العشرية السورية وجبهة الصمود والتصدي!

بشار جرار – واشنطن

لمن لا يذكر، جبهة الصمود والتصدي كانت تحالفاً ضم دولاً من بينها سوريا والجزائر، تعبيراً عن رفضها قرار الرئيس المصري الشهيد أنور السادات، صنع السلام مع إسرائيل.

وتشاء الأقدار أن تشهد سوريا كما الجزائر عشرية من النوع ذاته، يعرفها الجزائريون بالعشرية السوداء وهي سنوات الإرهاب التي بدأت بإدراك الجيش أن جماعة الإخوان الإرهابية قد بلغت في تضليلها الناس الحد الذي أوصلها إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وهي طريق ذهاب لا إياب فيه، حيث عادة ما يحرقون الصندوق الذي أوصلهم فيما يعرف لديهم بمرحلة "التمكين".

تعامل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مع إجرام الإخوان وإرهابهم وخيانتهم بالقوة الغاشمة وهو تعبير معروف لدى المشتغلين بمحاربة الإرهاب. القوة اللازمة في تجريف وتحريق مستنقع الإرهاب يجب أن تكون غاشمة حتى لا ينبت الزرع الشيطاني من جديد. لكن العالم في الثمانينيات غير العالم في التسعينيات وغير عالم الألفية الثالثة. والموقف من سوريا والجزائر مختلف وإن كان الراعي الضامن الدولي واحد هو الاتحاد السوفييتي حينئذ الذي يعرف كيف يرسم الخطوط الحمراء للجميع.

الصادم هو إصرار البعض على تكرار أخطاء الماضي.

"إسلاميو" الجزائر في تلك الأيام أدخلوا "ذبح الرضّع" لوائح "جهادهم" لترويع الآمنين القرويين وإرهابهم بحيث يكفوا عن دعم جيشهم الوطني في حرب التحرير الثانية! تماماً كما عرف من قصف حماة بالطيران أن تلك الضربات "المؤلمة للجميع" لم تكن انتحاراً "سياسياً" بقدر ما كانت فداء للوطن الذي أرادوا كسر إرادته وتجزئته عرقياً وطائفياً، تماماً كما كانت الأسطوانة المشروخة سيئة الصوت والصيت تعزف على تقسيم الجزائريين بين مؤمنين وكفار، متدينين وعلمانيين، عرب وأمازيغ. القسمة كانت جاهزة في سوريا أيضاً فهي وطن عريق عتيق عابق بالموزاييك الإثني. طبعاً هذا لا يعني أبداً تبرير ما جرى من جرائم الجميع بحق الجميع.

مهما حاول البعض تزييف الحقائق، الفضل بعد الله، كله يعود إلى الجيشين الوطنيين الجزائري والسوري في إنقاذ البلاد من براثن الضياع التام. لكن، وليتسع صدر القادة، خذل العسكر والسياسيون (الحزبيون) الوطن السوري كما خذلوا الوطن الجزائري في تكرار الأخطاء ذاتها.

بدلاً من التوجه نحو المدنية ودولة المواطنة ومجتمع الحقوق والواجبات، تمترس الطرفان ومن شابههما في المنطقة خلف ترس محاربة الإرهاب، فقمعت الناس في حرياتها وقهرت في أرزاقها. ولا يحتاج الأمر إلى استطلاع أو اختراق استخباري ولا نظرية المؤامرة للقول بأن في ذلك وصفة جاهزة للتوتر الاجتماعي الاقتصادي بمعنى إما الانتفاضات الشعبية العلنية وإما الانزلاق إلى العنف السري بكل ما يحمل عالم ما تحت الأرض والظلام من آفات الإرهاب والمخدرات والخيانة والدعارة، حتى وجدت تونس الرئيس التنويري الراحل الحبيب بورقيبة مرتعاً لما عرف بـ"جهاد النكاح" الذي تم تصديره إلى سوريا وليبيا التي كانت هي الأخرى عضواً في جبهة الصمود والتصدي!

ونحن نشهد عشرية الإرهاب والقمع في سوريا، نصلي لرب الأرباب، رب العالمين، الله الحق، المحب، الخيّر، الرحمن الرحيم أن يتولانا جميعاً برحمته، ويفتح عيوننا على طريق النجاة بعيداً عن منطق "الفرقة الناجية"! ها قد بدت تباشير تعافي سوريا من الإرهاب. فهل تتعلم الدرس الجزائري وتحول دون تكرار الأخطاء فتعلن تحولاً جذرياً شاملاً نحو دولة المواطنة. صدّق أو لا تصدّق، قد تكون البداية بحركة "تصحيحية" من نوع آخر تبدأ بتراجع الأسد الابن عن قرار الأسد الأب إزاء كامب ديفيد، أو بالأحرى الاقتداء به فيما عرف يوماً بـ"وديعة رابين".. وللحكاية تتمة..

المقالة تعبر عن رأي الكاتب