مركز الأخبار

أوضح الكاتب والسياسي السوري أحمد الدرزي، أن الغاية من الهجوم على السويداء هو إرباك الجبهة الجنوبية وخلط الأوراق، لافتاً أن الحل الأنسب لحل الأزمة السورية هو ما يصنعه السوريون بأنفسهم لا من خلال ما يُفصّل لهم من الخارج، مؤكداً أن هذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال حوار وطني سوري - سوري يبدأ في كل سوريا لينتهي في دمشق بعقد سياسي جديد فيما بينهم.

وجاءت تصريحات الكاتب والسياسي السوري أحمد الدرزي في حوار أجرته وكالة أنباء هاوار معه حول الأوضاع السورية بشكل عام والهجوم الأخير على السويداء ولقاء وفد من مجلس سوريا الديمقراطية مع وفد من النظام السوري في دمشق الأسبوع الفائت، وأشار خلالها إلى أنه بعد أن سُدَّت أبواب الاتحاد الأوروبي بوجه النظام التركي توجه لبوابته الجنوبية الوحيدة له للتوسع وفرض هيمنته على سوريا والعراق والتوجه إلى شمال إفريقيا لاستعادة أوهام الإمبراطورية العثمانية بحلتها القومية الجديدة، مؤكداً أن للنظام التركي الدور الأساسي في الخراب الحاصل بسوريا.

ونص الحوار كالتالي:

* في الفترة الماضية حدثت تطورات في الجنوب السوري وخاصة الاتفاقيات التي جرت بين روسيا وأمريكا وإيران والأردن وإسرائيل. إلى ماذا ستؤول الأوضاع بالمنطقة، وماذا تحاول كل جهة لتستفيد من هذا الاتفاق؟

ما حدث في الجنوب السوري ليس سوى تعبير واضح عن تغيّر موازين القوى الدولية، وإقرار الولايات المتحدة بها، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بتفاهم المنتصرين والخاسرين، حيث فرضت روسيا وحلفاؤها الوقائع الجديدة وبما لا يَصْب بمصلحة إسرائيل، وهذا ما تجلى بمشاركة حزب الله في معركة الجنوب، بالإضافة لبقاء وجود إيران بحلفائها ومستشاريها بالجنوب السوري، وقد تحولت المنطقة بهذه الوقائع الجديدة إلى ورقة قوة بيد النظام السوري وحلفائه للضغط على إسرائيل للانسحاب من الجولان مقابل انسحاب إيران وحزب الله لمسافة 100 كم عن الجولان، والرفض الإسرائيلي لذلك، وهذا بالضرورة يعني بأن الكباش الدولي القادم سيكون في الجنوب السوري، الذي سيحدد مسارات القوى الإقليمية وأدوارها.

* خلال الأزمة السورية لم تتعرض السويداء لأي اعتداء من أي جهة كانت لأنها لم تخضع للنظام والمجموعات المسلحة والإرهابية بل بنت إدارتها الذاتية، لكن بعد ذهاب الوفد النظام والروس إلى المدينة وعدم قبول الأهالي دخول النظام إليها حدث هجوم لداعش. ما هي خلفيات الهجوم ولماذا حدث بعد زيارة الروس، وكيف تقيمون المجزرة في ظل ظهور الكثير من الآراء التي تقول أن النظام يحاول بسط سيطرته على المدينة؟

الجواب قد يختلف عن التصورات المطروحة، فالسويداء لم تُقم إدارتها الذاتية رغم الخصوصية التي تتمتع بها، والاعتراف بمحكمة خاصة بها تتعلق بالأحوال الشخصية والشؤون الدينية.

والمسألة الثانية تتعلق بانقسام أهلنا بالسويداء بين تيارين مختلفين، وهما تيار الدولة الأكثر عدداً والأقل تنظيماً وتواجداً بسبب سوء إدارة رجال الدولة السورية فيها، وبين تيار وليد جنبلاط الأقل عدداً والأكثر تنظيماً، والذي سيطر عليهاً واستطاع التفاهم مع جبهة النصرة وبقية التنظيمات لتحييد السويداء عن هجماتهم الطائفية مقابل خروجها عن سلطة الدولة باسم الحياد.

المسألة الثالثة تتعلق بالطرف المهاجم وهو تنظيم داعش الذي كان حـلاً من التفاهمات بين الأطراف السابقة وهو قد انطلق من قاعدة التنف التي هي تحت سيطرة وإدارة الولايات المتحدة ومن مناطق شمال شرق السويداء، وكانت الغاية من هذا الهجوم هو إرباك الجبهة الجنوبية وخلط الأوراق في السويداء وامتداداتها إلى الجولان وشمال فلسطين وجبل لبنان ومناطق مرجعيون والحاصباني.

* هناك من يروج بأنه حصلت تفاهمات حول سوريا من قبل الدول ذات النفوذ المتواجدة على أرضها، ولكن إلى الآن لم يظهر أي شيء ملموس يدل على ذلك. ما هي جدية هذه التفاهمات وإذا حصلت بالفعل على ماذا اتفقت تلك الدول، وخاصة أن روسيا تسعى لإنشاء إدارات ذاتية في سوريا، وأعدت دستوراً لسوريا بما يتوافق مع مصالحها؟

نعم هناك نوع من التفاهم ولكن ليس على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، بل على أساس وجود منتصرين ومهزومين، ولكن لابد من إخراج ذلك على أساس تفاهمات دولية، وهذا يحتاج للمزيد من الوقت لترتيب أوضاع المسرح السياسي، بالإضافة لوجود عراقيل لها من الخاسرين الأكبرين، وهما إسرائيل التي لم تحصل بعد على الضمانات الأمنية، والمملكة العربية السعودية المتآزرة مع إسرائيل لتحقيق مكاسب لها في اليمن وفِي العراق وسورية.

أما ما يتعلق بالدستور فإن الموقف الروسي قد تغير بعد التحولات الميدانية الكبرى والاعتراف به كدور أساسي في سوريا، وهذا لا يمكن أن يكون بمعزل عن دمشق، وإيران التي ساهمت برياً، وتركيا. كل ذلك دفع بالروس للتخلي عن مسودة الدستور التي طرحت منذ أكثر من خمسة عشر شهراً والميل إلى دستور عام ٢٠١٢ وإجراء تعديلات عليه وبما ينعكس إيجاباً على الحل السياسي بشكل عام وعلى الكرد بشكل خاص، رغم ممانعة تركيا للنظام الرئاسي وإصرارها على النظام البرلماني الذي يتيح لأدواتها الداخلية بأن يكون لهم حصة معتبرة بالحكم ومستقبل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.

* الدولة التركية ومنذ بدء الثورة السورية تتدخل في الشأن السوري، وآخرها كان احتلالها لعدة مناطق في الشمال. كيف تقيمون التدخل التركي في الشأن السوري؟

منذ أن سُدَّت أبواب الاتحاد الأوروبي بوجه الأتراك توجهوا لبوابتهم الجنوبية الوحيدة لهم للتوسع وفرض هيمنتهم على سوريا والعراق والتوجه إلى شمال إفريقيا لاستعادة أوهام الإمبراطورية العثمانية بحلتها القومية الجديدة، وكان لها الدور الأساسي بالخراب الحاصل في سورية، ويكفي أن نتذكر إقامتها لمعسكرات اللجوء على حدودها قبل اندلاع الأحداث، وهذا يدفعنا ملياً للتفكير بمصطلح الثورة السورية قبل اتخاذه للتعبير عما حصل في سورية.

ويمكننا أن نذكر جملة من النجاحات التركية (نسبة لمشروعهم):

أ‌-        النجاح بالتحريض المذهبي واستقطاب جزء لا يستهان به من العرب والتركمان.

ب‌-    النجاح بتدمير الاقتصاد السوري من خلال تخريب وسرقة معامل حلب.

ت‌-    النجاح باحتلال عفرين وجرابلس والوصول لمنطقة الباب.

واستناداً لما ذكرت فإن الدور التركي ذو الطابع الهيمني هو الأكثر تقريباً والأكثر تهديداً والأخطر على النسيج السوري، ويأتي الكرد في مقدمة المتأذين من هذا الدور.

* مؤخراً ذهب وفد من مجلس سوريا الديمقراطية إلى دمشق وعقد لقاءات مع النظام، واتفق الطرفان على تشكيل عدة لجان لضمان التنسيق الكامل بين الطرفين ووضع حد للحرب السورية. هل تعتقدون أنه يجب عقد اتفاق بين الطرفين لوضع حد لهذه الأزمة العالقة في ظل القضاء الشبه التام على المجموعات المسلحة في سوريا، وكيف تنظرون إلى مثل هذه اللقاءات والحوارات؟

على اعتبار أن المشروع التركي يشكل الخطر الأكبر على سورية فقد كان لابد لدمشق ومجلس سوريا الديمقراطية من أن يضعا أولويات مواجهة المشروع التركي كبوصلة للقائهما وهذا ما حصل، وقد جمعهما أنهما واجها تركيا بشكل غير مباشر عبر تصفية أدواتها الإسلامية العنفية وهم سيواجهونها مباشرة بتحرير إدلب وعفرين وجرابلس والباب منها، وهذا يقتضي منهما ومن بقية القوى الوطنية العمل المشترك للخروج الكامل من هذه الحرب الدموية.

* ما هو الحل الأنسب لإنهاء الأزمة ومعاناة الشعب في سوريا، وكيف يجب أن يكون الحوار السوري- السوري، وماذا تقولون للسوريين؟

الحل الأنسب هو ما يصنعه السوريون بأنفسهم لا من خلال ما يُفصّل لهم من خارج سياقهم التاريخي، وموقعهم الجيوسياسي، وهذا لا يتم إلا من خلال حوار وطني سوري - سوري يبدأ في كل سورية لينتهي في دمشق بعقد سياسي جديد فيما بينهم.

فكروا قبل كل شيء كيف تبقى سورية موحدة ومستقلة وقوية وصاحبة دور في هذا المشرق وفِي إطار التعاون والسلم لوضع أرضية للحوار السوري – السوري، فكروا بالتجارب التي تم تصنيعها من الخارج في لبنان والعراق وآثارها المدمرة عليهما حتى الآن.

فكروا كيف ننتقل من ثقافة الهوية القومية الواحدة إلى الثقافة الوطنية السورية الجامعة التي تعترف بالتنوع القومي والديني الطبيعي دون المرور بثقافة المكونات.

فكروا بأن مشكلة سورية ليست منعزلة عن مشاكل الإقليم الذي أثر بها سلباً فتأثر بها سلباً، وأن الحل في سورية من المفترض أن يتحول إلى حل على مستوى المشرق الذي دفعت شعوبه ثمناً باهظاً لتدخل الغرب به وتمزيق شعوبه، فإذا ما ارتقينا بوعينا لهذه المسائل فإن أغلب صراعاتنا ستتحول إلى إطار التعاون والسلم.

ANHA