هوكر نجار/ مركز الأخبار

وعلى الرغم من تعرض كردستان مهد الحضارة الإنسانية على مدى آلاف السنين لمختلف سياسيات القمع والإنكار والإبادة وصهر اللغات عبر التتريك والتعريب والتفريس، إلا أن الكرد حافظوا على لغتهم الأم بشتى الأساليب الأدبية والفكرية واتباع نهج اللغة المحكية وسط سياسات التهميش بحيث لم تتح للكرد أية فرصة لفتح مدرسة واحدة يحيون فيها وجودهم الثقافي.

الشعب الكردي حافظ على لغته بالرغم من كافة السياسات

كما حاولت الأنظمة السلطوية والديكتاتورية المحتلة لأجزاء كردستان الأربعة منع اللغة الكردية والقضاء عليها، ولكن بفضل إصرار الشعب الكردي على التمسك بهويته ولغته، ونضال المئات من معلمي ومعلمات اللغة الكردية في عموم كردستان رغم كل الظروف القاسية التي كانت تواجههم بقيت محافظة على نفسها.

الشعب الكردي ينظر إلى لغته على أنها تعني له تعني الهوية والوجود وتعتبر ضرورة حياتية وقضية وجود أو لا وجود، كما تعتبر سلاحاً قاتلاً موجهاً ضد أعداء الشعب الكردي.

ومن منطلق إذا فقد الشعب الكردي لغته فإنه يفقد أحد العوامل الأساسية لوجوده كأمة، وسعت مؤسسة اللغة الكردية والمؤسسات المدنية والهيئات الرسمية من خلال استعمالها في كتابة كافة قراراتها وتقاريرها.

الكرد أصروا على تعلم لغتهم بالرغم من ممارسات النظام البعثي

قبل ثورة روج آفا كان الكرد محرومين من حق التعلم بلغتهم الأم، في محاولة من الأنظمة الحاكمة القضاء على الوجود والهوية الكردية، ولكن تلك الأنظمة لم تبلغ مبغاها لأن أبناء الشعب الكردي أصروا أن يتعلموا لغتهم الأم للحفاظ على هويتهم ووجودهم القومي، فقد كانوا يتلقون دروساً كردية اختصرت في بادئ الأمر على الأحرف للتوسع شيئاً فشيئاً من خلال فتح  دورات داخل المنازل خفية وفي القرى الكردية بعيداً عن أعين تلك الأنظمة المستبدة.

كونفرانسات مؤسسة اللغة الكردية كان لها دور في تنظيم تعليم اللغة الكردية

ومع قيام ثورة روج آفا أحييت اللغة الكردية من جديد وبشكل أكاديمي بفضل حركة المجتمع الديمقراطي، فقد عقدت المؤسسة كونفرانسها الثالث في مدينة عامودا عام 2012 بعد أن كانت قد عقدت كونفرانسين سريين الأول في مدينة كوباني عام 2007، والثاني في مدينة حلب عام 2009، وتم الإعلان عن تشكيل مؤسسة اللغة الكردية بشكل علني وافتتحت مراكز لتعلم اللغة الكردية في كافة مدن روج آفا وقراها حتى عام 2013.

الاكاديميات والمعاهد أعدت الكادر التدريسي القادر على التعليم

وخرجت وأعدت هذه المؤسسة على مدار ثورة 19 تموز آلاف المعلمين والمعلمات واستلام النظام التدريسي في مدارس روج آفا وجعلت اللغة الكردية لغة رسمية في المدارس إلى جانب العربية وإزالة المواد الدراسية التي تعتمد على الفكر القوموي الشوفيني، وكان عمل مؤسسة اللغة الكردية يقتصر في 2013 داخل المدارس مقتصر على إعطاء حصص لتعلم اللغة فقط نتيجة لعدم وجود مناهج دراسية معدة باللغة الكردية في روج آفا.

ولم تتوقف المؤسسة عند هذا الحد بل افتتحت الأكاديمية والمعاهد الخاصة بإعداد معلمي اللغة الكردية ففي 11 آب 2013 افتتحت أول أكاديمية تعنى  باللغة والأدب الكردي باسم ” الشهيد فرزات كمانغر” لتدريس اللغة الكردية وتأهيل الطلاب والمدرسين في مدينة عفرين، كما افتتحت مؤسسة اللغة الكردية في منطقة عفرين وبالتعاون مع اتحاد معلمي روج آفا في 28 تشرين الأول معهداً للغة والأدب الكرديين باسم “معهد الشهيدة فيان آمارا للغة والأدب الكردي وذلك لتخريج طلبة أكاديميين بعد دراستهم في المعهد لمدة سنتين.

وفي الـ24 من تشرين الأول من العام ذاته أعلنت مؤسسة اللغة الكردية عن افتتاح أكاديمية جلادت بدرخان للغة والتاريخ والأدب الكردي في مدينة قامشلو. تبعته بعد ذلك بافتتاح معهد الشهيدة فيان آمارا بمقاطعة كوباني، وفي بداية عام 2015 افتتحت معاهد إعداد المعلمين وفق مفهوم الأمة الديمقراطية وافتتح أول معهد في مدينة ديرك في شهر آذار ثم في شهر نيسان بمدينة سريه كانيه ثم تبعه افتتاح المعاهد في مختلف مدن الجزيرة.

المناهج كانت أساس بداية تعليم اللغة الكردية بشكل أكاديمي

ومع إعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وضعت هذه الإدارة أركانها وأرست مؤسساتها وهيئاتها حتى كان للتعلم بلغة الأم النصيب الأكبر في وضع أساسات اللغة والبدء بتعليم الأجيال في المدارس وفق المناهج التربوية المعاصرة والتقنيات العلمية المتوفرة ورفدها بالكوادر التدريسية الوطنية عبر هيئة التربية والتعليم المتخصصة وبمساهمة ودعم فريد من مؤسسة اللغة الكردية التي كانت المنطلق والسند والأب والأم لإحياء اللغة الكردية في عموم مقاطعات روج آفا.

ومع بداية العام الدراسي 2015-2016 بدء في الجزيرة تدريس الصفوف الثلاثة الأولى للمرحلة الابتدائية وفق مناهج التعلم بلغة الأم، وفق اللغات الرئيسية في شمال سوريا "الكردية، العربية، والسريانية"،، بالإضافة  إلى تعليم الطلبة . وكانت هيئة التربية في الجزيرة بدأت خلال صيف ذلك العام بإعداد المناهج الدراسية، وبعد جهود مكثفة وتحت إشراف المختصين تم بنجاح إعداد كامل المنهاج الدراسي للصفوف الثلاثة الأولى. وبالتزامن مع هذه الاستعدادات عملت المعاهد الكردية المنتشرة في المقاطعة على إعداد المئات من المعلمين المؤهلين لتدريس هذه المناهج خلال دورات تعليمية تضمنت أصول التعليم وأصول تدريس المناهج.

وبعد عام من النجاح بتدريس اللغة الكردية للصفوف الثلاثة الأولى، أي في عام 2016-2017 ساهمت مؤسسة اللغة الكردية وبالتعاون مع هيئة التربية والتعليم في الجزيرة ومن خلال أساتذة مختصين في كافة الاختصاصات تم إعداد منهاج باللغة الكردية من الصف الأول إلى الصف السادس الابتدائي.

ومع بدء العام الدراسي في 2017-2018 كانت مؤسسة اللغة الكردية وهيئة التربية والتعليم في الجزيرة وبالتعاون مع لجنة التدريب في المجتمع الديمقراطي أعدت مناهج دراسية جديدة لتشمل المرحلتين الأولى والثانية أي من الصف الأول إلى الصف التاسع، إلى جانب إعداد مناهج باللغتين العربية والسريانية.

أما في كوباني وعفرين فقد كان الوضع على خلاف الجزيرة فقد كانت المناهج كاملة باللغة الأم لكافة المراحل الدراسية الابتدائية والإعدادية والثانوية، كما أن التعليم في جامعة عفرين أيضاً كان باللغة الكردية الأم.

من خلال الجامعات استكملت المراحل التعليمية

ولاستمكال العملية التعليمية بكافة مراحلها حتى الوصول إلى الجامعات أعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية في عفرين عن تأسيس أول جامعة في روج آفا وشمال سوريا تحت اسم جامعة عفرين بتاريخ 14 حزيران عام 2015 وبإمكاناتها الضيئلة، حيث تحتوي الجامعة على عدة اختصاصات وفروع وتدرس باللغة الكردية عن طريق المناهج التي أعدتها لجنة التربية في المجتمع الديمقراطي ومؤسسة اللغة الكردية عن طريق كوادر تعليمية مختصة.

وبعد النجاح الذي تحقق في جامعة عفرين، أعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية في الجزيرة عن افتتاح الجامعة الثانية في روج آفا، باسم  جامعة روج آفا في الـ 4 من تموز عام 2016، ومنذ بداية تأسيسها تمكنت الجامعة من إنجاز العديد من المهام الأكاديمية لخلق جيل كفء وقادر على إدارة مجالات العمل بجدارة.

فيما افتتحت الجامعة الثالثة في روج آفا بمدينة كوباني باسم جامعة كوباني بتاريخ الـ30 من شهر أيلول 2017، وبافتتاح هذه الجامعة أصبح لكل إقليم في الشمال السوري جامعة.

ولتكون هذه الجامعات استكمالاً لمشروع التعلم بلغة الأم، حيث أعدت لجنة التربية والتعليم في المجتمع الديمقراطي وبالتعاون مع مؤسسة اللغة الكردية وهيئة التربية في الأقاليم الثالث مناهج دراسية وفق مبدأ الأمة الديمقراطية وباللغة الكردية، إضافة إلى اللغة العربية.

الكرد باتوا يتعلمون بلغتهم الأم في عموم مناطق شمال سوريا المحررة

ولم يقتصر عمل مؤسسة اللغة الكردية على مدن روج آفا بل امتد  ليشمل كافة مدن الشمال السوري مثل الطبقة ومنبج التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية، حيث افتتحت أكاديميات لتدريس اللغة الكردية والتي لاقت إقبالاً واسعاً من قبل الكرد الذين يقطنون تلك المناطق.

وتعتبر هذه هي المرة الأولى بتاريخ روج آفا يتاح لأبناء الشعب الكردي فرصة التعلم بلغته الأم. وفي ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية تمكن الشعب الكردي وكذلك جميع مكونات روج آفا والشمال السوري من التعلم بلغتهم الأم. إلا أن بعض الأطراف تناهض هذه التجربة الوليدة.

وفي بدايات سنوات تدريس المناهج المعتمدة من قبل لجنة التدريب في المجتمع الديمقراطي في مدارس روج آفا وشمال سوريا عامة عمد النظام البعثي إلى مناهضة التعليم باللغة الكردية وعمل على إغلاق بعض المدارس، وخرجت الكثير من الجهات المعادية لهذا المنهاج، وأطلقت الإشاعات الواهية التي تدعي فيها ضعف المناهج الدراسية وعدم قدرة الكادر التدريسي على تعليم الطلبة.

لكن المعلمين والمعلمات وكل العاملين في المجال التدريسي التابع لهيئة التدريب والتعليم واتحاد المعلمين أثبتوا بعملهم ونضالهم عكس ما كانت تلوكه ألسنة المشوهين للعملية التربوية والتدريسية في روج آفا وشمال سوريا، حيث تقدم منهاج التدريس باللغة الكردية، العربية والسريانية بشكل ملحوظ في فترة زمنية قصيرة.

هذا ولا تزال مؤسسة اللغة الكردية والأكاديميات التابعة لها مستمرة في عملها بتدريس اللغة الأم وذلك من خلال إعداد مناهج أكاديمية، يمر الطالب في عدة مراحل قبل أن ينال الشهادة التي تخوله لتدريس اللغة الكردية في المدارس والأكاديميات والمعاهد والجامعات المنتشرة في روج آفا وشمال سوريا.

(د ج)

ANHA