البادية السورية تتحول إلى ساحة تنافس بين روسيا وإيران.. ما أهميتها الاستراتيجية؟

اشتد التنافس بين روسيا وإيران على البادية السورية، بعد أن عززت الأخيرة وجودها العسكري هناك، ما دفع الأولى إلى إطلاق حملة استقطاب واسعة لمصلحة الجزء الموالي لها من قوات حكومة دمشق -اللواء الثامن- وتوسيع نفوذه أكثر ضمن المنطقة، فما هي الأهمية الاستراتيجية للبادية؟

كثر الحديث مؤخراً عن إرسال تعزيزات عسكرية إلى البادية السورية بحجة محاربة مرتزقة داعش، ولكن الواضح من التحركات أن هناك صراع بين الروس والإيرانيين لرسم مناطق نفوذ ذات أهمية اقتصادية.

ومنذ أكثر من عامين كثف مرتزقة داعش عملياتهم ونشاطهم في البادية، إذ باتوا يتحركون بحرية كبيرة نسبياً، مستهدفين حقول نفط وغاز ومواقع لحكومة دمشق ومواليها، ويكبدونها خسائر في الأرواح والعتاد، على الرغم من الغارات الروسية المكثفة على المواقع التي يتوارون بها، والدعم الذي تقدمه لقوات حكومة دمشق، إلا أنهما لم يستطيعا حتى الآن القضاء على بقايا داعش هناك.

وتنتشر بؤر مرتزقة داعش على نحو 4000 كم مربع انطلاقاً من منطقة جبل أبو رجمين شمال شرق تدمر وصولاً إلى بادية دير الزور وريفها الغربي، بالإضافة إلى وجوده وتحركه في بادية السخنة وفي شمال الحدود الإدارية لمدينة السويداء.

وفي إطار التعزيزات المرسلة إلى المنطقة، استقدمت قوات حكومة دمشق تحشيدات عسكرية إلى البادية السورية، وعززت الفرقة الرابعة الموالية لإيران في قوات دمشق وجودها العسكري في المنطقة، وذلك تحت مسمى محاربة داعش، ما دق ناقوس الخطر لدى روسيا من أن تعيد إيران توسعها في المنطقة، إذ كشفت تقارير عقب هذا التحشيد، أن روسيا تسعى إلى تحجيم نفوذ إيران ومجموعاتها في سوريا.

ومنذ أواخر شهر كانون الأول الماضي، تستقدم الفرقة الرابعة التابعة لحكومة دمشق- والموالية لإيران- تعزيزات عسكرية إلى مدينة تدمر ومحيطها، شرق حمص بالبادية السورية، تضم أرتالاً عسكرية مؤلفة من ناقلات وجنود وعربات مدرعة.

من هي الفرقة الرابعة؟

تحتل الفرقة الرابعة مكانة خاصة في قوات حكومة دمشق، إذ يقودها ماهر الأسد، وتتلقى دعماً إيرانياً غير محدود، وصلاحيات هذه الفرقة مفتوحة على كافة الأراضي السورية، ويشكل العلويون حوالي 95% من قوامها على مستوى الضباط والجنود العاديين.

وتتألف هذه الفرقة من أربع ألوية هي "38، 40، 41، 42" ويتبع لها كل من الأفواج 555 و666 و54، وكل هذه القطعات العسكرية هي من سلاح المدرعات، ويتبع لها مجموعات وسرايا تخصصية كـ "الإشارة - السطع - الهندسة" وبقية قطاعات الجيش الطبيعية بحيث تأخذ شكل الجيش المتكامل.

ويبلغ تعداد العناصر النظاميين في الفرقة، من مجندين ومتطوعين ما يقارب الـ 16 ألف عنصر، فيما تمتلك الرابعة لوحدها نحو 500 دبابة من مختلف الأطرزة، بالإضافة إلى عربات مصفحة لنقل عناصر الإمداد والمشاة وبقية صنوف الأسلحة الملحقة بـ "المدرعات".

ويعد السبب الأساسي لقوة الفرقة الرابعة بالمقارنة مع قوات حكومة دمشق الأخرى، ليس الإمكانات العسكرية فقط ونفوذ ماهر الأسد، فهذه الفرقة هي الوحيدة بين قطاعات الجيش قادرة على طلب الإمدادات العسكرية من أي فرقة من فرق حكومة دمشق بأمر مباشر من العميد علي محمود أو ماهر الأسد من دون الرجوع إلى القيادة العسكرية في هيئة الأركان، حيث يرتبط قائد هذه الفرقة بوزير الدفاع مباشرة من الناحية التنظيمية وهذا ما يجعلها أكثر قوة وسلطة، فقوات حكومة دمشق في خدمة هذه الفرقة وليس العكس، الأمر الذي مكنها من ابتلاع كل القطاعات العسكرية.

روسيا نحو تحجيم نفوذ إيران

وبالتزامن مع الحديث عن تحضيرات لعملية عسكرية تستهدف مخابئ مرتزقة داعش في البادية السورية من قبل كل من حكومة دمشق والمجموعات الإيرانية الموالية لها، بعد تعزيز الفرقة الرابعة لوجودها العسكري هناك، بدا أن روسيا مصممة على اتخاذ مزيد من الإجراءات التي تقلص نفوذ إيران، وهو ما تجلّى في حملة استقطاب واسعة لمصلحة اللواء الثامن، الموالي لروسيا، في مناطق تُعتبر من مناطق النفوذ الإيرانية.

