​​​​​​​عودة سوريا إلى جامعة الدول العربيّة- رؤوف كاراكوجان

​​​​​​​عودة سوريا إلى جامعة الدول العربيّة- رؤوف كاراكوجان
6 نيسان 2023   21:42

أفقدت المرحلة التي امتدّت لـ 12 عاماً بدءاً من اندلاع الحرب الأهليّة السوريّة، سوريا الكثير، فقد تدهورت علاقاتها مع الدول العربيّة، وتحوّلت مع هجمات مرتزقة داعش ومجموعات المرتزقة الإسلاميّة المتطرّفة إلى ساحة حرب، ودخلت تركيا الحرب كأكبر قوّة تدميريّة وجمعت مجموعات المرتزقة المسمّاة بالجبهة المعارضة للأسد. وتحت شعار "درّبهم وسلّحهم" شكّلت قوات ثمّ بدأت حرب الوكالة برعاية جميع مجموعات المرتزقة هذه. وطمعت بالأراضي السوريّة، على أساس التوسّع عبر سياستها "مكافحة الكرد"، بعدها وجّهت جيشها لاحتلال المناطق وبقيت فيها كقوّة محتلّة.

عمّقت تركيا الحرب السوريّة وعملت على عدم حلّها. أصرّت حكومة أردوغان الفاشيّة بتدميرها لسوريا واحتلالها على الحل الدموي، وخلّفت وراءها مئات الآلاف من القتلى والمصابين، وملايين اللاجئين والنازحين، واقتصاداً وبلداً مُدمّرَين. لقد سعت إلى إيجاد حلّ على هواها من خلال انتهاج سياسات عدوانيّة وهجوميّة على الأرض والتفاوض والعمل الدبلوماسي خارجيّاً، وكانت النتيجة فشلاً تاماً. 

لم يحقّق أردوغان ما كان يسعى إليه في سوريا لذا بدأ يبحث عن الحل بالاتفاق والحوار مع نظام الأسد. وجرت بينهما بوساطة روسيّة اتصالاتٍ منخفضة المستوى، إذ عقدوا اجتماعات على مستوى مسؤولي المخابرات ووزراء الدفاع، وكان من المتوقّع متابعة المفاوضات لكنّ الأسد قام خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو بإظهار موقفه حيال هذا لأردوغان بصريح العبارة إذ قال: "لن تكون هناك أي مفاوضات حتّى إنهاء الاحتلال".

عندما يتعلّق الموضوع بالشرق الأوسط، يّعاد بناء التوازنات التي ظهرت بالتوازي مع التطورات السياسيّة العالميّة من جديد. وهذا يرتبط بالصراع الحاصل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا بسبب الحرب في أوكرانيا. كما تنشط الصين في المنطقة. فقد عقدت الصين وإيران والمملكة العربيّة السعوديّة اجتماعاً مشتركاً وجلسوا حول الطاولة ذاتها في الوقت الذي لم يكن يتوّقع أحدٌ تحسّن العلاقات بينهم. إذا تطوّرت العلاقات بين المملكة العربيّة السعوديّة وإيران بوساطةٍ صينيّة ستحدث تطوّرات مهمّة. حتّى يمكن أنّ يُمهّد لإنهاء الحرب في اليمن.

هذا ويُعتبر دور مصر كفاعل مؤثّر في المنطقة، تطوراً جديداً ينبغي متابعته بعناية. تأتي الحركات التي تؤثّر على الدولار الأميركي سلباً تباعاً واحدةً تلو الأخرى، إذ تعمل تصريحات كلّ من الصين، إيران، المملكة العربيّة السعوديّة ومصر بشأن استخدام عملاتها في التجارة الإقليميّة، على تغيير الأوراق السياسيّة. ويتضمّن هذا قضيّة أخرى هي أنّ سوريا لن تكون ساحة حربٍ بعد الآن. لذا سيتم رفع العزلة عن سوريا. ومن المعروف أساساً، أنّ سوريا تحاول العودة إلى جامعة الدول العربيّة منذ فترةٍ طويلة. وهي تمهّد لهذا وتستعدّ له من خلال إعادة العلاقات مع عُمان، المملكة العربيّة السعوديّة، الأردن، مصر والإمارات العربيّة المتّحدة على وجه الخصوص.

أدّت الثنائيّة القطبيّة (الولايات المتّحدة الأميركية من جهة وروسيا من جهة أخرى) الناجمة عن الحرب الأوكرانيّة إلى إعادة بناء التوازنات السياسيّة في الشرق الأوسط. وحُدّدت كلّ من روسيا والصين وإيران خلال القمة الأخيرة للناتو كأهداف وفي المقابل اُعتبرت التطورات السياسيّة الأخيرة والتقارب بين إيران والسعوديّة حركاتٍ معادية لذلك. ويتضمّن هذا التوازن الحل العربيّ للملف السوري. يبدو أنّ عهد "البحث التركي عن حلّ!" قد ولّى. وهذا ما يعنيه تصريح الأسد بـ "يجب إنهاء الاحتلال، والتوقّف عن دعم المرتزقة".

ارتكبت تركيا كدولة مسؤولة بالفعل عن الحرب السوريّة جرائم حرب. لم تحقّق مفاوضات آستانة وسوتشي أي نتيجة. ويبدو أنّه لا يمكن الوصول إلى الحل الذي تبحث عنه تركيا. فكون وجود تركيا المسؤولة عن الحرب السوريّة على طاولة الحل يُعدّ بحد ذاته جزءاً من انعدام الحل. لقد أصبحت تركيا بتفعيلها لأدوات القمع طرفاً في الحرب وأصبحت مع المرتزقة مصيبةً حلّت على سوريا وبعدائها للكرد قوّة احتلاليّة، لذا يجب محاكمتها ومحاسبتها. إنّها ترتكب جرائم حربٍ من جهة، وتجد لنفسها مكاناً على طاولة الحل من جهةٍ أخرى وهذا بحدّ ذاته بعيدٌ كلّ البعد عن حقيقة السياسة.

تواصل سوريا تطبيع علاقاتها للعودة إلى جامعة الدول العربيّة التي تنتمي إليها، كما أنّ المبادرات الدبلوماسيّة التي تسارعت مع الزلزال مستمرّة. وبعد الاجتماع مع مصر على مستوى وزارتي الخارجيّة من المرتقب أن يلتقي الأسد والسيسي. وأهم خطوة بعد هذه الحركة هي دعوة سوريا إلى القمة العربيّة القادمة.

تتغيّر التطورات على الجبهة السوريّة وفي هذه الفترة بالتحديد تصرّح الولايات المتّحدة الأميركيّة بأنّها ستزيد وجودها في سوريا. لا شكّ أنّ علاقات الولايات المتّحدة مع الإدارة الذاتيّة لمحاربة داعش قد أصبحت أكثر أهميّة. لكن من المهمّ أن تجتمع سوريا والإدارة الذاتيّة حول النقاط المشتركة وبعض المبادئ في الحل النهائي للقضايا. على الإدارة الذاتيّة تقييم التطورات المتعلّقة بعودة سوريا إلى الجامعة العربيّة بعناية ومتابعة التوازنات الجديدة في المنطقة. انتقلت مساعي القوى الغربيّة في البحث عن حلول دبلوماسيّة؛ إلى الشرق الأوسط والأراضي العربية.

في التوازن السياسي الجديد الذي سيُبنى في الشرق الأوسط، ستكون الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا إحدى أهمّ القضايا في البحث عن حلّ لسوريا. لأنّ سوريا تعود إلى الجامعة العربيّة وستعود إليها بمشاكلها مع الإدارة الذاتيّة. التحالفات التي تضمّ تركيا لم تنكسر بالكامل، لكن يبدو أنّ مركز الحلّ قد انتقل إلى العرب. وفي هذه المرحلة الجديدة، سيكون من الضروري تغيير المسار الدبلوماسي للإدارة الذاتيّة. يجب أن نعلم أنّ صيغة حلّ الأمّة الديمقراطيّة مع المجتمعات العربيّة ممكنة وأنّ الجغرافية العربيّة هي العنوان الأوّل التي يجب أن تتّجه إليه الإدارة الذاتيّة لحل المشاكل.

(ر)