الاعتراف بإبادة الأرمن.. كيف ستتأثر تركيا وماذا عن جرائمها الأخرى؟

عادت "إبادة الأرمن" على يد العثمانيين قبل 106 أعوام إلى الواجهة إثر اعتراف الرئيس الأميركي بأنها إبادة جماعية، فإلى جانب أهمية هذه الخطوة وتداعياتها، هناك جانب أهم يتمثل في أن أهداف تلك الإبادة وأسلوبها يشبه كثيرًا محاولة مماثلة تجري الآن لإبادة الكرد، فهل سيستمر التغاضي العالمي عن الجرائم التركية؟

وفي تطور جديد يتعلق بملف ما يسمى بـ "مذابح الأرمن"، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، مساء السبت 24 نيسان/ أبريل الحالي، أن المذابح التي تعرض لها الأرمن في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى هي "إبادة جماعية".

وقال في بيان بمناسبة إحياء ذكرى الضحايا إنه في هذا اليوم من كل عام نتذكر أرواح جميع الذين ماتوا في الإبادة الجماعية للأرمن في العهد العثماني و "نجدد التزامنا بمنع حدوث مثل هذه الفظائع مرة أخرى".

وأضاف قائلًا في بيانه إنه بداية من 24 أبريل/ نيسان من عام 1915 ومع اعتقال المفكرين الأرمن وقادة المجتمع الأرمني من قبل السلطات العثمانية تم ترحيل مليون ونصف المليون أرمني أو قتلهم أو ذهبوا في مسيرات الموت في حملة إبادة.

وتقول دائرة المعارف البريطانية إن "المذابح" التي تعرض لها الأرمن تمت من خلال عمليات تهجير قسري وقتل جماعي نفذتها حكومة حزب تركيا الفتاة التي كانت تحكم الدولة العثمانية ضد الرعايا الأرمن في الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

ويقول الأرمن إن تلك الحملة كانت محاولة متعمدة لإبادتهم، وبالتالي تعد عملًا من أعمال الإبادة الجماعية، وقد قاومت الحكومات التركية المتعاقبة الدعوات للاعتراف بها على هذا النحو.

'واقعة مفصلية للأرمن'

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/04/26/182726_qsarjyan.jpeg

الصحفي الأرمني المتخصص بالشأن التركي سركيس قصارجيان تحدث لوكالتنا قائلًا: "اعتراف الرئيس الأمريكي بالإبادة الجماعية الأرمنية هي واقعة مفصلية بالنسبة للأرمن وتاريخهم، نتيجة اعتبارات كثيرة بدءًا من وزن الولايات المتحدة العالمي مرورًا بالعلاقة الأميركية – التركية وصولًا إلى النتائج المحتملة لهذا الاعتراف".

وتساءل الصحفي الأرمني: هل هذا الاعتراف هو صحوة ضمير أو موضوع قانوني وحقوقي بحت؟ وأضاف: "بالتأكيد لا، لأنه ليس هناك في عالم السياسة أي ملف أو قضية من هذا النوع إلا وأن يكون له ليس فقط تداعيات وإنما مسببات وعوامل سياسية تدخل في إنشائه أو تركيبه".

ويرى قصارجيان أن هذا الاعتراف له أهمية من الجانبين السياسي والقانوني. وتابع: "في الجانب السياسي، نتيجة لثقل الولايات المتحدة وتوجيهها للسياسة العالمية فمن المتوقع أن تلتحق دول أخرى بركب الاعتراف الأميركي وتقوم بالاعتراف هي أيضًا كبريطانيا التي هي على قائمة هذه الدول التي يتوقع أن تقوم بالاعتراف وسيكون مهمًّا لما تمثله بريطانيا من ثقل في المجتمع الدولي، وهناك دول أوروبية وأسيوية وخليجية وأفريقية وفي القوقاز ستتشجع أكثر.

أما في الجانب القانوني، إذا بقيت الولايات المتحدة متمسكة بالاستمرار في مسار هذا الاعتراف سيكون هناك تداعيات قانونية وحقوقية، ولا ننسى من الجانب القانوني أيضًا تأثير الولايات المتحدة على المؤسسات الدولية المعنية بهذا الملف أو الملفات المشابهة، وبالتالي إذا ما مارست واشنطن ثقلها وضغطها على هذه المؤسسات فمن الممكن أن نشهد خطوات لاحقة لهذا الاعتراف".