وافتتح اللواء الثامن مكتب انتساب لصفوفه في مركز مدينة تدمر ضمن مقر حزب البعث القريب من "فرع مخابرات البادية"، وذلك بهدف استقطاب أبناء تدمر والمناطق المحيطة بها وعموم بادية حمص الشرقية، بحسب ما أفاده المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأورد المرصد معلومات عن تكليف الروس شخصيات بـ "تقديم ضمانات ومغريات" لنازحين من منطقة تدمر، يقيمون حالياً في مناطق سيطرة الاحتلال التركي كي يعودوا إليها وينتسبوا للواء الثامن، وهو أمر تكرر أيضاً مع نازحين من منطقة السخنة يقيمون في شمال وشرق سوريا.

وتحدث المرصد أيضاً عن سعي روسيا إلى استقطاب مجندين يعملون حالياً ضمن المجموعات الإيرانية "في إطار الحرب الباردة بين الروس والإيرانيين في سوريا".

ساحة تنافس وممر عبور

إعلامياً، يتم إظهار أن جميع هذه التحشيدات العسكرية في البادية السورية هي لمواجهة داعش، ولكن يبدو أن هناك تنافساً بين روسيا وإيران لبسط النفوذ.

وتحظى البادية السورية الواقعة شرق سوريا على الحدود المشتركة مع العراق، وصولاً إلى الجنوب الشرقي في منطقة الحدود مع الأردن، بأهمية استثنائية حيث تقدر مساحة تلك المنطقة بنحو 60 ألف كيلومتر مربع.

وتنبع أهمية البادية من كونها تضم أراضي من المناطق الشرقية لمدينة السويداء، وحمص، وريف دمشق، وصولاً إلى جنوب وشرق مدينة دير الزور، وهي مناطق غنية بالنفط والغاز.

وتتميز مناطق البادية السورية بتواصلها ووقوعها على الحدود السورية العراقية على امتداد نحو 700 كم متر - عدا تلك المتلاصقة مع مدينة الحسكة أقصى شمال شرق سوريا - وتحديداً مع بادية العراق التي تتبع بغالبية مساحتها لمحافظة الأنبار، الملاذ المهم لمرتزقة داعش، وبداية انطلاقة داعش، والتي اتخذ من تلامسها للحدود السورية منطلقاً للتغلغل في سوريا بدءاً من منتصف عام 2014.

ولا تزال هذه المنطقة نقطة العبور الأساسية للمرتزقة غير السوريين، الذين تدفقوا إلى الأراضي السورية مثل مرتزقة داعش وهيئة تحرير الشام، ما جعل البادية ذات أهمية استراتيجية للمرتزقة.

كما تمتاز البادية السورية بقلة عدد سكانها والمدن والتجمعات السكانية فيها، فهي مجرد مناطق شاسعة لا تمثل عبئاً أو ثقلاً استراتيجياً من الناحية العسكرية، بالإضافة إلى كونها تشكل مفتاحاً جغرافياً واقتصادياً للتواصل مع العراق والأردن، مما يجعلها موضع المنافسة بين إيران وروسيا.

وظهر التنافس الروسي الإيراني منذ استعادة هذه المناطق من سيطرة مرتزقة داعش، حيث فرضت روسيا سيطرتها على حقل "الثورة" النفطي جنوب غرب الرقة والذي يقدر إنتاجه حالياً بنحو ألفي برميل نفط يومياً، بعد انسحاب مجموعات "فاطميون" التابعة لـ "الحرس" الإيراني منه.

كما يسيطر الروس على حقل "توينان" للغاز في منطقة الطبقة بريف الرقة، والذي ينتج نحو 3 ملايين متر مكعب من الغاز النظيف يومياً و60 طناً من الغاز المنزلي، وألفي برميل من المكثفات، وكذلك حقل "جحار" في مدينة تدمر.

وبسطت روسيا سيطرتها في مارس/ آذار 2017، على الحقول النفطية الواقعة في مدينة تدمر بعد انسحاب مرتزقة داعش منها، وهي كل من حقلي المهر وجزل.

بينما تمسكت إيران بسيطرتها على مناجم الفوسفات في ريف تدمر وحقلي "الحسيان" و"الحمار" النفطيين في ريف البوكمال منذ عام 2017.

وعززت إيران سيطرتها على مناجم الفوسفات في شباط/ فبراير الماضي، بعد أن زاد "الحرس الإيراني" نقاطه العسكرية من نحو أربع نقاط إلى سبع في منطقتي "خنيفيس" 60 كم و"الصوانة" 45 كم جنوب غرب مدينة تدمر.

كما ضاعفت إيران عدد المسلحين ليصل إلى أكثر من 300 مسلح لحماية أكبر مناجم الفوسفات في سوريا وتأمين طريق نقل إنتاجها من الفوسفات إلى إيران عبر الأراضي العراقية.

في حين تتقاسم قوات حكومة دمشق مع حليفيها إيران وروسيا، السيطرة على حقول "الخراطة" و"التيم" و"الورد" في دير الزور، وكذلك "حقل الشاعر" الواقع في ريف حمص الشرقي والذي ينتح نحو ألفي برميل يومياً، بالإضافة إلى حقول غاز في المنطقة الوسطى بحمص وحماة والبادية السورية.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً