هيفيدار حراني- محمد الأحمد/كري سبي

كري سبي أو تل أبيض 100 كم شمال مدينة الرقة، تعتبر صلة الوصل بين الجزيرة وكوباني، تقع على الحدود التركية بمحاذاة مدينة آكجاكالا، وتشتهر بأراضيها الزراعية المروية، ويعمل معظم سكانها في زراعة الحبوب مثل القمح والشعير.

تعيش العديد من المكونات جنباً إلى جنب في مدينة كري سبي، ويعتبر الكرد المكون الرئيس إضافة إلى العرب والأرمن والسريان. ويسود المنطقة نمط الحياة التشاركية والتعايش السلمي بين الأهالي.

مع اندلاع الحرب في سوريا وفي عام 2012 انسحبت قوات النظام من مدينة كري سبي لتتوالى على حكم واحتلال المدينة العديد من المجموعات المسلحة والمرتزقة مثل كتائب أحرار الشام، كتائب الفاروق، جبهة النصرة وغيرها. وبلغ عدد الكتائب التي تمركزت في المدينة وقتها حوالي 106 كتائب، فيما كانت الدولة التركية تدعم بشكل خاص وسري كتائب الفاروق وجبهة النصرة. وعليه فقد أقدمت تلك المجموعات على طرد الكرد من المنطقة. كنتيجة لسياسات الدولة التركية التي تم تنفيذها على يد المجموعات المرتزقة.

في تلك الفترة اعترض العديد من أبناء المكون العربي على ممارسات المجموعات المرتزقة بحق الكرد وأكدوا أنهم يعيشون مع الكرد في هذه المنطقة ولا يجوز طردهم من ديارهم.

في عام 2014 احتل مرتزقة داعش مدينة كري سبي، وبين ليلة وضحايا اختفت جميع الكتائب التي تمركزت سابقاً في المدينة وانضمت إلى مرتزقة داعش. خاصة أن الدولة التركية شجعت ودعت تلك المجموعات للانضمام إلى مرتزقة داعش. في تلك الأثناء كان المعبر الحدودي بين كري سبي وتركيا تحت سيطرة مرتزقة داعش. مما ساعد الدولة التركية على تقديم شتى أشكال الدعم والمساندة للمرتزقة.

عندما احتل مرتزقة داعش مدينة كري سبي، كانت داعش تعتقل عدداً من الدبلوماسيين الأتراك في القنصلية التركية في مدينة الموصل العراقية، وبناء على اتفاق وتفاهم بين تركيا وداعش تم الإفراج عن الدبلوماسيين وعبروا إلى تركيا عبر معبر كري سبي. الأمر الذي ساهم في تعزيز العلاقة بين تركيا وداعش وبدأت التحضيرات للهجوم على كوباني.

بعد أن استقر مرتزقة داعش في كري سبي، أصبحت المدينة وريفها من المواقع الاستراتيجية بالنسبة لهم، وكانت الدولة التركية تزود داعش بالأسلحة والذخيرة على الدوام عبر نهر الجلاب الواقع شرقي مدينة كري سبي إضافة إلى نقل عناصر المرتزقة من هناك إلى الرقة التي أعلنها المرتزقة عاصمة لخلافة داعش.

عندما احتل مرتزقة داعش تلك المنطقة، عمدوا إلى فرض قوانينهم الجائرة قسراً على الأهالي، وأقدموا على استعباد النساء، ولم يمر يوم إلا وكان الأهالي فيه يتعرضون للقتل أو الضرب والتعذيب.

تحرير كري سبي

مع استمرار احتلال المرتزقة  لكري سبي وتزايد القمع والاضطهاد ضد الأهالي بدأت وحدات حماية الشعب والمرأة الاستعداد لإطلاق حملة عسكرية لتحرير المنطقة من مرتزقة داعش، حيث توافد شباب وفتيات المنطقة للانضمام إلى صفوف وحدات حماية الشعب والمرأة.

انطلقت حملة تحرير كري سبي، وبتاريخ 15 أيلول عام 2015 تم تحرير المدينة من مرتزقة داعش. وبعد تحرير المدينة من مرتزقة داعش بدأت الإدارة الذاتية الديمقراطية بتأسيس العديد من المؤسسات والمجالس، وتنظيم الأهالي تحت سقف الإدارة، كما تأسست العديد من المؤسسات والتنظيمات الخاصة بالمرأة في المدينة وريفها.

أهداف الدولة التركية

لا توجد هناك أية تناقضات أو صراعات بين مكونات كري سبي، بل على العكس فإن أبناء هذه المكونات يرسخون نموذج التعايش المشترك والسلم الاجتماعي وأخوة الشعوب. إلا أن الدولة التركية غير راضية عن هذه الأوضاع، وتسعى إلى بث الفتنة والفرقة بين الشعوب والمكونات، ولأجل تحقيق هذا الهدف بدأت في الآونة الأخيرة بشن هجماتها ضد كري سبي.

هجمات الدولة التركية التي بدأت في عام 2015، تصاعدت في الآونة الأخيرة، وتستهدف هذه الهجمات بشكل خاص القرى الحدودية مثل تل فندر، سوسك، البابسة والعسل.

وسبق للدولة التركية أن عمدت إلى بث الفتنة والفرقة بين أهالي المنطقة عبر مرتزقة داعش، وكان الهدف من هذه المساعي هو بث الفرقة والتوتر بين الأهالي، وتعزيز الخلافات والتناقضات بين المكونات، وبالتالي العمل على احتلال المدينة مرة أخرى. ومن جهة أخرى فإن الدولة التركية تسعى من وراء هذه الهجمات إلى إجبار أهالي القرى الحدودية على النزوح وإفراغ قراهم. إلا أن الأهالي أكدوا رفضهم لمخططات الدولة التركية وأنهم لن يتخلوا عن قراهم.

هجمات الدولة التركية المتواصلة ضد منطقة كري سبي أسفرت بتاريخ 28 تشرين الأول من العام الجاري عن استشهاد أحد مقاتلي قوات الدفاع الذاتي في قرية تل فندر. إلا أن الهجمات لم تتوقف، وأسفرت الهجمات بتاريخ الأول من شهر تشرين الثاني عام 2018 عن استشهاد الطفلة سارا مصطفى ذات الـ 6 أعوام.

كما استهدفت الدولة التركية عبر هجماتها اثنين من مراسلي وكالة أنباء هاوار اللذين كانا يعملان على تغطية هجمات الاحتلال التركي مما أسفر عن إصابتهما بجروح.

الرئيس المشترك لمجلس مقاطعة كري سبي صبري مصطفى تحدث حول الموضوع وأكد أن الدولة التركية تعتدي على مدينة كري سبي وقراها بحجة محاربة الإرهاب. ونوه مصطفى بأن المدينة شهدت حتى الآن العديد من التفجيرات وكلها تمت بيد الدولة التركية، وأن الهدف من كل هذه الاعتداءات هو إفراغ المدينة من أهلها.

مصطفى قال أيضاً إنهم لن يتخلوا عن أرضهم رغم جميع الهجمات والاعتداءات. كما تطرق أيضاً إلى الحملة العسكرية المستمرة في دير الزور لتحرير آخر جيوب مرتزقة داعش، وأضاف "الدولة التركية تسعى جاهدة لإنقاذ مرتزقة داعش، لذلك بدأت بتصعيد هذه الهجمات وبشكل مباشر".

الرئيس المشترك لمجلس مقاطعة كري سبي صبري مصطفى دعا في ختام حديثه جميع القوى الدولية للتصدي للهجمات التركية والخروج عن صمتها، كما ناشد منظمات حماية حقوق الأطفال للحد من قتل الأطفال على يد الدولة التركية.

(ك)

ANHA