الفرات يُحتضر.. دولة الاحتلال التركي تواصل قطع الأعناق والأرزاق

منذ عام 2018، بدأت دولة الاحتلال التركي باستخدام حبس نهر الفرات كسلاح في حربها ضد السوريين، لكن وتيرة هذه الحرب ارتفعت في العامين الأخيرين، ما تسبب بانخفاض غير مسبوق في منسوبه داخل الأراضي السورية، والذي ألحق أضراراً بقطاعات حياتية عدة.

انحسرت مياه نهر الفرات عن مساحات واسعة من الأراضي شمال وشرق سوريا، وذلك بعد أشهر من بدء دولة الاحتلال التركي بحبس كميات كبيرة من مياه النهر عن الأراضي السورية.

بدأت تركيا منذ مطلع عام 2018 بحبس مياه نهر الفرات عن الأراضي السورية، لكن بشكل متقطع، إذ كانت تقطع المياه لأسابيع ثم تطلقها أسابيع أخرى، لكن المنسوب الوارد كان أفضل من الحالي.

وفي العامين الأخيرين، حبست دولة الاحتلال التركي كميات كبيرة من مياه نهر الفرات ولأشهر متتالية. ولم تعد تطلق ومنذ آذار الماضي سوى 200 متر مكعب من المياه في الثانية إلى الأراضي السورية، فيما كان المفروض أن تطلق أكثر من 500 متر مكعب في الثانية وفق اتفاق موقّع بين أنقرة ودمشق عام 1987 ومسجل لدى الأمم المتحدة.

منذ آذار الماضي، أي منذ 6 أشهر، تطلق دولة الاحتلال التركي الحد الأدنى من مياه الفرات بشكل مستمر وتكاد هذه النسبة من المياه لا تكفي لتشغيل السدود.

وحبس مياه الفرات وسيلة واحدة من وسائل متعددة تتبعها دولة الاحتلال التركي في محاربة شمال وشرق سوريا. منذ انطلاق ثورة الـ 19 من تموز عام 2012 لم تهدأ الهجمات الجوية والبرية التي تشنها دولة الاحتلال على المنطقة إضافة إلى تجنيد العملاء وتشهير الإدارة الذاتية.

آثار مدمرة.. الأمن الغذائي مهدد!

ظهرت آثار هذه الحرب سريعاً في سوريا، فقد خسرت البحيرات على مجرى الفرات نسبة كبيرة من مخزوناتها الاستراتيجية، ما أدى إلى انخفاض ساعات توليد الكهرباء، بالإضافة إلى انخفاض كمية إمداد المزارعين بالمياه، وبات المئات منهم يواجهون صعوبة في الحصول على المياه لري محاصيلهم.

يقول المزارع من قرية العوجا في ريف الرقة، أحمد الأحمد، إن نسبة المياه التي تصل إلى أراضيهم الزراعية قليلة بسبب قطعها من الجانب التركي، وأن ذلك يؤثر على أراضيهم ويتسبب بجفافها كما تتسبب بانتشار الأمراض.

ويضيف: "كنا نوسع مشاريعنا الزراعية لكننا الآن نقوم بتقليل المساحات، لأننا نزرع فيموت الزرع بسبب قلة المياه، وهذا الأمر مضر لنا كثيراً"، مشيراً إلى أن مربي الماشية يعانون مثلهم.

فيما يقول المزارع عبود الغريب، وهو من سكان قرية كسرة الفرج في ريف الرقة، إن قلة المياه تؤثر على زراعتهم خلافاً للأعوام السابقة حين كانت المياه تكفيهم.

ويتابع بالقول: "قلة المياه سببت الأمراض أيضاً، وبالنسبة للزراعة، فإن محاصيلنا عطشى، نحن هنا على ضفاف الفرات نرى انخفاضاً كبيراً في منسوب الفرات سببه تركيا، ونقوم بزراعة الأرض ولا نعلم إن كانت محاصيلنا ستنجح أم لا، أو أن المياه ستصلنا لنرويها أم لا".

كما انخفضت جودة المياه وتلوث مجرى الفرات الذي تحوّل إلى ما يشبه المستنقعات بفعل توقف المياه عن الجريان وتراكم النفايات، ما أدى إلى تفشي الأمراض مثل الالتهابات والتسمم وحالات الإسهال في المناطق التي تستهلك المياه بشكل مباشر من مجرى النهر.

وقد سجلت هيئة الصحة في شمال وشرق سوريا حالات إصابة بالكوليرا في سابقة لم تحصل في المنطقة، وذلك في المناطق المتاخمة لمجرى نهر الفرات الذي يعتقد أنه المصدر الأول لانتشار المرض.

وكشف جوان مصطفى الرئيس المشترك لهيئة الصحة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، في مؤتمر صحفي عقده في 21 أيلول الجاري، أن أول حالة للكوليرا ظهرت في ريف دير الزور الغربي الذي يعتبر بؤرة انتشار المرض إلى جانب الرقة والطبقة والحسكة.

وأوضح أن هناك 2867 حالة اشتباه بالإصابة بمرض الكوليرا منذ 5 أيلول الجاري، فيما بلغت حالات الوفاة 16 حالة.

أما عن الحالات المؤكدة، فقال مصطفى: "43 حالة مؤكدة في الريف الغربي لدير الزور، 16 حالة في مدينة الرقة، 4 حالات مؤكدة في مدينة الطبقة، و15 حالة مؤكدة في منطقة الجزيرة أغلب الحالات في مدينة الحسكة".

وكانت وزارة الصحة التابعة لحكومة دمشق قد أعلنت في وقت سابق من هذا الأسبوع، تسجيل 253 إصابة بالكوليرا و23 حالة وفاة.

وقال المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، عمران ريزا، في بيان يوم 13 أيلول الجاري، "من المعتقد أن تفشي المرض مرتبط بري المحاصيل بالمياه الملوثة وشرب الناس مياهاً غير آمنة من نهر الفرات الذي يقسم سوريا من الشمال إلى الشرق".

مستقبلٌ خطر

تعيش مناطق شمال وشرق سوريا في هذه الأيام أوقاتاً عصيبة، وتواجه المنطقة خطراً متعدد الأوجه؛ فالأمن الغذائي مهدد وكذلك الأمن الصحي، حتى باتت المنطقة في خضم كارثة ستكون المعاناة من تبعاتها عنوان المرحلة القادمة.

وانتشار الكوليرا وما يمكن أن يرافقه من أمراض مصدرها مياه الفرات الملوثة سيهدد حياة الملايين من السوريين، خاصة أن مدناً مثل حلب، والرقة، ومنبج، والطبقة، وكوباني، ودير الزور تعتمد على الفرات كمصدر رئيس لمياه الشرب.

ومع ضعف الإمكانيات لدى الإدارة الذاتية ومؤسساتها الصحية، واستمرار إغلاق معبر تل كوجر/ اليعربية أمام المساعدات الإنسانية الأممية، سيدفع بالأوضاع في شمال وشرق سوريا إلى مرحلة عصيبة لا يمكن تجاوزها فيما بعد.

كما أن انخفاض المساحات المزروعة نتيجة قلة المياه يهدد الأمن الغذائي، فالجفاف ألحق أضراراً كبيرة بقطاع الزراعة في سوريا، وحبس دولة الاحتلال التركي لمياه الفرات يزيد الوضع تعقيداً.

وحسب مدير سد روج آفا (سد تشرين) حمود الحمادين، فإن الوارد المائي من الجانب التركي لا يزيد عن 200 متر مكعب في الثانية، فيما تشهد بحيرة سد روج آفا انخفاضاً يصل إلى 5 أمتار.

وفي آخر تصريح له لوكالتنا، الخميس 22 أيلول، فإن بحيرة سد الفرات، أكبر البحيرات المائية في سوريا، تشهد انخفاضاً يزيد عن 4 أمتار ونصف.

مبيّناً أن ركود المياه يشكل بيئة لتكاثر البكتيريا والفيروسات وانتشار الأوبئة الناجمة عنها، وقال: "كلما قل المخزون تزداد الملوثات".

(د)

ANHA


إقرأ أيضاً