وحول ما سيجلبه هذه الاعتراف للأرمن قال الصحفي الأرمني: "هذه الخطوة إذا بقيت في إطار هذا التصريح فقط فستكون داعمًا معنويًّا ليس أكثر، ولكن الاستمرار في هذه الخطوة من قبل الإدارة الأميركية وتحويل هذا الاعتراف والتصريح إلى نهج سياسي أميركي كما فعلت فرنسا مثلًا، هذا يعني أنه يمكن للأرمن على شكل أفراد أو منظمات ومؤسسات التحرك بجدية أكثر للمطالبة باعتراف تركي، ومن ثم اعتذار ومناقشة موضوع التعويضات المادية أو الاجتماعية والنفسية وغيرها".

ماذا يعني ذلك بالنسبة لتركيا؟

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/04/26/182746_mhsn-awdh-allh.jpeg

الكاتب والباحث المصري المتخصص بالشؤون الكردية والتركية، محسن عوض الله، رأى أن موضوع الاعتراف الأميركي بالإبادة الأرمنية، هو خطوة مهمة جدًّا في التضييق على نظام أردوغان وقد تمثل نقطة جديدة في تعميق الأزمة وحدة الخلافات الأميركية – التركية المشتعلة منذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير2021.

وأوضح أنه بعد 100 يوم من وصول بايدن إلى السلطة أول تواصل بين بايدن ونظيره التركي كان من أجل إخطاره فقط بأن واشنطن ستعترف بالإبادة الأرمنية وهذا "دليل على أنه وخلال الشهور الماضية توسلت أنقرة من أجل حدوث تواصل مباشر بين أردوغان ونظيره الأميركي وكان الرفض يأتي من الإدارة الاميركية حتى جاء الموعد الذي حدده بايدن ليكون الاتصال من أجل إخطار أردوغان فقط بالقرار الأميركي حول الإبادة الأرمنية".

وحول تداعيات هذا القرار قال عوض الله: "سيكون له ما بعده، وقد يفتح هذا الاعتراف الأميركي الباب أمام اعتراف المزيد من الدول بالإبادة الأرمنية وذلك بحكم أن أميركا هي الدولة الكبرى في العالم وتمثل قيادة العالم فدومًا بعد أي قرار دولي تتخذه حيال أي قضية دولية تنتهج دول أخرى نفس النهج الأميركي وهذا رأيناه بشكل واضح عقب إعلان دونالد ترامب نقل السفارة الأميركية للقدس حيث فعلت ذلك العشرات من الدول".

وتابع: "بالتالي ذلك يكون بداية لاعتراف دولي كبير بالإبادة الأرمنية، ما قد يتبعه احتمال أن يتحول الأمر إلى الجنائية الدولية ويتم إلزام تركيا بتقديم تعويضات رسمية لأهالي الضحايا الأرمن".

ولكن عوض الله يعتقد أن هذه الخطوة الأميركية لن تتجاوز حدود الكلام، ولن تصل لمرحلة إجراءات قانونية لأن هذا قد يؤدي إلى أزمة شديدة في العلاقات الأميركية – التركية وهو ما لا تريده واشنطن الآن، ربما لأنها ما زالت رغم الخلاف القائم مع تركيا حاليًّا بحاجة لتركيا في بعض الملفات وخاصة في أزمات الشرق الأوسط.

وأوضح أنه ما زال هناك دور وظيفي تحتاجه أميركا من تركيا وهو ما قد يؤجل أي خطوات إجرائية بناء على الاعتراف الأميركي ولكنها قادمة لا محالة.

'بالأهداف ذاتها وبطريقة مشابهة.. تركيا تنفذ إبادة جديدة'

وبحسب مراقبين وخبراء، فإن تلك الإبادة مهدت الطريق للدولة القومية الأكثر تجانسًا، والتي أصبحت في النهاية جمهورية تركيا الحالية.

وبحلول نهاية الحرب، غاب أثر أكثر من 90 في المئة من الأرمن في الإمبراطورية العثمانية وتم محو العديد من آثار وجودهم السابق، وتم منح منازل وممتلكات الأرمن المهجورة في شرق الأناضول للاجئين المسلمين، وكثيرًا ما أُجبر الناجون من النساء والأطفال على التخلي عن هوياتهم الأرمنية واعتناق الإسلام.

وتتشابه هذه الأحداث والأسباب كثيرًا مع ما تقوم به سلطات حزب العدالة والتنمية التركية ضد الكرد في باكور كردستان والمناطق التي تحتلها في سوريا مثل عفرين وسريه كانيه ومختلف مناطق وجودهم.

ومن الجرائم التي ارتكبتها تركيا بحق الكرد، مجزرة منطقة ديرسم، بين سنتي 1937 و1938، إذ كانت هذه المنطقة مسرحًا لواحدة من أسوأ الإبادات بحق الكرد.

ومن أجل فرض جملة من قوانينها ضد هذا الشعب، اتجهت حكومة الرئيس التركي، مصطفى كمال أتاتورك، لشن حملة عسكرية على المنطقة انتهت بمقتل وتهجير عشرات الآلاف من المدنيين، لتُصنّف بذلك مذبحة ديرسم وكل من مأساة ثورة الشيخ سعيد بيران ومجزرة وادي زيلان ضمن قائمة الجرائم التركية بحق الكرد.

وفي غضون ذلك، أكدت تقارير بريطانية مقتل ما لا يقل عن 40 ألفًا من كرد ديرسم خلال الأشهر التي استغلها الجيش التركي لشن هجماته العسكرية على المنطقة.

ولا تزال الجرائم التركية مستمرة في باشور كردستان وشمال وشرق سوريا، وسط توثيق الآلاف من الحالات.

هل سيتم الاعتراف بالإبادة الكردية؟

الصحفي الأرمني المتخصص بالشأن التركي سركيس قصارجيان وفي إطار حديثه تطرق إلى الانتهاكات التي تمارسها تركيا بحق الكرد وشعوب المنطقة قائلًا: "هناك حملة تركية شعواء على الكرد في شمال العراق وتدخل تركي في الكثير من المناطق وجرائم في هذه المناطق، هناك قره باغ والتدخل التركي لدعم الفصائل الراديكالية المتطرفة في سوريا وغيرها، كل هذه الأمور في النهاية تخضع لمزاج المجتمع الدولي والمزاج السياسي العام للمجتمع الدولي وحسابات الدول الكبرى كحسابات التحالف والمصلحة الاقتصادية وحسابات وزن تركيا وموقعها وخططها في المنطقة".

وأوضح في هذا السياق "تأخر اعتراف الولايات المتحدة بالإبادة الأرمنية ليس لأنها لم تكن مقتنعة بوقوع الإبادة أو نقصًا في المعطيات والدلائل التي تشير إلى وقوع هذه الجريمة وإنما نتيجة حساباتها المتعلقة بالربح والخسارة، وبالتالي أي اعتراف بجرائم أخرى ارتكبتها تركيا أو تسبّبت بها السياسة التركية الحالية هي أيضًا تخضع لهذا المعيار، لذلك من الصعب التكهن متى يتم الاعتراف بباقي الجرائم ولكن هناك قول عمِل الأرمن ومنظماتهم على أساسه بأنه "لا يموت حق ووراءه مطالب"، وبالتالي الاستمرار في المطالبة بالحقوق المشروعة من المؤكد في النهاية ستأتي بنتيجة ولو كانت متأخرة جدًّا كما في حال الأرمن بعد 106 أعوام".

وحول إذا ما كانت هذه الخطوة تمثل رادعًا لتركيا قال قصارجيان: "يجب أن يتم الاعتراف بهذه الإبادة ومعاقبة الجاني لكي يكون على الأقل ولو جزئيًّا رادعا، بقاء جريمة الإبادة الجماعية الأرمنية بدون عقوبات وعدم تحمّل الجاني أي تبعات لفعله الإجرامي هذا يشجع غيره ويعطي انطباعًا لكل من يفكر بهذا المسار بأن يشجعه على ارتكاب مثل هذه الأفعال، لأن نتيجة هذه الأفعال هي إيجابية بالنسبة له، كما كانت الإبادة إيجابية بالنسبة لتركيا على مستوى الدولة التركية".

وأوضح أن "العقاب وتحميل تركيا المسؤولية القانونية والأخلاقية والإنسانية والمادية والسياسية، يعتبر ولو جزئيًّا رادعًا لكي لا تشهد الإنسانية جرائم مماثلة في المستقبل".

الصحفي المصري المختص بالشأن الكردي والتركي محسن عوض الله، تحدث في نفس السياق قائلًا: "فيما يخص الاعتراف بما نستطيع أن نسميه الإبادة الكردية، ليس الآن وذلك بسبب الدور الوظيفي الذي تلعبه تركيا في المنطقة والشرق الأوسط وما زالت القوى الدولية بحاجة لها، ولكن عندما ينتهي هذا الدور سيتم فتح ملف جرائم تركيا في الشرق الأوسط وخاصة بحق الكرد السوريين وملفات دعمها لداعش وما ارتكبه بحق الكرد الإيزيديين في شنكال وعفرين".

واختتم عوض الله حديثه قائلًا: "ملفات سوريا والإبادة الكردية سيتم الاعتراف بها ولكن ليس في هذا الوقت وربما نشهد عقود طويلة حتى نصل إلى هذه المرحلة".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً