اجتماعات الخارج والمصالحة مع أردوغان.. تعقيد الأزمة السورية يستمر!

لا يزال الشد والجذب بين الأطراف الدولية المتصارعة على الأراضي السورية مستمراً، ففي حين تتالى اللقاءات بين هذه الأطراف خارج سوريا، تطفو على السطح مساعي المصالحة التركية مع حكومة دمشق، ومع استمرار تجاهل مسببات الأزمة وطرق المعالجة والحل، يبدو أن الوضع السوري يتجه نحو مزيدٍ من التعقيد.

لم تثمر أيّة مساعي دولية عن نتائج تفضي إلى إنهاء معاناة السوريين من الأزمة التي تعاني منها البلاد منذ آذار/ مارس عام 2011، فاللقاءات الدولية والاجتماعات والمباحثات التي كانت ولا تزال تُعقد بعيداً عن الأراضي السورية وحتى بعيداً عن رؤى الشعب السوري، لم تغيّر المعادلة السورية.

المصالح على حساب مساعي الحل

لقد أوصل التدخل الخارجي في الشأن السوري الأزمة في سوريا إلى ما هي عليه الآن، الحراك الذي شهدته سوريا أفسح المجال أمام قوى إقليمية وعالمية للتدخل في سوريا والسعي خلف مصالحها على الأراضي السورية.

لذلك فقد كان أي اجتماع سواء لمجلس الأمن أو في إحدى الدول المحايدة أو المتدخلة في الشأن السوري ينتهي ببيان ختامي لا يجد طريقاً للتنفيذ، لأنه كان يتعارض مع مصالح المتدخلين الخارجيين الذين لم يلتفتوا لمصالح الشعب السوري أو لمعاناته.

وكانت سلسلة اجتماعات أستانا التي انطلقت عام 2017 بين الثلاثي تركيا وروسيا وإيران هي التي أدت إلى تعقيد المشهد السوري، فقد كان التنسيق الروسي الإيراني مع دولة الاحتلال التركي هو مفتاح الأخيرة في التوغل داخل الأراضي السورية بجيشها واحتلال مساحات واسعة وتهجير السكان الأصليين وتغيير التركيبة السكانية في عشرات المدن السورية وتتريكها.

لا يخفى على أحد أن الارتدادات السلبية للسياسة التركية الاستعمارية تجاه سوريا ستستمر لسنوات، ذلك لأن الخطوات التركية على الأرض تظهر أن هذه الأخيرة لا تنوي الخروج من سوريا، إنما هنالك مؤشرات وخطط لتقسيم الأراضي السورية، بعد أن شهدت المدن رفع صور أردوغان وعلم تركيا وتبديل العملة السورية بالتركية وزيارة وزراء وولاة أتراك إلى المنطقة بشكل دوري.

ومما لا شك فيه أن الشعب السوري لا يحتاج إلى التدخل التركي ليصل إلى حل ينهي الأزمة في البلاد، بقدر ما يحتاج إلى ابتعاد الأيادي الخارجية ليقيس حلاً يناسب تطلعاته لا تطلعات المتحكمين بإرادته.

وقد كانت- ولا تزال- كل محاولة للحل تصطدم إما بالولايات المتحدة الأميركية أو روسيا أو إيران أو تركيا أو غيرها من الدول العربية أو الأوروبية، ذلك لأنها لم تكن وفق مصالحهم.

هذا إلى جانب أن حكومة دمشق أيضاً، والتي ارتهنت لإيران وروسيا، لم ترض التغيير انسياقاً خلف ذهنية الإنكار والسلطة لديها وانصياعاً لمطالب المتحكمين بقرارها.

مصالحة دمشق أنقرة تعقيدٌ للمشهد!

بعد أعوام من القطيعة، عاد التواصل التركي مع حكومة دمشق عن طريق أجهزة الاستخبارات، وبينما تتضارب الأنباء عن تاريخ بدء هذه اللقاءات، إلا أنها خرجت للعلن منذ العام 2020، فيما يذهب البعض إلى أبعد من ذلك، وتحديداً قبل أن تشن تركيا هجماتها الاحتلالية على مناطق كري سبي/تل أبيض وسري كانيه/رأس العين.

تجرى هذه اللقاءات بين رئيسي جهازي استخبارات حكومة دمشق والتركي، علي مملوك وهاكان فيدان، ويبدو مؤخراً أن دولة الاحتلال التركي تريد من خلالها التمهيد للتطبيع مع حكومة دمشق بعد أن وصفتها لأكثر من مرة بـ"فاقدة الشرعية".

وكان آخر لقاء بين مملوك وفيدان، بحسب وسائل إعلام، قد جرى في العاصمة السورية دمشق في أواخر شهر آب/أغسطس الماضي.

وبعد إعلان أنقرة عن الاستعداد للحوار مع دمشق دون شروط مسبقة، قال أردوغان خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية في الـ12 من أيلول الجاري، إنه كان يود لقاء الرئيس السوري في قمة سمرقند في حال حضر إليها هذا الأخير.

بالنظر إلى التغيير اللافت في السياسة التركية تجاه حكومة دمشق بوساطة وتشجيع روسي، يصل محللون إلى أن ذلك ينم عن دوافع تركية سببها قرب موعد الانتخابات في تركيا ومساعي نظام أردوغان إلى كسب الأصوات بعد أن أظهرت نتائج استطلاعات رأي عدة فقدان الأخير الكثير من المؤيدين نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب والقطيعة مع المحيط التي تسببت بها سياساته الإقليمية.

كما أن الوسط الكردي يرى أن أردوغان يسعى لحشد المزيد من الجهود لمحاربة الكرد والمشروع الديمقراطي الذي يقودونه في شمال وشرق سوريا.

لكن بالنظر إلى النتائج التي من الممكن أن تأت بها المصالحة التركية مع حكومة دمشق في هذا التوقيت، يمكن التأكيد أنها لن تكون في صالح سوريا والسوريين، ذلك لاعتبارات عدة:

يحاول النظام التركي الاستفادة من هذه الخطوة للاستهلاك الداخلي، ويمكن التكهن بأنها مرحلية تكتيكية وليست استراتيجية، بالتالي يتوقع أن تتغير النظرة التركية إن فاز أردوغان في الانتخابات المقبلة، إذ يحتاج الرئيس الفاشي في الوقت الراهن إلى تحسين علاقته مع الجوار لكسب الداخل وتحسين الاقتصاد.

وزير خارجية في دولة الاحتلال التركي مولود جاويش أوغلو رفض في تصريحات أدلى بها يوم الجمعة المنصرم، 16 أيلول، الانسحاب من الأراضي السورية كشرط لعودة العلاقات مع دمشق، وقال: "إذا انسحبنا من تلك الأراضي اليوم فلن يحكمها النظام، وستهيمن عليها التنظيمات الإرهابية، هذا الأمر خطر علينا، وخطر على النظام أيضاً، يعني أنهُ خطر على سوريا كلها".

تتذرع دولة الاحتلال التركي بحجج الإرهاب لاحتلال الأراضي السورية، ويبدو أن الرفض التركي الانسحاب من الأراضي المحتلة بنفس الحجج هذه المرة أيضاً يوضح مدى الإصرار التركي على البقاء في سوريا، وبالتالي يمكن أن تؤدي المصالحة مع دمشق إلى تشريع الاحتلال التركي للأراضي السورية.

وأخيراً فإن الحل الأنسب لسوريا، من وجهة نظر الكثير، هي الانسحاب التركي من سوريا وقبول حكومة دمشق مطالب السوريين المتمثلة بتحقيق سوريا لا مركزية ديمقراطية تعددية يسودها العدل والمساواة، ولن تزيد المصالحة التركية مع حكومة دمشق المشهد سوى تعقيداً.

الحل في الداخل

تؤكد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا على ضرورة أن يتحاور السوريون فيما بينهم للوصول إلى حلول ترضي الجميع، يكون الأساس في الحوارات هو مبدأ الوطنية، دون الالتفات إلى الخارج أو الارتهان لدول لها مصالحها في سوريا.

لكن مع تمسك كل طرف من الأطراف السورية بداعم خارجي، والانصياع لمطالب هؤلاء، يبقى الحل بعيداً عن متناول يد السوريين ما يشير إلى أن أمد الأزمة سيطول أكثر.

يمهد مجلس سوريا الديمقراطية في الفترة الأخيرة الطريق لقاعدة يمكن البناء عليها وجمع القوى السورية الوطنية المعارضة على طاولة حوار واحدة والسعي لتوحيد الآراء والاتفاق على ثوابت مشتركة للعمل عليها لإنهاء الأزمة السورية.

ويشارك المجلس في اللجنة التحضيرية لمؤتمر القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية في سوريا، حيث تعمل اللجنة على عقد ملتقيات تشاورية في الخارج والداخل السوري، وذلك للنقاش حول الدستور ونظام الحكم ومطالب السوريين.

وعقدت اللجنة ملتقيات تشاورية في الرقة وحلب وقامشلو، إضافة إلى عقد ملتقى ستوكهولم التشاوري الأول والثاني، تمهيداً لعقد المؤتمر العام للقوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية في سوريا.

ولن تكون هذه الخطوة هي الأخيرة، إذ تواصل الإدارة الذاتية ومعها مجلس سوريا الديمقراطية السعي للتقريب بين السوريين والخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد، إذ لدى هاتين الجهتين القناعة التامة بأن الحل سيكون في الداخل، وسيقرره السوريون فيما بينهم، وأي شيء غير ذلك لن يكون حلاً ولن ينهي الأزمة.

(د)

ANHA


إقرأ أيضاً