آلام (الفرمان) الأخير خلقت إرادة قوية...ويجب محاسبة الدول المشاركة فيه

استمد الإيزيديون من آلام مجزرة شنكال الأخيرة، إرادة قوية للمضي في خلق تنظيم بين المجتمع الإيزيدي وإعلان إدارتهم الذاتية وتشكيل قواتهم العسكرية، في حين يعتبر الإيزيديون الفرمان مستمرًّا لكن بطرق أخرى.

لم تكن مجزرة (فرمان) شنكال، في 3 آب 2014، الوحيدة التي تعرض لها الإيزيديون، فقد تعرض المجتمع الإيزيدي وعلى مدى تاريخه الطويل لـ 73 مجزرة، تُعرف بين الإيزيديين بالفرمانات "حملات الإبادة الجماعية"، أغلبها نُفذت على يد العثمانيين، لتكون الأخيرة على يد من دعمهم حفيد العثمانيين.

وبعد مرور7 أعوام على آخر مجزرة، وعلى الرغم من انتهاء داعش ميدانيًّا، إلا أن الآلام ما تزال مستمرة، فالمرتزقة لم تتم محاسبتهم وكذلك الداعمون لهم، الذين ما زالوا يرتكبون الجرائم، وأيقن المجتمع الإيزيدي وبعد73 فرمانًا أن تنظيم الصف هو السبيل الوحيد لعدم تكرار المجازر.

تاريخ من الهجمات الوحشية الهدف منها الإبادة

تذكر بعض المصادر التاريخية أن الإمبراطورية الرومانية هاجمت شنكال عندما كانت تحت سيطرة الآراميين، وقد قاوم أهلها الغزو الروماني، لكنهم لم يستطيعوا إيقاف الجيوش الرومانية، ودخلها المسلمون بقيادة أبي موسى الأشعري بعد ظهور الإسلام بعقدين.

وقبل ألف عام تقريبًا هاجمت جيوش السلاجقة بقيادة طغرل بك العراق وجنوب كردستان، وقبل أن تصل الجيوش إلى بغداد كان طريقها يمر من شنكال، ودفاعًا عن المدينة، قُتل نحو أربعة آلاف من أهلها الذين حوصروا لشهر تقريبًا.

​​ويقول بعض المؤرخين إن السلاجقة اضطروا لطلب تعزيزات بسبب مقاومة المدينة القوية لهم، لكن الفترة الأليمة بالنسبة للإيزيديين كانت فترة السلطنة العثمانية، فقد قامت الجيوش القادمة من تركيا مرة أخرى بمذابح في المنطقة، لقد كان العداء للإيزيديين حاضرًا، وخاصة أنهم منبع التراث والثقافة الكردية العريقة، لذلك كان هدفهم الأساسي الإبادة.

ولم يقتصر استهداف الإيزيديين على شنكال فقط، بل نُفذت المجازر بحقهم على امتداد جغرافية كردستان.

التاريخ الدموي جدّد نفسه في شنكال

وعلى مر التاريخ، ووصولًا إلى عام 2014، وبالتحديد شهر آب، أعاد التاريخ الدموي نفسه بحق الإيزيديين، لتُسَجل مجزرة القرن بحق شنكال مرة أخرى.

مرتزقة "داعش" وبتمويل إقليمي، وتركي بالتحديد، شنوا هجومًا وحشيًّا على قضاء شنكال في جنوب "باشور" كردستان، ونفذوا المجازر بحق الإيزيديين هناك.

وبحسب من نجا من المجزرة، فإنه، وفي ليلة الـ 3 من آب، وفي تمام الساعة 2.30 بعد منتصف الليل، شن المرتزقة هجومهم البربري على الإيزيديين، وعلى الرغم من المقاومة التي أبداها بعض الشباب الإيزيديين الذين تطوعوا للدفاع عن شنكال في قرية سيبا شيخ خدر وكر زرك، إلا أن داعش استطاع اجتياح شنكال، بعد فرار عناصر بيشمركة الديمقراطي الكردستاني.

الناجون توجهوا إلى سفوح جبل شنكال، الذي بقي طيلة الفرمانات الـ 73 الحامي الوحيد للإيزيديين، ولم يقع جغرافيًّا "الجبل" في يد أي قوة مهاجمة.

ليبقى مئات الآلاف من الإيزيديين محاصرين، دون ماء أو طعام وسط حرارة الصيف الحارقة، حتى تدخلت قوات الدفاع الشعبي "الكريلا" التي توجهت من جبال كردستان نحو شنكال، وقدّمت العديد من الشهداء في سبيل حماية الناجين، ولتعمل وحدات حماية الشعب YPG والمرأة YPJ التي استهدفت فتح ممر إنساني من شنكال نحو روج آفا، ليصبح ذلك الممر "ممر الحياة الجديدة" بالنسبة للإيزيديين.

من أيام العثمانيين وصولًا إلى داعش ومرتزقة الجيش الوطني...الهدف قتل الإيزيديين

الآلاف من الإيزيديين قُتلوا، واختطفت آلاف النساء، العشرات من المزارات الدينية الإيزيدية دُمرت بالكامل بحجة "الكفر والردة عن الدين"، وهي ذات التهمة التي أُلحقت بهم من أيام العثمانيين وصولًا إلى داعش، بعد تحريف تاريخ المجتمع الإيزيدي بشكل متعمد.

داعش لم يكن الوحيد الذي هاجم الإيزيديين، ففي سوريا تعرض الإيزيديون لأفعال مشابهة لما تعرضوا له في شنكال، مرتزقة الاحتلال التركي "الجيش الوطني السوري" وبعد أن احتلوا عفرين وسري كانيه خلال عامي 2018 و2019، دمروا أيضًا المزارات الدينية الإيزيدية، واستولوا على منازل الكرد الإيزيديين، أمام عين أردوغان، الذي لم يدخر جهدًا ليشرعن احتلاله للأراضي السورية، ويوهم العالم بحمايته للأقليات.

تركيا وبتنسيق عراقي مع PDK تحاول تنفيذ ما لم يقم به داعش...تنظيم الصف وقوف أمام الإبادة

ومع تأمين الأسر في روج آفا، شكّل الشبان الإيزيديون وبدعم من مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات الدفاع الشعبي "وحدات مقاومة شنكال"، بعد يوم من هجوم 4 آب 2014.

ومنذ ذلك الوقت حملت وحدات مقاومة شنكال وقوات أسايش إيزيدخان على عاتقها حماية شنكال وأهله، لضمان عدم تكرار المجازر بحقهم، ولتشكّل الشابات الإيزيديات إلى جانب ذلك قوة خاصة بهن وشاركن في حملة تحرير مدينة الرقة أيضًا، لتحرير النساء الإيزيديات المختطفات.

لتكون القوات المتشكلة من الشبان الإيزيديين، هي الوحيدة، حسب رأي القضاء، التي من حقها القيام بمهام الحماية في شنكال.

في حين حملت الإدارة الذاتية التي تشكلت في 14 كانون الثاني عام 2015، على عاتقها إدارة شنكال وتنظيم أهله.

وفي1 نيسان 2018، أعلنت قوات الدفاع الشعبي HPG عن انسحاب قواتها من شنكال بعد أن أنهت مهامها بنجاح، وتمكنت من وضع حجر الأساس في الدفاع عن المنطقة، وتركت مهام الحماية لقوات شنكال.

لكن منذ 2017 ووصولًا إلى عام 2021، لم تكف تركيا عن استهداف شنكال وأهله، أكثر من 20 هجومًا تركيًّا جويًّا تعرض له قضاء شنكال منذ إخراج مرتزقة داعش منه، ما يؤكد أن داعش هاجم شنكال بدعم تركي مباشر.

 وقد حاول الاحتلال التركي من خلال استهداف القياديين والنخبة الإيزيدية من توجيه ضربات مباشرة للمقاومة والإدارة الإيزيدية، كاستهداف عضو منسقية المجتمع الإيزيدي مام زكي شنكال وبعده مام بشير، وأيضًا استهداف القائد العام لوحدات مقاومة شنكال زردشت شنكالي.

