"بين القصرين" الشامي والسوري..

بشار جرّار يكتب من واشنطن عن أخطر معارك الأسد

ما هي إلا ثوان معدودات حتى أدركت مدى الإحباط والخوف الذي تملّك رامي مخلوف "رجل الأعمال" الذائع الصيت والحظوة والسطوة لردح من الزمان في الفيديو الذي تم إخراجه قبل أسبوع على نحو يستجلب السخط والهلع أكثر من التعاطف والاطمئنان.

لم أكن لأضيع وقتاً في المتابعة لولا بث "روسيا اليوم" له على موقعها عبر فيسبوك. شدني القرار التحريري في البث، ومن ثم خلفية التصوير، حجارة وحطب.. وقد طغى هذا الأخير على المشهد للرسائل التي حملها عمداً أو عن سوء تقدير أو محض صدفة بمعنى "رب رمية بلا رام!"

في التراث الإسلامي تقبع في الذاكرة صور "أبي لهب" وامرأته "حمّالة الحطب"، وفي التراث العربي والمشرقي والإنساني كله تبرز صورة الحطاب الذي يحتطب طلباً للرزق أو الدفء، لكن ثمة صورة أخرى هي ذلك الذي هوى بالفأس على خاصرة الأشجار تقطيعاً لغاية إطالة أوار نيرانٍ تحت الرماد.

لم يترك لنا مخرج "فيلم" مخلوف من علامة تدلنا على حبكته سوى حجارة صماء مبنية على نحو يدل على فخامة المعمار، وانتفاء صفة الزهد عنه، وعليه لم تسعفه اللحية ولا تغييب ربطة العنق ولا بحة الصوت ولا حشرجة الكلام، القصة ليست تباكياً على ثروات وطن ولا أرزاق الرفاق ولا "المعتّرين" في زقاق حارات دمشق واللاذقية وسواهما من مدن وقرى وبوادي القطر العربي السوري.

صدق جيمس جيفري المبعوث الأميركي المكلّف بمتابعة الملف السوري عندما قال إن روسيا تعلم تماماً من هم حلفاء الأسد، كما تعلم حجم الفساد في سوريا، جيفري أضاف في مقابلة هاتفية مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية قبل أيام إن بلاده ماضية في العقوبات حتى يقبل الأسد بالتسوية السياسية، تلك العقوبات نجحت -كما ثبتت فاعليتها دائماً- في تضييق الخناق على أركان الفساد الذي تمت الإطاحة بقطبه الأكبر على ما يبدو رامي مخلوف.

ليس سراً أن مخلوف غير مرغوب به روسياً، وأنه بمثابة رجل طهران القوي في سوريا. الضربات المتلاحقة التي تلقاها مخلوف وأزلامه في سوريا ونظراءه في لبنان، جاءت بعد زيارة خاطفة قام بها – قبل نحو أسبوعين – وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى دمشق، حيث التقى على عجل بالرئيس السوري بعد لقائه نظيره السوري وليد المعلم. اللافت كان أمران: توقيت الزيارة في ظل دبلوماسية الكمامات التي كان الكل يرتديها خوفاً من كورونا المستجد أو كوفيد التاسع عشر! ما الخطب الجلل الذي دفع بهذه الزيارة والتي لم يكن من سبيل إلى بحثها عبر خط هاتفي "آمن"؟ والظاهرة اللافتة الأخرى كانت، وحده المعلم الذي تميز بكمامة من طراز "ثري إم" الأميركية عالية الجودة.

ما أراه هو ضغط روسي غير مسبوق على الرئيس السوري بشار الأسد بشن حرب حقيقية على الفساد قبل المضي قدماً في حسم المعركة الأخيرة ضد الإرهاب في إدلب. والمرجح وهذا ما قاله صراحة السفير جيفري، لا بد من انسحاب القوات الأجنبية كافة من سوريا التي لم تكن هناك قبل عام ٢٠١١ مشدداً على ضرورة إخراج إيران من سوريا، مدافعاً في الوقت نفسه عن الضربات الإسرائيلية المتكررة للأهداف الإيرانية في سوريا.

إيران باتت عبئاً على الجميع، وكان لا بد من "جس النبض" أو ترتيب ما يعرف بسياسة "المخرج" أو الانسحاب، وكما هو دور الإعلام دائماً، لا بد أن يسبق انسحاب إعلامي من المشهد قبل تنفيذ أو فرض الانسحاب العسكري، وهذا ما يتم الآن في تقديري.

ما يجري هو إطاحة مخلوف الذي إما أن يبقى "كبش محرقة" أو يتحول إلى حطب يضاف إلى جمر تراكم عقودٍ تحت الرماد.

إن أحسن رفاق بشار الأسد وأصدقاءه المخلصين وعشيرته المقربة، إن أحسنوا النصح إليه، فإنه سيتعاون مع المعنيين في إنجاح كسب معركة الفساد، وتسريع حسم معركة الإرهاب ليبقى الاستحقاق الأخير، والأهم وهو القضاء على الاستبداد.

"أبو حافظ" لم يكن يوماً كما قيل طامحاً للحكم، لولا كارثة مقتل أخيه باسل – رحمه الله – لما قادته الأقدار إلى ما نحن فيه اليوم، فهل يرى "حكيم العيون" خريطة الطريق بوضوح للانتقال وأسرته وشعبه من القصر الشامي إلى السوري، الانتقال الآمن متاح، ووفقاً لما جاء في مقابلة المبعوث الأميركي الطريق هو إخراج إيران، وفك الارتباط مع ما تمثله من مطامع وسياسات عدائية للعديد من دول الجوار.

المخرج الآمن هو انتخابات بإشراف الأمم المتحدة، لو كان للأسد ناصح صادق أمين لقال له: اكسب معركة الفساد كما كسبت معركة الإرهاب، وسلم الراية إلى بناة سوريا المستقبل أو احملها بيمينك، لكن بتفويض شعبي لا يستطيع أحد الطعن به، الطريق شائكة لكنها آمنة ومضمونة.

ANHA


إقرأ أيضاً