاحظ بسهولة أن هذه السياسات مرتبطة باجتماع 1 حزيران عام 2014. ويمكن القول إن اتفاقية 9 تشرين الأول 2020 إحياء لاجتماع 1 حزيران 2014. الشيء الجديد هو أن المخططات التي أرادوا تنفيذها عن طريق داعش عام 2014 وفشلت نتيجة المقاومة، تقوم بتنفيذها الحكومة العراقية، والدولة التركية، والحزب الديمقراطي الكردستاني.    

الآن ومرة أخرى بدأ منفذو فرمان 2014 بمخطط جديد للهجمات، ويُستخدم فيها هذه المرة الجيش العراقي. بدأت هذه الحرب والأزمة الأخيرة في 18 نيسان باستفزازات الجيش العراقي في مجمع دوكور، وفي الـ 2 من أيار صعّد الجيش العراقي هذه الهجمات لدرجة احتلال شنكال، لكن في مواجهة ذلك، رد أسايش إيزيدخان، ووحدات مقاومة شنكال (YBŞ) ووحدات المرأة في شنكال (YJŞ) على هذه الهجمات بالمقاومة. لقد اندلعت اشتباكات عنيفة في سنوني ودوكور. نتيجة مقاومة قوات الحماية في شنكال وردود فعل الرأي العام العالمي توقفت هذه الهجمات نوعاً ما، لكن الوضع لا يزال متأزماً في شنكال؛ لأن الجيش العراقي لم ينسحب بشكل كامل من شنكال، الأمر الذي يترك احتمالاً لحدوث الاشتباكات. لذا نستطيع القول إن هناك هدنة فقط ولم تحل المشاكل الأساسية.

المشكلة الأساسية هنا عدم اعتراف الدولة العراقية بالإدارة الذاتية في شنكال ضمن القوانين الاتحادية للدولة العراقية. مما يمهد للحزب الديمقراطي الكردستاني ودولة الاحتلال التركي بشن الهجمات على شنكال عن طريق حكومة الكاظمي. في الأساس يحاول الديمقراطي الكردستاني والاحتلال التركي أن يضع الجيش العراقي في مواجهة قوات الحماية في شنكال. كما أن الوضع السياسي في العراق وسياسات الكاظمي تفتح المجال لهذه الهجمات.

إن شنكال الآن ساحة لحرب السلطة في العراق وساحة لحرب الهيمنة في المنطقة. وفي حال عدم فهم القوى السياسية العراقية ومؤسسات الدولة للوضع وعدم الاعتراف بإرادة شنكال، فإن وضع في المنطقة سيزداد سوءاً؛ لأن ملف شنكال هو ملف الاعتراف بشنكال، لكن الموضوع ليس هذا فقط، فملف شنكال مرتبط في الوقت عينه بوضع الموصل. مَن يعرف تاريخ وجغرافية العراق، يدرك جيداً أن شنكال هو مفتاح باب الموصل وقلعة سهل نينوى أيضاً.   

المسألة واضحة جداً، إن دولة الاحتلال التركي تريد السيطرة على الموصل لتنفيذ ميثاقها الملي. كما أنه ازداد تأثيرها في الموصل خلال السنوات الأخيرة. والحزب الديمقراطي الكردستاني مطية لتحقيق هذه الاستراتيجية. الآن الموصل هي تحت سيطرة الدولة التركية من الناحية الإدارية والسياسية والاستخباراتية. ومن يقود الهجمات الأخيرة هو قائد عمليات الموصل، وبحسب ما يعرف عن هذه الشخصية أنه تحت تأثير الحزب الديمقراطي الكردستاني والدولة التركية.

عملت الإدارة الذاتية في شنكال وقواتها الدفاعية بحذر شديد لإفشال هذا المخطط والاستراتيجية وإيقاف انتشار الحرب. كما أن هناك محاولات لبعض الأطراف العراقية المدركة لحقيقة مخطط الدول التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني. إن موقف الإدارة الذاتية في شنكال واضح، وهو إيقاف الحرب وإيجاد حل لهذه المشكلات. لكن تسعى بعض الأطراف وفي مقدمتها، الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إشعال الحرب في شنكال بكل السبل. إذا ما انتبهنا فقد لجأ الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد توقف الحرب، إلى الدعاية السوداء والحرب الخاصة، إنه يضغط من جهة على الجيش العراقي للهجوم على شنكال ومن جهة ثانية يريد إفراغ شنكال من أهله.

إن مآل هذا الوضع ليس واضحاً بعد. الإدارة الذاتية في شنكال وقواتها الدفاعية مستعدة لإيجاد حل لهذه الأزمة. في حال الاعتراف بوجود المجتمع الإيزيدي والاعتراف بشنكال ستحل جميع الأزمات، ويُزال أساس كل الحروب. إن هذا الحل سيعزز قوة العراق، ويسد الطريق أمام سياسة تنفيذ الميثاق الملي للدولة التركية. لكن إذا لم يتم الاعتراف بإرادة المجتمع الإيزيدي، بل وفرض مخططات تصفية قوات حماية شنكال؛ فإن خيار شنكال الوحيد هو المقاومة؛ لأنه إن لم يقاوم شنكال فإن فرمان 2014 سيتكرر بطرق وأساليب مختلفة.

(ر خ)