"سحور فوق الركام".. التصعيد الإسرائيلي الأخير يعمق الأزمات الكارثية في غزة

مرت الأيام الأولى من شهر رمضان، على أهالي قطاع غزة بحزنٍ بالغ، إذ أن بعضهم من فقد أحد أفراد  عائلته، أو دُمر منزله بالكامل وتشردوا بفعل ذلك، ومن نجا من هاتين، أًصابته اللوعة على الذين فقدوا حياتهم وتضرروا بفعل التصعيد الأخير مع إسرائيل.

"يومان من القصف كانتا مدة كافية لإعادة تذكير الفلسطينيين في غزة بكل أشجانهم وأحزانهم التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2014" يقول الفلسطيني علي أبو سعدة لـ"هاوار" خلال حديثه عن الحال التي عاشوها في التصعيد العسكري الأخير.

ويضيف أبو سعدة الذي فقد أحد أقربائه بغارة إسرائيلية: " لم نكن نتوقع أن نقابل بتصعيد دموي، بدل استقبال شهر رمضان الكريم، صحيح أننا لا نعاني من راحة بال كبيرة، لكننا كنا في وضع أقل خطورة من هذا التصعيد، وكنا نحاول على الأقل أن نخلق الفرح، بدل مشاهد الدم والحزن، لكن صوت الطائرة الحربية أعلى من صوتنا، وقرارها أكثر واقعية من قرارانا وتخيلاتنا".

على ضوء خافت، وتحت أصوات الطائرات الإسرائيلية المسيّرة المُحلقة في سماء غزة، تناول يعقوب المدهون سحور اليوم الأول من رمضان، فوق ركام منزله المدمر بغارة إسرائيلية، يقول المدهون: " كل ما أملك ضاع في لحظة من الزمن، بيتي الذي يأويني أنا وأولادي، حرمتنا منه الطائرات الحربية، ومن كل ما نملك، خرجنا فقط بملابسنا التي نرتديها الآن، وغير ذلك كله مسحته الصواريخ".

تنفس المدهون بهيئة حزينة وأضاف: " لا أدري، لماذا دمروا بيتنا؟ لا نحمل سلاحاً، ولم نشارك في أية نشاطات، فلماذا قتلوا اطمئناننا".

في وسط القطاع جلس الشاب نجم أبو عيطة في وضعية مؤلمة، كان يسند ظهره إلى حائط مشقوق بفعل القصف وأمامه محله التجاري الذي لم يبقّ منه سوى الحجارة، ينظر الشاب قليلاً إلى المحل ثم يعود متألماً أكثر، إذ أن هذا المحل كان يعيل من خلفه عائلته، والأكثر إيلاماً أنه – حسبما يروي لـ"هاوار"-  الآن خرج مديوناً للتُجّار، بعد أن اشترى كمية كبيرة من الملابس، لشهر رمضان وعيد الفطر.

يقول أبو عيطة، خريج كلية اللغة العربية: " هذا المكان، دفعت عليه عائلتي كل ما  تملك، لتوجد لي فرصة عمل يمكنها إعالتنا جميعاً، لكن ذلك تحول لمأساة الآن، فإسرائيل تتعمد قتلنا في كل زاوية ترانا فيها نصنع حياة".

أبو عيطة، واحداً من التجار الذين جهزوا  محالهم لاستقبال شهر رمضان، والذي يعتبر موسماً تنشط فيه الحجاة للشراء إلى مستوى أفضل من الأيام  العادية، إلا أن تدمير محالهم شكّل فاجعة بالنسبة لهم فهو مصدر رزقهم الوحيد.

 

خلفّ القصف الإسرائيلي  الكثيف على قطاع غزة خلال الأسبوع الجاري، خسائر كبيرة في أملاك الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع محاصر منذ ما يزيد عن 13 عاماً.

 حيث دمرت الطائرات الإسرائيلية مئات الوحدات السكنية بشكل كلي وجزئي، كما تعرّضت الحركة التجارية لتوقف شبه كلي،  في وقت كان أصحاب المحال التجارية والتجار الفلسطينيين، يأملون أن يعوض موسم شهر رمضان وعيد الفطر بعضاً من خسائرهم التي تكبدوها بفعل الانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه القطاع.

المختلف في هذا التصعيد -كما يراه الفلسطينيون- أنه خلفّ دماراً واسعاً، في غالبية القطاعات الحيوية والبنى التحتية، حتى أن الاستهداف الواسع للأبنية والتجمعات السكنية، شكّل رعباً للفلسطينيين وفرّ بعضهم من منازلهم القريبة من البيوت التي تدمرت بفعل القصف، خوفاً من تدمير بيوتهم أيضاً. 

يقول الفلسطيني  ناجي ضرغام: "إن حجم الدمار الكبير الذي نشأ بفعل القصف الجوي العنيف يدلل على حجم القوة المفرطة التي استخدمتها إسرائيل، في تدمير هذه المنشآت التي كانت بأكملها ذات طابع مدني وتحتوي على سكان مدنيين باتوا بلا مأوى حالياً".

لازال أهالي القطاع مصدومين من نتائج التصعيد الأخير، إذ أنه ترافق مع حالة من الفقر والعوز أمام واقعٍ اقتصادي كارثي يعانون منه، وجاء التصعيد ليُعمّق هذه الأزمات الكارثية.

ويعاني قطاع غزة من حصارٍ إسرائيلي خانق مفروض على القطاع منذ ما يزيد عن 13 عاماً، والذي خلّف أزمات إنسانية ومعيشية حادة للأهالي.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، بلغت نسبة البطالة في غزة، 54.9 في المائة، وهي النسبة الأعلى عالمياً، ليتجاوز عدد العاطلين 280 ألف شخص، وتجاوزت نسبة البطالة 73 في المائة بين الشباب والخريجين في الفئة العمرية من 20 إلى 29 سنة، الحاصلين على مؤهل دبلوم متوسط أو بكالوريوس.

ويعتمد أكثر من 80 في المائة من سكان قطاع غزة على المساعدات الإغاثية التي تقدمها المؤسسات الدولية العاملة فيه، في الوقت الذي لا يزيد متوسط دخل الفرد اليومي عن دولارين أميركيين، إلى جانب وصول نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى نحو 69 في المائة.


إقرأ أيضاً