وبعد 7 أعوام، وتحديدًا خلال شهر حزيران من 2020، بدأت موجة العودة للإيزيديين النازحين من شنكال بعد هجوم داعش، والذين قطنوا في مخيمات باشور كردستان، لكن! يبدو أن ذلك لم يرُق لتركيا، ولم يتماشَ مع مخططاتها الاحتلالية لجغرافية كردستان وإبادة الكرد ثقافيًّا، الذين فقدوا جزءًا كبيرًا منها، جراء الفرمانات التي حصلت بحق الإيزيديين.

اتفاقية 9 تشرين الأول 2020، والتي أعلنت عنها الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني أثبتت للإيزيديين أن الفرمان ما يزال مستمرًّا بحقهم.

الاتفاقية التي وُقّعت تحت مسمى "تنظيم الأمور الإدارية والأمنية في شنكال "جوبهت بمقاومة كبيرة من قبل المجتمع الإيزيدي في شنكال، وخلقت ردود فعل رافضة لها، حالت دون تنفيذ بنود الاتفاقية، ما دعا أردوغان إلى توجيه تهديده المباشر، والذي جاء بعد فشل تنفيذ سياسته في شنكال من خلال PDK وبغداد، وبعد صلاة الجمعة في مدينة إسطنبول 22 كانون الثاني من العام الجاري، قال لوسائل الإعلام "قد نأتي على حين غرة، ذات ليلة"، في إشارة إلى إمكانية تنفيذ هجوم تركي على شنكال.

يجب محاسبة الدول التي شاركت في إبادة الإيزيديين والعمل على دعمهم

اعترفت الحكومتان الهولندية والبلجيكية وقبلها دول أخرى في وقت سابق بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في شنكال، ما يفتح المجال لخطوات إيجابية أخرى تدعم الإيزيديين.

عضو اللجنة التنفيذية لحزب العمال الكردستاني، مراد قره يلان، في تصريح له حول الموضوع، نُشر بتاريخ 20 تموز 2021، اعتبر قرار الحكومتين الهولندية خطوة إيجابية مطالبًا بالذهاب أبعد من ذلك، ومحاسبة الدول المشتركة في الإبادة.

وشدد قره يلان على ضرورة تقديم الدعم للمتضررين في شنكال، وقال "في الوقت الذي تقر فيه الدول بالاعتراف، عليها أن تعمل من أجل هذه الأمور أيضًا".

الإدارة الذاتية حق مشروع للإيزيديين...ما حصل بعد الفرمان الأخير منعطف تاريخي

بتاريخ 23 تموز 2020، عقدت الإدارة الذاتية في شنكال مؤتمرها الرابع، وانتخبت رئاسة مشتركة جديدة، فيما انضم المكون الشيعي بشكل رسمي إلى هيكلية الإدارة.

وتمخض المؤتمر عن بيان ختامي، جدد التأكيد على  أن الإدارة الذاتية هي حق مشروع للإيزيديين ويكفله الدستور العراقي، ولا تسعى أبدًا إلى تقسيم الأراضي العراقية .

فبالنظر إلى ما جرى بعد فرمان شنكال الذي يعدّ مركز ثقل الديانة الإيزيدية وخزينة الحفاظ على الثقافة الكردية المتجذرة، نجد أن مجزرة آب 2014 على يد مرتزقة داعش كانت منعطفًا تاريخيًّا بالنسبة للإيزيديين، ونقطة تحوّل مهمة في تنظيم المجتمع الإيزيدي ورص صفوفه وخاصة بعد حالة الشتات الكبيرة التي عاشوها نتيجة سياسات الديمقراطي الكردستاني والحكومة العراقية الاتحادية التي أبقت المنطقة في حالة نزاع، حيث افتقد أهلها العديد من حقوقهم المدنية والسياسية وحتى الدينية.

ليسجلوا لأول مرة في تاريخهم وجود قوى عسكرية خاصة بهم لحمايتهم.

ANHA


إقرأ أيضاً