فرهاد شامي

بات من الواضح أن اتفاقية سوتشي المتعلقة بإدلب بين الرئيسين التركي والروسي أمست بحاجة إلى معالجة وإدخال عدد كبير من التعديلات بما يناسب الحالة الأخيرة التي وصلت لها المنطقة في ظل السيطرة المطلقة لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على إدلب، وخاصة إن كلا الطرفين لا يرغبان بإنهاء الاتفاقية في الوقت الحالي على الرغم من عقدة عدم الثقة الواضحة بينهما منذ توقيع الاتفاقية، وانتظار كلا الطرفين الآخر لنقض الاتفاقية وتطبيقها بالدرجة التي تناسب مصالحه.

ولكن ما بات مؤكداً أن تركيا فشلت إلى درجة كبيرة في تطبيق الاتفاقية وتعاني من العبء الثقيل من الالتزامات والتنظيمات المرتزقة البعيدة عن الانضباط، وهي أحوج ما تكون إلى التخلص من بعض التنظيمات وإعادة تمركز أخرى في الجبهات المقابلة لقوات سوريا الديمقراطية، وإشغال أخرى بمعارك هنا وهناك، وهي لا تملك خطة واضحة للتعامل مع الواقع سوى الاستفادة من التغييرات التي ربما لن تكون لصالحها بعد اليوم في ظل الحوارات المحلية والدولية بخصوص الأزمة السورية بعد قرار الانسحاب الأمريكي.

ولعل أبرز التحديات أمام صمود "سوتشي" هي السيطرة الأخيرة لهيئة تحرير الشام على القسم الأكبر من محافظة إدلب وريف حلب الغربي، الغربي الشمالي وصولاً إلى حماة والساحل، التنظيم الذي كان شرط تفكيكه من قبل تركيا الأبرز في اتفاقية سوتشي، وعليه كان سيتم تنفيذ الخطوات الأخرى كفتح الطرقات الدولية وتثبيت الهدنة لفترة أطول تُجنب المنطقة الحرب التي لم تغب عن أذهان النظام السوري وإيران وحتى روسيا.

ولكن، ما جرى هو تفكيك الكثير من المجموعات المرتزقة التي كانت تُوصف بالمعتدلة وتمدد أكثر وبالمطلق للهيئة تحت أنظار نقاط المراقبة التركية، وهو ما فتح المزيد من التساؤلات حول دور تركيا في التطور الأخير وموقفها بعد ذلك، وخاصة بعد اجتماع عُقد قبل نحو شهر جمعت الاستخبارات التركية بقادة الفصائل المرتزقة من ضمنهم قادة الهيئة حيث تم تبليغهم بأوامر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بضرورة اندماج جميع الفصائل في تجمع واحد (الجبهة الوطنية للتحرير – الجيش الوطني السوري – هيئة تحرير الشام) وهو ما قُوبل بالتجاهل من قبل الهيئة وحركة نور الدين الزنكي أولى الفصائل التي شنت الهيئة حربها عليها، وهي منضوية مع مرتزقة أحرار الشام في صفوف ما يسمى (الجبهة الوطنية للتحرير- تشكلت آب 2018) القوة الثانية التي تعتمد عليها أنقرة في حروبها، فيما بقيت باقي الفصائل المدعومة تركياً تتفرج على الرغم من نداءات الاستغاثة التي أطلقها الزنكي في الأيام الأولى للمعركة.

أوامر أخرى قُوبلت بالرفض وهي تنفيذ أحد نصوص اتفاقية سوتشي غير المعلنة وهو تسليم بوابتين حدوديتين على الأقل تقع في مناطق سيطرة مرتزقة تركيا إلى الشرطة العسكرية الروسية كشرط لفتح الطريق الدولي الواصل إلى بين حلب وعنتاب الذي يمر عبر ريف حلب الغربي التي كانت خاضعة لسيطرة الزنكي، وكمقابل للوجود التركي في إدلب، وتم ترشيح بوابتي جرابلس وباب الهوى في إدلب لتنفيذ الاتفاقية، وهو ما دفع تركيا إلى الاستعجال بفتح معبر قرية حمام غرب عفرين لتأمين التواصل مع مرتزقتها عبر المعابر في حال تطورت الأمور.

جميع الوقائع تؤكد ضلوع الاستخبارات التركية في استخدام نفوذها لدفع الهيئة إلى إنهاء وتفكيك مكونات (الجبهة الوطنية للتحرير) المتشكلة من مرتزقة أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي، ودفعهم مجبرين للانضمام إلى ما يسمى (الجيش الوطني السوري) الذراع الأول لتركيا في المنطقة، وهو ما يفسّر عدم تقديم الدعم والمساندة لهم في حربهم مع الهيئة وتوجيههم مباشرة للتمركز في عفرين تحت قيادة الاستخبارات التركية مباشرة، حيث وصل أكثر من 4 آلاف مرتزق مع عائلاتهم إلى نوحي بلبلة وراجو بعد يومين من إخلاء الجيش التركي لبعض نقاط تمركزه في تلك المناطق؛ تركيا تحاول حشد العدد الأكبر من المرتزقة في عفرين وعلى الجبهات المقابلة لقوات سوريا الديمقراطية، وهي تفكر بالفعل في اقتطاع المناطق المحتلة وخاصة عفرين وتشكيل حكومة جديدة في المنطقة، وإحداث التغيير الديمغرافي بشكل أسرع بالتعاون مع قطر التي عرضت التمويل لمشروع بناء آلاف الشقق السكنية في الجهة الشرقية من عفرين لإيواء قادة المرتزقة وعائلاتهم، فيما تمكنت هيئة تحرير الشام في التخلص من جميع الفصائل الذين رفضوا سابقاً الالتفاف حول حكومتها (الإنقاذ) والانخراط فيها، والاستفراد بإدارة المعابر التجارية والطرق الدولية.

بعكس التوقعات، يبدو أن الوضع الجديد لا يزعج النظام السوري وروسيا ويبدوان أكثر ارتياحاً في تعاملهما مع الهيئة المرنة في علاقاتها مع المحيط وفق لتجارب سابقة، وهما مشغولان الآن بالوضع في شرق الفرات حيث اتجهت بوصلة جميع القوى والأطراف المحلية والدولية في سوريا إلى هناك، روسيا لا تزال تعول على العامل التركي في إرباك الأمريكيين ودفعهم للتخلي عن مشاريعهم، والضغط على قوات سوريا الديمقراطية وغطائها السياسي لقبول شروط النظام وإعادة الوضع إلى ما كان  عليه قبل عام 2011.

ولعل أبرز الأسئلة التي تُطرح بعد سيطرة الهيئة على إدلب هي هل ستقع الحرب قريباً؟ هل يمكن للأطراف التي عارضت ومنعت حملة النظام وروسيا سابقاً من إيجاد المسوغات الكافية لإبعاد الحرب مرة أخرى؟ هل ستقوم تركيا بحملة عسكرية ما ضد الهيئة؟.

في بداية شهر آب عام 2017، بدأت مرتزقة هيئة تحرير الشام بحملة عسكرية ضد مرتزقة أحرار الشام في إدلب، حيث انتزعت منها مساحات شاسعة من الأراضي والمواقع الهامة بما فيها المعابر الحدودية مع تركيا، حينها هدد المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا آنذاك مايكل راتني، وتوعد فيها باستهداف مقاتلي وقيادات الهيئة والواجهة التي يتم إنشاؤها للتغطية عليها. مؤكداً أنه "في حال سيطرة تحرير الشام على إدلب سيكون من الصعب على بلاده إقناع الأطراف الدولية "بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة".

 اليوم وبعد نحو عام ونصف تعيد الهيئة الكَرّة نفسها وبشكل أوسع، مما يفسح المجال أمام النظام وروسيا وكذلك إيران للقيام بحملة عسكرية إن أرادوا وخاصة أنه لا يمكن للموقف الدولي معارضة هكذا إجراء في ظل الأوضاع الأخيرة بقدر تقديم اقتراحات للمشاركة فيها، وهو ما تفتقده روسيا التي لا يمكنها القيام بالحملة بمفردها ما لم تُشكل تحالف دولي ومحلي لا يقل قوة عن التحالف المتشكل لمحاربة داعش، أو الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بذلك، حيث ثبت أن الاعتماد على تركيا في محاربة الهيئة سيأتي بنتائج عكسية تجنبتها واشنطن سابقاً أثناء البدء بمحاربة داعش، لذا بات البحث عن أطراف دولية ومحلية لتخليص منطقة غرب الفرات من الإرهاب أفضل وأقصر الطرق لموسكو إن كانت جادة بالفعل في التخلص من الإرهاب. بالنسبة لتركيا فمن المؤكد والثابت بأنها لن تقوم بأية حرب ضد تنظيمات هي شكلتها أصلاً واعتمدت عليها في تخريب المنطقة وتقسيمها وتغيير ديمغرافيتها، وما تحشيدها لقواتها على الحدود سوى لاستغلال تلك التنظيمات في المزيد من التوغل في سورية وإيقاف أي تطور قد يدفع بالأطراف السورية إلى مناقشة الوجود العسكري والاستخباراتي التركي على الأراضي السورية زوراً وبهتاناً، أو حمايتها في حال تشكلت الخطورة عليها، فهي لم تستسغ بعد فكرة أن تتفرج على مرتزقتها وهم يتجهون إلى الانهيار كما يحصل مع داعش الآن.

بالرغم من ذلك، فإن روسيا عودتنا دوماً على المفاجآت، ففي وقت كان الجميع ينتظر الحرب في إدلب قبل نحو أربعة أشهر، حيث حشد النظام وإيران معظم قواتهما على الجبهات، فاجأت روسيا العالم باتفاقها مع تركيا في سوتشي، اليوم، لن يكون غريباً على روسيا لملمة مشاريعها مع تركيا وإعادة حصر اهتمامها في شمال غرب سوريا وبالتحديد في إدلب وريف حلب الشمالي وحسم الملفات هناك عسكرياً مرة أخرى، وترك شرق الفرات لجولات التفاوض بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية ومتابعتها من بعيد لحين اتضاح حقيقة الانسحاب الأمريكي في الفترة المقبلة.

روسيا بحاجة إلى فك الارتباط بين التطورات في شرق الفرات وإدلب حتى تتضح رؤيتها بعيداً عن الأكاذيب التركية، قبل أن يستفحل الإرهاب مجدداً في أشكال وصيغ جديدة تعمل عليها تركيا حالياً.

ANHA