احتلال سري كانيه وكري سبي.. صفقة على حساب دماء السوريين

تسعى تركيا إلى احتلال الأجزاء الشمالية من سوريا منذ بداية الأزمة ومنها سري كانيه وكري سبي، مستفيدة من التناقضات الأمريكية الروسية، وذلك في سبيل إحياء حلم الإمبراطورية العثمانية البائدة، فكيف احتلت هاتين المدينتين وما هي الظروف التي كانت سائدة في تلك الفترة؟

يصادف الـ 9 من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، الذكرى السنوية الأولى لهجمات دولة الاحتلال التركي على المنطقة الممتدة من مدينة سري كانيه حتى كري سبي/تل أبيض واحتلالهما.

وفي هذا الملف المؤلف من 3 أجزاء سنتحدث عن الأوضاع السائدة في سوريا واستخدام تركيا للمرتزقة لتحقيق أطماعها في المنطقة، والاتفاقات الثنائية التي عقدتها تركيا مع كل من روسيا وأمريكا لاحتلال أجزاء من الأراضي السورية، إلى جانب الأوضاع الإنسانية التي تسببت بها هجمات الاحتلال التركي ودورها في إحياء داعش من جديد وخطورتها على الوضع الأمني في المنطقة عمومًا.

تركيا والأزمة السورية

منذ بدء الثورة السورية في آذار/مارس عام 2011 تدخلت تركيا على خط الأحداث ودعمت المجموعات المسلحة وأمدتها بالسلاح والأموال وأنشأت مقرات عسكرية لتدريبهم داخل الأراضي التركية، مستفيدة بذلك من الأموال القطرية والسعودية، إلى جانب تشكيل مخيمات على طول الحدود لتشجيع السوريين على الهجرة من أجل استخدامهم لاحقًا.

وفي كثير من الأحيان ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي كان حينها رئيسا للوزراء وقال بأنهم سيصلّون في الجامع الأموي بالعاصمة السورية دمشق، في إشارة إلى أنه سيسيطر على سوريا.

واستهدف المخطط التركي عموم سوريا على طول الحدود، وكانت مدينة سري كانيه شاهدة في شهر تشرين الثاني عام 2012 على هجمات جبهة النصرة وغيرها من المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا والتي دخلت المدينة عبر المعبر الفاصل على الحدود بين سوريا وتركيا.

 ولكن تكاتف مكونات سري كانيه بقيادة وحدات حماية الشعب أفشل المخطط التركي باحتلال المنطقة بعد معارك استمرت أكثر من 7 أشهر، استطاعت مكونات المدينة تحريرها من مرتزقة تركيا.

الرياح جرت بما لا تشتهي السفن التركية، بعد التدخل الروسي المباشر لدعم الحكومة السورية اعتبارًا من أيلول/سبتمبر عام 2015، ما أدى إلى خسارة المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا للأراضي تباعًا وكانت مدينة حلب علامة فارقة في الأزمة السورية.

وكانت وحدات حماية الشعب وقوات بركان غضب الفرات وبعض فصائل الجيش الحر، قد استطاعت هزيمة داعش التي شنت الهجمات على مقاطعة كوباني في أيلول/سبتمبر عام 2014، وكانت هذه الخسارة الثانية لتركيا في مخططاتها، وأضيف إليها تحرير مناطق جديدة من داعش من قبل وحدات حماية الشعب مثل كري سبي/تل أبيض، ومع تشكل قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول/أكتوبر عام 2015 بدأ داعش ينهار ويخسر الأراضي بالتزامن مع خسارة مرتزقة تركيا في المناطق السورية الأخرى.

وعلى هذا الأساس، غيّرت تركيا اسلوبها ومخططاتها لاحتلال سوريا، فبعد أن كانت تنادي بإسقاط النظام، دخلت في تحالفات مع روسيا وإيران اللتان كانتا تدعمان الحكومة السورية، وبدأت بعقد الصفقات مع روسيا للتخلي عن المناطق الخاضعة لسيطرة مرتزقتها من أجل السماح لها بضرب مشروع الإدارة الذاتية الذي كان يتطور في شمال وشرق سوريا بقيادة الكرد.

واحتلت تركيا جرابلس والباب وإعزاز عام 2016، ولاستكمال هذا المخطط دخلت في تحالف مع روسيا وإيران تحت مسمى حلف "أستانا" اعتبارًا من بداية عام 2017، وبدأت بسحب مرتزقتها من المناطق السورية المختلفة وتجميعهم في إدلب خدمة لمخططها الهادف إلى احتلال المناطق الحدودية من سوريا والتي يقطنها غالبية كردية وسلخها لاحقًا مثلما فعلت بلواء اسكندرون.

وعبر صفقة مع روسيا، احتلت تركيا مقاطعة عفرين في الـ 20 من آذار عام 2018، مقابل إخراج مرتزقتها من غوطة دمشق وريف حمص وأجزاء من حماة.

التخطيط للهجوم على سري كانيه وكري سبي

بعد أن احتلت تركيا مقاطعة عفرين، وصمت المجتمع الدولي على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها خلال هجماتها، وبعد أن قضت قوات سوريا الديمقراطية على داعش جغرافيًّا في آذار/مارس عام 2019، بدأت التهديدات التركية مجددًا لمناطق شمال وشرق سوريا.

ولكن أبناء المنطقة وقوات سوريا الديمقراطية سعوا إلى نزع الحجج من النظام التركي لمنعه من شن الهجمات، فالنظام التركي تحجج بوجود تهديدات أمنية على حدوده، لذلك سعت قوات سوريا الديمقراطية لانهاء الحجج والذرائع التركية وطالبت الولايات المتحدة الأمريكية حليف تركيا في الناتو أن تكون وسيطًا.

وبعد مباحثات بين تركيا وأمريكا لمدة ثلاثة أيام، تم الإعلان في 7 آب/أغسطس عام 2019 عن التوصل إلى اتفاقية بتشكيل ما يسمى "المنطقة الآمنة".

وردّت قوات سوريا الديمقراطية على لسان قائدها العام مظلوم عبدي، على الاتفاق، وقال عبدي خلال كلمته أمام مسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة الأمريكية، وقسد في اجتماع عقد في مدينة الحسكة، إن قواتهم ستبذل كل ما بوسعها لإنجاح هذه التفاهمات الأمريكية التركية حول الآلية الأمنية.

ونص التفاهم على إنشاء منطقة أمنية، وتشكيل غرفة عمليات مشتركة بين الطرفين، وتسيير دوريات مشتركة "أمريكية - تركية"، في المنطقة الممتدة من مدينة سري كانيه وكري سبي بعمق يصل من 5 إلى 9 كم في بعض الأحيان، لتدخل حيز التنفيذ في الـ 8 من أيلول/سبتمبر 2019 عبر تسيير أول دورية مشتركة بين الطرفين في الريف الشمالي الشرقي لمدينة كري سبي بواسطة 12 آلية عسكرية أمريكية وتركية.

وتزامنًا مع الدوريات المستمرة بين طرفي الاتفاق، سحبت قوات سوريا الديمقراطية أسلحتها كافة، ومقاتليها من المنطقة الحدودية، وهذا ما أكده التحالف الدولي، وبدأت المجالس العسكرية المحلية التي تشكلت حينها بردم الخنادق، والسواتر الترابية، وإزالة المتاريس العسكرية، بإشراف القوات الأمريكية لتبديد المخاوف التي تحدثت عنها تركيا.

وأكد حينها مسؤولون عسكريون في قسد إن سحب القوات والأسلحة من المنطقة الحدودية وترك أمورها للمجالس العسكرية المحلية، يأتي في إطار التزام قواتهم بالاتفاقية المبرمة بين الجانب الأمريكي والتركي، ولحماية المنطقة من أي هجوم تركي.

الانسحاب الأمريكي والهجوم التركي

ومع استمرار قوات سوريا الديمقراطية في تبديد ما تسميه تركي "مخاوفها الأمنية"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 تشرين الأول سحب القوات الأمريكية من سوريا.

جاء هذا القرار كصدمة لقوات التحالف الدولي الذي يحارب داعش، ولكن ترامب الذي أعلن عن القرار بعد اتصال هاتفي مع أردوغان، أراد إعادة تركيا إلى الحضن الأمريكي بعد أن ارتمى أردوغان في حضن موسكو واشترى أنظمة دفاع جوي إس- 400.

هذا القرار لم يلق الترحيب حتى في أوساط القرار الأمريكية، إذ نشب خلاف بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض والبنتاغون، بعد أن كان سبق ذلك استقالة كل من وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس والمبعوث الأمريكي لدى التحالف الدولي ضد داعش في سوريا بريت ماكغورك، في 21 و 22 كانون الأول من عام 2018 على التوالي بعد حديث ترامب عن خطط للانسحاب من سوريا قبل أن يتم هزيمة داعش في آخر معاقله بالباغوز في آذار 2019. 

فيما اتهم القائد السابق للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال جوزف فوتيل الرئيس الأمريكي بالتخلي عن حلفاء يشكلون القسم الأكبر من قوات سوريا الديموقراطية التي كان لها دور حاسم في محاربة مرتزقة داعش.

واستغل الاحتلال التركي هذا القرار، وشن هجومًا واسع النطاق في الـ 9 من تشرين الأول 2019 على مناطق متفرقة من شمال وشرق سوريا، استخدمت فيها الطائرات، المدافع، الدبابات، وكل ما تمتلكه من آليات عسكرية متطورة، معتمدة على مرتزقة من بيهم جبهة النصرة وداعش الذين تخفوا تحت اسم "الجيش الوطني السوري" مدعومين بالجيش التركي للتوغل برًّا.

وجوبه الهجوم التركي بمقاومة بطولية من قوات سوريا الديمقراطية التي تضم الكرد والعرب والسريان، لمدة 9 أيام متواصلة لم يبخلوا فيها بالتضحية، في سبيل حماية المنطقة والحفاظ على أخوة الشعوب، إلى أن توصلت كلٌّ من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا إلى هدنة في الـ 17 من تشرين الأول، استمرت 5 أيام.

وتلا ذلك تفاهم روسي تركي بعد زيارة الرئيس التركي إلى روسيا ولقائه بوتين في الـ 22 من الشهر ذاته، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بعد تفاهم بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الروسية على انتشار الشرطة العسكرية الروسية وحرس الحدود التابع لحكومة دمشق على طول الحدود السورية.

وبناء على هذا التفاهم بدأت قوات حرس الحدود بالانتشار على طول الحدود اعتبارًا من 23 تشرين الأول/ أكتوبر.

لماذا تاريخ الـ 9 من تشرين الأول؟

لم يكن شن الهجمات على المنطقة من قبل الاحتلال التركي في تاريخ 9 تشرين الأول محض صدفة، ففي هذا التاريخ من عام 1998 بدأت المؤامرة الدولية التي طالت القائد عبد الله أوجلان شاركت فيها قوى الهيمنة في الحداثة الرأسمالية، تم فيها إخراج القائد عبد الله أوجلان من سوريا حتى تم تسليمه لتركيا في 15 شباط عام 1999.

إن شن الهجمات في الذكرى الـ 21 للمؤامرة الدولية على أوجلان، يؤكد استمرار المؤامرة الدولية عليه وعلى فكر أوجلان الذي يطبق عبر الأمة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا كسبيل لخلاص الشعوب من الظلم وضمان حرية الجميع.

ردود فعل

قدمت قوات سوريا الديمقراطية تضحيات كبيرة في حربها ضد داعش نيابة عن الإنسانية، وهذا ما أكسبها أصدقاء كثر في العالم، الذين لم يتوانوا عن إظهار مواقفهم من الهجمات التركية على مناطق شمال وشرق سوريا.

ولم تتوقف الردود على الدول الأوروبية خصوصًا فرنسا والمسؤولين وقادات الأحزاب في أمريكا وأوروبا، بل ظهرت مواقف عربية واضحة تقف ضد العدوان التركي.

إذ أدانت المملكة العربية السعودية وكلًّا من الجزائر ومصر والأردن ولبنان والإمارات الهجوم، وكذلك الجامعة العربية.

ظروف تركيا الداخلية وفشل مشاريعها الخارجية

إن النظام التركي دومًا ما يلجأ إلى إثارة المشاعر القومية لدى الأتراك من أجل البقاء في سدة الحكم، إذ كانت تركيا تعيش وما تزال أوضاعًا داخلية صعبة نتيجة عمليات الاعتقال التي بدأت بعد محاولة الانقلاب المزعومة عام 2016 والتدهور الاقتصادي الكبير الذي تعيشه البلاد بسبب سوء السياسات الاقتصادية وتهاوي العملة التركية وعمليات الانشقاق ضمن صفوف حزب العدالة والتنمية.

إلى جانب سوء السياسات الخارجية وفشل مشاريعها التدخلية في مصر وتونس والسودان وفي سوريا أيضًا، فلجأت إلى شن الهجمات على شعوب المنطقة من أجل تحييد نظر الأتراك عن المشاكل الداخلية التي سببها تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية اليمني المتطرف.

المشروع التركي في المنطقة

ويتحدث نائب الرئاسة المشتركة في المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية حمدان العبد المنحدر من مدينة كري سبي المحتلة، عن الأهداف التركية في المنطقة ويقول: "إن ما يريده أردوغان والعثمانية الجديدة هو توسيع رقعة الجغرافية التركية، وتتريك المنطقة، وتهجير سكانها، وضم قسم جديد لمخططاتها العثمانية من الأراضي السورية والعراقية ابتداء من «كسب مرورًا بحلب، ومناطق شمال وشرق سوريا، وصولًا إلى كركوك والموصل".

ولفت العبد أنه منذ بداية الأزمة السورية تدخلت تركيا في الأزمة وسعت إلى تنفيذ "مشروع إخواني" وضم أجزاء سورية أخرى إلى الخريطة العثمانية، معتمدة على ورقة اللاجئين بعد بناء المخيمات على الحدود السورية التركية، لاستخدامهم واستغلالهم لمطامعها.

وأشار إلى أن تركيا مع تحول الحراك الشعبي في سوريا من حراك سلمي إلى مسلح، فتحت حدودها بشكل كامل لدخول وخروج المرتزقة والأسلحة والمفخخات وأدوات القتل، واعتمدت عليها لاستهداف الأراضي السورية تحت مسميات مختلفة مستغلة الدين الإسلامي.

ويؤكد حمدان العبد أن تركيا لا ترغب بتطور الديمقراطية في المنطقة، وإعلان الإدارة الذاتية التي تضم مزيجًا من المكونات والوجود العشائري العربي والكردي، والآشوري والتركماني، وإسهام الجميع معًا في إحلال الأمن والاستقرار في المنطقة، وعدم التفرقة بين المكونات والديانات، ولذلك شنت الهجمات بنفسها بعد فشل أتباعها في تحقيق أهدافها على مدار السنوات الماضية.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً