الأمر الواقع في سياسة تركيا في كردستان العراق

د. جواد كاظم البيضاني - مدير المعهد العراقي للدراسات الكردية

ليس خافيًا على أحد أن الأتراك يتذرعون بحجج، يرون أنها تهدد أمنهم الوطني، وكثيرًا ما تناول أردوغان في خطبه التهديدات الأمنية التي تنطلق من العراق، وتشكل زعزعة لأمن أنقرة واستقرارها وفقًا لقوله، فهل ينطبق هذا الادعاء مع الواقع الذي تفرضه تركيا في العراق؟   

من المعروف أن التدخل التركي المباشر في العراق يعود إلى عام2015م، حيث ادعت تركيا حينها أن هذه القوات موجودة لتدريب قوات البيشمركة، ووفقًا للدستور العراقي فإن قوات البيشمركة جزء من المنظومة الدفاعية العراقية، فلا يحق لأي دولة أن تتدخل في الشأن الأمني إلا من خلال المنظومة الدفاعية المركزية، وحيث أن تركيا تدخلت دون علم هذه المنظومة يكون وجودها على الأرض بمثابة قوة احتلال، وفقًا لذلك عدّ العراق وجود القوات التركية على أرضه هو اعتداء صارخ على سيادة العراق، وأمنه الوطني.

ورغم الاحتجاجات الجماهيرية والرفض الدولي استمرت تركيا بأداء هذا الدور، ففي ليلة الأحد 14 إلى الاثنين 15 يونيو/ حزيران 2020م أعلنت وزارة الدفاع التركية عن بدأ عملية عسكرية سمتها (مخلب النمر) ثم بدأت بشن ضربات جوية على قواعد قالت إنها تابعة لحزب العمال الكردستاني شمال العراق.

مراقبون تحدثوا عن أن هذه العمليات غير مسبوقة في ضراوتها، فكأنما عجت السماء بالطائرات المُسيّرة، لتتضح الصورة يوم الجمعة الموافق 26 يوليو حزيران، حيث بدأ الجيش التركي هجومه بريًّا عنيفًا.

 بدأت صفحات التواصل الاجتماعي تبيّن طبيعة هذا الهجوم وما تركه من آثار سلبية، فهناك ضحايا كثر من المدنيين، ودور مهدّمة ومرافق عامة تعرضت للقصف الشديد من الطائرات المُسيّرة التركية.

 فهل كانت تلك الأرواح المدنية هي هدف تركيا في هذه العمليات؟ وما هو موقف حكومة إقليم كردستان من هذه التطورات؟ وهناك سؤال يطرح نفسه: ما هي دوافع تركيا المنشغلة بالجبهتين السورية والليبية، لفتح جبهة ثالثة؟

إن الإستراتيجية التركية الجديدة تحمل في طياتها تحديات جديدة في منطقة صراع نفوذ بين قوتين تعد الأكبر في العالم من حيث الترسانة العسكرية، ويبدو أن تركيا وجدت نفسها في موقف تحاول من خلاله النفوذ والهيمنة لفرض الأمر الواقع واستغلال طرف (مرحليًّا) في معادلة الصراع.

يبدو أنها نجحت في العراق مستغلة عدم التوافق العقائدي والقومي في بنية هذا البلد الاجتماعية، ومكنها ذلك من فرض إرادتها على بعض الأطراف المحلية في العراق، والضغط والهيمنة على قراراتها، وهذا الأمر ساهم في تغلغلها العسكري وسيطرتها على مساحات واسعة من كردستان العراق بدعوة مطاردة عناصر حزب العمال، محققة في ذلك هدفها الاستراتيجي في السيطرة على ما فقدته عام 1918م.

والذي زاد من طموحها هو محاولة النقيضين روسيا والولايات المتحدة كسب تركيا في أوج مرحلة الصراع تلك، فروسيا تحاول دخول إدلب أقل الخسائر، وفرض الاستقرار الذي تراه مناسبًا لسوريا، والولايات المتحدة تحاول أن تسيطر على المثلث النفطي في سوريا ومنع النظام السوري من الانتفاع به في استراتيجيتها المعروفة بـ(قيصر) ولا يتحقق هذا الضغط إلا من خلال تركيا، ولعل هذه الصراع كان الممكن الفعلي لهيمنة تركيا على منطقة كردستان العراق، خاصة وأن لغة التنافس بين القوى المتصارعة في هذا الإقليم هي محرك العلاقة المتناقضة فيه. فأربيل ترتبط بعلاقات جيدة مع أنقرة، وفي المقابل علاقاتها مع بغداد متوترة جدًّا، لذلك أصبح طريقها الاقتصادي الوحيد نحو العالم هو تركيا، فمن غير الممكن أن تخوض صراع معها في ظرفها الاقتصادي الحرج الذي تمر به.

 وهذه العوامل ساهمت في تحركات تركيا العسكرية وساعدها في فرض سياسة الأمر الواقع.

ANHA