الأزمة تنهي عامها العاشر.. سوريا مدمرة ولا حل يلوح في الأفق

دخلت الحرب في سوريا عامها الحادي عشر، أزمة بدأت كانتفاضة شعبية محلية لكن سرعان ما تحولت إلى أزمة وصراع بالوكالة تعدد فيه اللاعبون داخل البلاد وخارجها، ودفعت نصف سكان البلاد إلى الفرار بينما لا يزال الآخرون يواجهون مستقبلهم الغامض وسط استمرار الحرب بين الاصلاء.

تدخل الأزمة السورية عامها الحادي عشر وقد تغيرت معطيات كثيرة في خارطة الصراع العسكري والسياسي على السلطة وبات الصراع أبعد ما يكون عن النهاية بعد أن تحولت مناطق سيطرة حكومة دمشق لمناطق نفوذ إمراء الحرب، في حين تحول من ادعوا أنهم معارضة إلى مجموعات مرتزقة تأتمر بأوامر القوى الإقليمية، وطرأت تغييرات على معادلات الخصوم والحلفاء وتعددت فيها منابر المفاوضات.

شرارة الأحداث

وراقب السوريين التغييرات التي جرت في تونس ومصر والنتائج التي حققتها التظاهرات في تلك البلاد. وفي 15 آذار/مارس عام 2011 أراد السوريون أن تتحول شرارة من النار التي أضرمها البائع التونسي البوعزيزي في جسده إلى بلادهم، لكنهم لم يعلموا حينها بأن هذه الشرارة ستحرق الجسد السوري، حيث سرعان ما تحولت تلك الاحتجاجات إلى أعمال عنف مع اعتقال قوات الأمن السورية عشرات المتظاهرين وزجهم بالسجون.

وكانت حادثة إقدام بعض الأطفال والفتية، في محافظة درعا جنوبي سورية، قبل 10 أعوام، على كتابة عبارات مناوئة لدمشق، عود الثقاب الذي أشعل الحطب الذي ظل يتيبس منذ أكثر من أربعين عاماً حتى بات جاهزاً للاشتعال، ولكن لم يكن أحد يظن بأن التظاهرات التي شهدتها مدينة درعا ستتحول إلى حرب طاحنة تستمر على مدى أعوام.

شيئاً فشيئاَ، توسعت رقعة الاحتجاجات في مختلف المحافظات والمدن السورية، وظهرت شعارات "إسقاط النظام ورحيل الأسد"، ومعها بدأت تتشكل كتائب مسلحة معارضة لحكومة دمشق بالتزامن مع انشقاق عدد كبير من أفراد قوات الحكومة.

وصف بشار الأسد المجموعات التي حملت السلاح بـ "الإرهابيين الممولين من قوى خارجية"، وتعهد بـ "سحقهم".

نوايا تركية مبيته

ورغم ذلك، ازدادت حدة الحرب حيث تشكلت عشرات الكتائب والألوية والفصائل ذات التوجهات المتشددة والتي كانت تتلقى التمويل من جهات خارجية بالإضافة لتدفق آلاف المرتزقة الأجانب إلى سوريا من جميع أنحاء العالم، وكانت تركيا أبرز الداعمين لذلك.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/03/14/204801_hsyn-alazam.jpeg

السياسي السوري حسين العزام أشار إلى التدخل التركي المبكر والمؤثر على مسار الأزمة السورية قائلًا: "كان له الأثر السيء والمدمر منذ اليوم الأول، لأن الحقائق تظهر بأن النية كانت مبيته للعمل على حرف الثورة عن مسارها وقد أظهرت الدلائل الملموسة احتواء النظام التركي للفصائل الإرهابية بدليل لا يقبل الشك وفتحت أبوابها على مصراعيه للهجرة إليها ومنها إلى بقية العالم ناهيك عن احتلالها لمناطق شاسعة من الأراضي السورية ولا زالت تهديداتها قائمة".  

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/03/14/204823_kadar-byry.jpeg

وبدوره قال مدير مركز كرد بلا حدود كادار بيري: "في بداية الربيع العربي بدأت الثورات في تونس ثم ليبيا ثم مصر واليمن وكذلك الأمر في سوريا فبدأت دول الجوار تتوجس من أي حراك حولها خوفًا من انتقال الوضع إلى تلك البلاد وهنا نتحدث عن تركيا تحديدًا وبدأت تركيا تشعر بخطورة وضع الثورة السورية وانتقالها إلى تركيا وربما إلى دول أخرى وكذلك الوضع بالنسبة لإيران التي بدأت من اللحظة الأولى بدعم نظام الأسد".

وأضاف: "تحركت تركيا محاولةً السيطرة على هذه الثورة وبدأت بتحريف الثورة عن مسارها الحقيقي السلمي التي رأى كل السوريين من كل الطبقات والأطياف بأنها هي ثورتهم".

وتابع بيري حديثه قائلًا: "بدأت تركيا بدعم من المال القطري تحديدًا بتحريف هذه الثورة عن مسارها وبدأوا منذ البداية بأسلمتها ثم بدأوا بعسكرتها وألحقوا بها إدخال قوة إرهابية عالمية وتحديداً تنظيم القاعدة الإرهابي، كل ذلك بدعم من التنظيم الإرهابي العالمي تنظيم الإخوان المسلمين من أجل السيطرة على مجريات الأمور في سوريا، هدفهم لم يكن إحداث تغيير في سوريا ولا شعارات الثورة السورية بل جُل هدفهم كان كيفية السيطرة على الحكم في دمشق ومازال إلى اللحظة هذا هو تفكيرهم".

وبحسب مدير مركز كرد بلا حدود، فأن "تركيا بدأت بكل هذه الأمور من أجل خدمة مصالح تركيا وأطماعها في سوريا هذا الأمر ليس خافياً على أحد وهذا ما صرح به الساسة الأتراك أنفسهم، فتحدثوا عن أطماعهم في سوريا وتحديدًا المناطق الخصبة والخيرة وخارطتهم تدل على الميثاق الملي والخارطة التي يتم توزيعها من قبل الاتراك من حلب مروراً بكامل الشريط الحدودي وشمال شرق سوريا إلى داخل العراق في كركوك والموصل شاملة القسم الأكبر من كردستان الجنوبية بضمها إلى تركيا".

الأحداث تتصاعد

ومع مطلع عام 2012 طرحت الجامعة العربية بالإجماع مبادرة جديدة لحل الأزمة في سوريا، تقضي بأن تبدأ ما سميت بالمعارضة حواراً مع دمشق لتشكيل حكومة وطنية، على أن يسلم بشار الأسد لاحقاً كامل صلاحياته إلى نائبه بالتعاون مع هذه الحكومة لإنهاء الأزمة.

ورحب حينها ما يسمى بالمجلس الوطني السوري الذي كان يُدار من تركيا، بالمبادرة، غير أن الحكومة السورية رفضتها.

وفي آذار/مارس من نفس العام وجهت دمشق ترسانتها العسكرية إلى حمص وهاجمت حي بابا عمرو وأعلنت السيطرة عليه بعد قتال عنيف استمر قرابة 26 يوماً، فيما أعلن العقيد رياض الأسعد قائد ما يسمى الجيش السوري الحر أن جنوده نفذوا انسحاباً “تكتيكيا” من الحي بعد أن حل فيه الدمار وسقط العديد من الضحايا.

غير أنه في شهر تموز/يوليو أخذت الأزمة السورية منعطفاً آخر بعد أن أعلن تلفزيون دمشق مقتل كل من وزير الدفاع داود راجحة ونائبه آصف شوكت، وحسن تركماني معاون نائب رئيس الجمهورية في تفجير استهدف مبنى الأمن القومي السوري في حي الروضة بدمشق، ومباشرة تم تعيين عدد من المسؤولين بدلاً من الذين قتلوا في التفجير وأصدرت قيادة قوات دمشق بياناً بثه التلفزيون الرسمي قالت فيه “إن هذا العمل الإرهابي الجبان لن يزيد رجال القوات المسلحة الا إصراراً على تطهير الوطن من فلول العصابات الإرهابية”.

واستولت المجموعات المسلحة على مناطق ومدن عديدة في سوريا من بينها معظم أجزاء مدينة حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا وثاني أكبر مدن البلاد.

وفي المقابل زادت إيران من دعمها لقوات حكومة دمشق، إلا أن ذلك لم يغير شيئاً حيث وصلت المجموعات المسلحة إلى وسط العاصمة دمشق وبالقرب من القصر الجمهوري.

أين "المعارضة السورية"؟

يومًا بعد يوم، لم يعد هناك ما يسمى معارضة سورية على الأرض، حيث سيطرت الجماعات المتشددة مثل جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) وداعش على الميدان.

وفي هذا السياق يقول السياسي السوري حسين العزام: "طال أمد الثورة السورية، فازدادت تعقيداً وأفرزت مزيداً من التأزيم شمل المعارضة السورية التي بدأت في الشهور الأولى للثورة، وتعمقت أزمة المعارضة بظهور أسماء جديدة ومتزايدة من الهيئات يصعب حصرها ومعرفة توجهاتها، فضلاً عن تحديد دورها الحقيقي في الثورة".

وأشار إلى أن ما تسمى المعارضة منقسمة لأنها تتبع أجندات إقليمية أو خارجية تنفذ أهواءها ورغباتها على حساب الدم السوري، وأضاف: "المعارضة هي مجر أداة بيد تلك الأنظمة التي ما برحت تصفي حساباتها على الأرض السورية وعلى حساب الدم السوري. بالرغم من عدم وجود معارضة وطنية بالمعنى الحقيقي فهي إما متطرفة دينياً أو مشبعة بالعقل الشوفيني". 

وبدوره قال مدير مركز كرد بلا حدود كادار بيري: "لم يكن هنالك معارضة سورية حقيقية. كان هناك أشخاص معارضون في الخارج وأشخاص معارضون في الداخل، لم يكن هناك معنى حقيقي للمعارضة كجسد وكتنظيم باستثناء التنظيم الإرهابي تنظيم الإخوان المسلمين، لهذا كانت التدخلات الخارجية أياديها ممدودة إلى داخل المعارضة منذ البداية فالتدخل الخارجي هو أحد الأسباب لوجود عدة معارضات ثم موضوع شراء الذمم هذا أيضاً أدى لوجود معارضة تابعة لجهات معينة وتحديداً هنا لتركيا دور كبير في هذا الأمر وأيضاً إبعاد الوطنيين وبعيداً عن ذكر الأسماء كانت هناك شخصيات معارضة لكن تمت إبعادهم عن أي جسد في المعارضة السورية وكل ذلك لانهم لم يكونوا مع طروحات ومفاهيم تنظيم الٍإخوان المسلمين".

وأضاف: "كل تلك المنصات وكل منها على حدا لم تكن تمثل السوريين. غالبية هؤلاء هم مجرد أشخاص اجتمعوا في بلد معين وتم دعمهم من جهة معينة وأعلنوا عن جسد وهيكل سياسي غالبيتهم أشخاص كما ذكرت لا يوجد من يمثلهم على الأرض ولكن غياب شكل المعارضة الحقيقي هو من جعل هؤلاء وطبعاً بالدعم الخارجي الذي تلقوه أن يكونوا لنقول اسمياً أن يمثلوا الشعب السوري".

داعش يزيد وجوده

في صيف عام 2014، سيطر مرتزقة داعش على مساحات كبيرة من سوريا والعراق، إذ سيطر في بداية شهر حزيران على مدينة الموصل العراقية وفي نفس الشهر على مدينة الرقة وأعلنها عاصمةً لخلافته المزعومة في 29 حزيران، كما سيطر على الغالبية العظمى من محافظة دير الزور، بالإضافة إلى تواجده في كل من حلب، إدلب، حماة، ريف دمشق وعدد من المناطق السورية الأخرى، وبذلك بات يحتل ما يقارب نصف مساحة سوريا.

وانهارت قوات دمشق في هذا العام، كما تقدمت المجموعات المسلحة التابعة للقوى الإقليمية وخاصة مرتزقة جبهة النصرة وبعض المجموعات التابعة للإخوان المسلمين المدعومة من تركيا وقطر، وسيطرت على مساحات كبيرة من حلب، إدلب، حماة، درعا، حمص، القنيطرة. وانحصر تواجد قوات دمشق في المدن الرئيسية فقط.

روسيا تتدخل لدعم دمشق

في تلك الفترة بدأت تشير المعطيات إلى أن حكومة دمشق باتت تتجه نحو الانهيار المتوقع، وشعرت دمشق بخطر حقيقي، وطالبت روسيا بالتدخل والتي بدأت تدخلها المباشر في خريف عام 2015 بعد أن انتظرت حتى تصل حكومة دمشق إلى حافة الانهيار لتفرض عليها شروطها، وبهذا التدخل سرعان ما توقف تقدم المجموعات المسلحة بسبب الغارات الجوية الروسية.

تدخلات إقليمية لاستعادة أمجادٍ قديمة وتنفيذ مخططات حديثة

من جنيف إلى فيينا مروراً بميونيخ وأستانا وسوتشي، عقدت القوى الإقليمية والعالمية المتدخلة في سوريا، العديد من الاجتماعات الخاصة بالوضع السوري، في مسعى من كل دولة متدخلة لإيجاد حل يتوافق مع مصالحها، فتحولت الثورة من ثورة ضد الاستبداد إلى أزمة إقليمية تقاذفتها الدول المحيطة بسوريا للحفاظ على مصالحها من تركيا التي دعمت المجموعات المسلحة والإرهابية لإحياء آمالها في إعادة الأمجاد العثمانية، إلى إيران التي وضعت كل ثقلها في سوريا لحماية دمشق من أجل الحفاظ على آمالها في إقامة الهلال الشيعي.

فتركيا فتحت مطاراتها لاستقبال الإرهابيين من كافة أنحاء العالم وسهلت عبورهم إلى الأراضي السورية، كما حولت حدودها إلى معابر يتدفق منها السلاح والإرهابيين والمرتزقة إلى سوريا، وقدمت كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي والطبي لهم. أما إيران فحشدت الشيعة أينما كانوا يتواجدون وأرسلتهم إلى سوريا للقتال إلى جانب حكومة دمشق.

وتعقدت الأوضاع بشكل أكبر عندما تحولت هذه الأزمة إلى أزمة على المستوى الدولي يتنافس فيها كل من روسيا التي وضعت كل ثقلها في سوريا وتحكمت بالقرار السياسي الرسمي للحكومة، والطرف الأمريكي الذي لم يضع كل ثقله لحل الأزمة وعمل في سنوات الأزمة الأولى على تأجيل الحسم والحل.

وفي هذا السياق يقول حسين العزام: "هذه المؤتمرات وأهمها جنيف وما صدر عنه القرار 2254 قد يفضي إلى تحقيق طموح الشعب السوري إذا توفرت فيه الشروط الإيجابية بمشاركة كافة الأطراف المعنية بالأزمة السورية ومنها الإدارة الذاتية لأن أي حل للأزمة السورية بدون مشاركة الإدارة الذاتية سوف يكون منقوصاً وغير مكتفي لشروط الأزمة".

وبدوره قال كادار بيري: "كل الاجتماعات التي حصلت وسوف تحصل في المستقبل سيكون نصيبها الفشل لأنه بكل بساطة يتم استبعاد فئات معينة من الشعب السوري وقسم كبير من الشعب السوري وبعض الأراضي السورية لا يكون لهم ممثلين في تلك الاجتماعات وتحديداً نتحدث عن الكرد وقوات سوريا الديمقراطية التي يتم إبعادها من الاجتماعات".

مسار آخر للأزمة

بالمقابل وعلى الرغم من المآسي وانعدام الأمل لدى السوريين، كانت وحدات حماية الشعب والمرأة قد حملت على عاتقها مهمة الحفاظ على ثلاث مقاطعات أعلن عنها في كانون الثاني 2014 والمتمثلة في مقاطعات الجزيرة، عفرين وكوباني.

ومنذ بداية الأزمة السورية بحثت الولايات المتحدة الأميركية عن فصائل سورية معارضة لمقاتلة دمشق لتقوم بتدريبها وتأهيلها، لكن تنامي المجموعات الإرهابية وحدوث انشقاقات في صفوف المجموعات التي دربتها وانضمام بعضها إلى صفوف الإرهابيين وانضمام الآخرين إلى المجموعات التابعة لتركيا، تحول الاهتمام الأميركي من قتال النظام إلى محاربة الإرهاب.

ففي الـ 4 من آذار/مارس 2015 وصلت مجموعة من 50 مقاتلاً مزودين بجميع أصناف الأسلحة الحديثة من اللواء 51 بعد تلقيهم تدريبات ضمن إطار البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة المسلحة إلى سوريا عبر معبر باب السلامة بمدينة إعزاز. ولقي أفراد هذه المجموعة وخلال أيام معدودة مصرعهم، فيما فرّ آخرون وسلموا أنفسهم لمرتزقة داعش مع أسلحتهم.

وخلال الحرب ضد الإرهاب استطاعت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة أن تثبت جدارتها في محاربة داعش لذا وبعد الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي بدأت قوات التحالف الدولي بتقديم الدعم الجوي لوحدات حماية الشعب والمرأة وخاصة في معركة كوباني في أيلول عام 2014، ليستمر هذا الدعم فيما بعد حتى إعلان تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول/أكتوبر 2015، حيث حضرت الولايات المتحدة بمستشارين عسكريين في معركة تحرير منبج من مرتزقة داعش وتوسع دعم التحالف الدولي لقوات سوريا الديمقراطية حتى الإعلان عن تحرير مدينة الرقة عاصمة الخلافة المزعومة في 17 تشرين الأول 2017، والقضاء التام على داعش بعد تحرير الباغوز في 23 آذار عام 2019.

كادار بيري يقول حول هذا: "شمال وشرق سوريا أو الكرد في الموضوع السوري ومنذ ظهور البوادر الأولى لتحريف الأزمة السورية اتخذوا الخط الثالث ومارسوه بالشكل المثالي في الدفاع عن أنفسهم، وإدارة مناطقهم ولو على شكل ضيق، وبعد محاولة الإرهابيين السيطرة على مناطق الخط الثالث أو على الإدارة الناشئة حديثاً بدأوا بتحرير أراضيهم".

وأضاف: "نجاح هذه القوات في دحر الإرهابيين لفت أنظار العالم والتحالف الدولي. فقوات سوريا الديمقراطية اثبتت نجاحها واقنعت العالم بأنها قوة بإمكانها تحرير الأرض والدفاع عن السوريين بدون هوية معينة فهم الوحيدون الذين يسعون إلى أن تكون سوريا موحدة وهم الأنسب للشعب السوري، لسوريا ديمقراطية لا مركزية، سوريا بعيدة عن الديكتاتورية وعن الإرهاب".

وأوضح أن كل الخطوات والأعمال التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية واقناعها للعالم، دفعت الأنظار فعلياً لهذه التجربة، وقال: "طبعاً ومن خلال متابعتنا وتواصلنا مع الأخوة السوريين في المناطق الأخرى، فالجميع يتمنى أن يكون هناك إدارات كما الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا. الجميع يتمنى أن يكون لهم قوات كقوات سوريا الديمقراطية تدافع عنهم لا قوات إرهابية ولا قوات تريد قتل الشعب السوري. هذه التجربة اثبتت نجاحها مقارنة مع الوضع السوري العام. أي بغض النظر عن النواقص أو الخلل أو الانتقادات التي توجه لهذه الإدارة لكنها ضمن الحالة السورية ورغم عمرها القصير تعتبر الأفضل والأحسن في كل سوريا".

توافقات روسية – تركية على حساب السوريين

وبعد أن أسقطت تركيا في 24 تشرين الثاني من عام 2015، طائرة حربية روسية من طراز سوخوي- 24، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الطائرة الروسية أسقطت فوق سوريا على بعد 4 كيلومترات من الحدود مع تركيا. ووصف إسقاط الطائرة بأنه “طعنة في الظهر من شركاء الإرهابيين”.

وبعد قطيعة استمرت أكثر من نصف عام وصف خلالها بشار الأسد وداعميه في إشارة إلى الروس بالمجرمين، اعتذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إسقاط الطائرة وأعرب عن حزنه وتمنى أن لا تتكرر هذه الواقعة وأضاف أن "إسقاط الطائرة الروسية لم يكن متعمداً وأننا لم نكن نعلم أنها طائرة روسية" وبذلك انحاز أردوغان إلى جانب الروس وأراد تحقيق أطماعه في سوريا من البوابة الروسية، فيما سعت روسيا لاستغلال تركيا لإيقاف الدعم المقدم للمجموعات التابعة لها الأمر الذي سيمكنها من تقوية دمشق.

وفي نهاية عام 2016، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اليابان أنه اتفق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول محادثات السلام السورية، وقال إنهما اتفقا لاستمرار المحادثات في العاصمة الكازخية الأستانا.

وفي 23 كانون الثاني من عام 2017 بدأت أولى اجتماعات أستانا، بين الدول المتدخلة في سوريا والمحتلة لأراضيها (تركيا، روسيا وإيران)، واتفقت هذه الأطراف على ما يسمى مناطق خفض التصعيد، مشرعنة بذلك التدخل الروسي والإيراني في الوضع السوري وكذلك الاحتلال التركي للأراضي السورية.

واستغلت تركيا هذا الاتفاق من أجل احتلال أجزاء جديدة من الأراضي السورية في إدلب، وفي آذار عام 2018 احتلت تركيا بتواطؤ روسي، منطقة عفرين وتسببت هجماتها بتهجير ما يزيد عن 300 ألف من أبناء المنطقة.

وفي عام 2019 شن الاحتلال التركي هجمات جديدة على شمال وشرق سوريا واحتلت مدينتي "سريه كانيه، كري سبي"، وتسببت هذا الهجوم أيضاً الذي حدث بتواطؤ مع الولايات المتحدة في ظل إدارة دونالد ترامب، بتهجير ما يزيد عن 200 ألف شخص إضافي.

وحول اجتماعات أستانا قال كادار بيري: "خطورة أستانا تحديداً تأتي من أنها تجمع الثلاثي الذي كان له اليد الطولة في تدمير سوريا (روسيا، تركيا وإيران) هذه الأطراف الثلاثة اجتمعت مع العلم أن هناك حالة تناقض تامة فيما بينها، الثلاثة كل واحدة منها على حدا كانت تريد أن تكون سوريا ملكاً لها، ولكل منها أطماعها الخاصة في سوريا".

وأوضح أن "روسيا تريد سوريا مشلولة سياسياً وعسكر تحت إمرتها وهي تقوم باستغلال جميع خيرات سوريا كذلك الأمر بالنسبة لإيران التي كان تريد وأعلنتها بأنها تريد السيطرة على أربعة عواصم عربية فهي تريد خط الوصل للهلال الشيعي التي تطمح له إيران وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا".

وأشار بيري إلى فشل أطماع الأطراف الثلاثة في سوريا، وقال: "فشل أطماعهم في سوريا كان بسبب وجود قوات سوريا الديمقراطية ووجود التحالف الدولي الذي وجد في قوات سوريا الديمقراطية القوة الوحيدة المنظمة القادرة على ردع الإرهاب، لهذا فشلت سياسات الثلاثي وأطماعهم فلجأوا لأن يكون هناك تقاسم فيما بينهم حول الموضوع السوري أو كما يسمونها الكعكة السورية، لهذا كانت اجتماعاتهم، فتصوروا نظام دكتاتوري قمعي في تركيا وكذلك نظام دموي يؤمن بولاية الفقيه والروسي حيث بوتين حول روسيا من جمهورية اتحادية إلى قيصرية. الثلاثي يريدون حل الوضع السوري فأي حل سيكون لديهم!".

خسائر بشرية واقتصادية فادحة

ومع دخول الأزمة السورية عامها العاشر، تفاقمت مأساة السوريين وأزماتهم، حيث يتواصل انهيار الليرة السورية وانعدام سبل العيش في مناطق حكومة دمشق، كما لا تزال بعض المناطق تراقب تحركات دول الصفقات وأبرزها روسيا وتركيا.

وكشف تقرير حمل عنوان "ثمن باهظ جدا سيدُفع"، وأعدته منظمة الرؤية العالمية، العاملة في مجال الإغاثة الإنسانية، وشركة فرونتير إيكونوميكس، فداحة الخسائر البشرية والاقتصادية للصراع السوري.

ووفق التقرير فقد حصدت الحرب أرواح 600 ألف سوري، علما أن من بين هؤلاء القتلى، 55 ألف طفل، كما تسبب القتال في نزوح نحو 12 مليون شخص سواء داخل سوريا، أو خارجها، وهو رقم يعادل نصف سكان البلاد.

وإلى جانب الخسائر في الأرواح، فقد حرم آلاف الأطفال من التعليم والسكن والأمن والرعاية الصحية، ومن أسرهم.

وقدر التقرير الكلفة الاقتصادية للصراع بنحو تريليون و200 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية دول الاتحاد الأوروبي بأكمله لمدة عشر سنوات.

وعمّقت العديد من العوامل والقرارات الدولية من معاناة السوريين مثل "قانون قيصر"، الذي ينص على تجميد مساعدات إعادة الإعمار لسوريا، وحظر تصدير أي سلع إلى سوريا أو الاستثمار فيها، هذا إلى جانب الصفقات التي تشمل منتجات النفط والغاز.

ووقع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، على قانون قيصر في كانون الثاني/يناير 2020، وأصبح نافذاً في حزيران/يونيو من العام نفسه.

مساعي لرسم مستقبل سوري مظلم

وعلى الرغم من ذلك تواصل الدول المتدخلة في الأزمة السورية القيام بدورها السلبي ومحاولة تحقيق مصالحها وتعقد الاتفاقيات فيما بينها وتحاول بشتى الوسائل تحقيق غاياتها، وفي هذا السياق عقد في بداية آذار/مارس الجاري، اجتماع في العاصمة القطرية الدوحة جمعت كلاً من وزراء خارجية روسيا وتركيا وقطر، واتفقت الأطراف الثلاثة مجدداً على معادات الشعب السوري.

وفي إشارة إلى هذا الاجتماع، قال مدير مركز كرد بلا حدود كادار بيري: "في الأيام الأخيرة خرجت القوة الخفية التي كانت تدعم هذه الجهات وهي قطر التي خرجت إلى الساحة في الاجتماع الأخير بين روسيا وتركيا وأظهرت قطر كل أنيابها في الملف السوري حيث ظهرت أطماعها والتي هي أطماع الاخوان المسلمين".

وفي ختام حديثه، قال كادار بيري: "بدت الأطماع واضحة. يحاولون التوصل مع الروسي الذي يسيطر على القرار السياسي في سوريا من أجل أن يكون لتنظيم الاخوان المسلمين حصة في الحكم بسوريا وهذا ما يخططون له الآن ويستهدفون قوات سوريا الديمقراطية لأنها لديها المشروع الحقيقي لسوريا والبديل عن جميع هؤلاء الإرهابيين".

هذا وعلى الرغم من مرور 10 سنوات على الأزمة السورية، إلا أنه لا حل يلوح في الأفق. ويبدو أن معاناة السوريين ستستمر لسنوات قادمة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً