زانا سيدي - جمعة محمد / كوباني

يعتبر يوم الـ15 من أيلول/سبتمبر من عام 2014 اليوم الذي بدأ فيه داعش بهجوم واسع استقدم خلاله الآلاف من مرتزقته ولا سيما الأجانب صوب مدينة كوباني أقصى شمال سوريا، هذا الهجوم اعتبر الأكبر في تاريخ داعش الإرهابي بعد مسرحيات هزيلة ضد الجيشين العراقي والسوري وفرارهم أمام المئات من المرتزقة في الرقة والموصل، وعدد من المناطق الأخرى.

في العودة إلى أواخر عام 2013 إذ بدا الصراع في سوريا يشتد يوماً بعد يوم، وأغلب المحافظات السورية شهدت في تلك الآونة اشتباكات متبادلة وقصف جوي وبري، وعشرات الفصائل وبرايات ومسميات مختلفة خرجت في ظل الفوضى التي عصفت بالبلاد، إلا أن فصيلاً واحداً كان له أبعاد سياسية وعسكرية أخرى والذي سرعان ما تحول إلى قوة رافقها صخب إعلامي على أنه لا يقهر، وهو "تنظيم داعش".

داعش الذي أدخل في نفوس السوريين الرعب وبات يهدد العالم بأنه سيشن عمليات إرهابية في بقاع مختلفة من الأرض، كان نقطة تحول في المعادلة السورية التي بدأ معها مؤامرة دولية كبيرة حيكت ضد الشعب السوري ولا سيما في شمال سوريا، أدارتها شبكة استخباراتية من عدة دول، بهدف احتلال أكبر قدر من المساحة على الأرض السورية وتمرير مصالحها، إلا أن معركة كوباني قلبت كافة الموازين وباتت حسابات تلك الدول تأخذ منحى آخر.

ولادة داعش

يعود التاريخ الأساسي لظهور داعش حسبما تقول معظم المصادر إلى عام 2004، حيث أنشأ المرتزق أبو مصعب الزرقاوي مجموعات مرتزقة حملت أسماءً عدة بدءاً من جماعة التوحيد والجهاد ومروراً بمبايعة تنظيم القاعدة ليصبح فرعاً لها في “بلاد الرافدين” إلى إنشاء مجلس الشورى وتشكيل ماتسمى “دولة العراق الإسلامية” عام 2006 بزعامة أبي بكر البغدادي.

كل تلك المجموعات انحصرت في تشكيلاتها داخل الحدود العراقية، حيث حاربت القوات الأمريكية التي اجتاحت العراق والقوات العراقية التي كانت تخضع للحكومات العراقية المتعاقبة بدءاً من اجتياح العراق عام 2003 وحتى 2011.

وابتداءً من عام 2014 توسع نفوذ المرتزقة في العراق وسوريا التي دخلوها عام 2013 ومنها بدأ يحمل اسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وعرفت اختصاراً بـ "داعش".

ولابد هنا من الإشارة إلى اتخاذ مرتزقة داعش مسلكاً مختلفاً عن شقيقته جبهة النصرة، رغم أن المجموعتان استندتا على أفكار تنظيم القاعدة.

بعد مدن الرقة والموصل داعش يهاجم كوباني

على الرغم من أعدادهم القليلة في البداية إلا أن داعش كان يسيطر على كل مدينة يتوجه إليها بكل سهولة، ودون أي مقاومة تذكر من قبل الجيوش التي كانت تفر بالآلاف أمام الآلة الإعلامية لداعش وليست القوة العسكرية إن صح التعبير.

لم يستطع 50 ألف مقاتل من الجيش العراقي والشرطة المقاومة الصمود ولو لساعات أمام 300 مرتزق من داعش هاجموا المدينة، وسيطروا على المؤسسات الحكومية وحتى البنك الذي كان يحوي بداخله ملايين الدولارات، التي اعتقد بعض المراقبين أنها عملية تسليح وتمويل لداعش قامت بها الحكومة العراقية، بالتنسيق مع الدول الداعمة لداعش.

ومن جهة أخرى كان يمتد داعش في الوسط السوري ويسيطر على كامل محافظة الرقة في غضون أيام، ويحكم سيطرته على كبرى معسكرات النظام السوري في شمال سوريا كالفرقة 17 واللواء 93 بالقرب من بلدة عين عيسى شمال الرقة، هذا كله إلى جانب فرار المئات من عناصر ما يسمى "بالجيش الحر" من مناطق منبج وجرابلس وتل أبيض والباب أمام تقدم داعش الذي أصبح رقماً صعباً في المعادلة السورية.

ولكن أهالي مقاطعة كوباني شمال سوريا، الذين انخرط شبانهم وشاباتهم ضمن صفوف وحدات حماية الشعب والمرأة، تمكنوا ولمدة أشهر وفي ظروف غاية في الصعوبة وفي معارك غير متكافئة من ناحية العدد والعتاد من حماية قراهم بمعدات عسكرية محدودة أمام الهجمات التي شنها فصائل عسكرية مختلفة بأسماء مختلفة تحت مسمى "الجيش الحر" بداية، و"جبهة النصرة" بعدها وأخيراً هجمات داعش.

في الـ15 من أيلول سبتمبر من عام 2014 يبدأ داعش بجر الآلاف من مقاتليه وعلى رأسهم الأجانب المختصين بالأعمال القتالية بهجومٍ كبير بمدرعات ودبابات استقدمها المرتزقة من الموصل والرقة وهي أسلحة تعود للجيشين العراقي والسوري، صوب مدينة كوباني.

الأوضاع في سوريا عامة والشمال خاصة بالتزامن مع الهجوم

في أواسط عام 2014 بات داعش يسيطر على مساحة تقدر بأكثر من180 ألف كم2 في سوريا والعراق أي ما يوازي مساحة سوريا، انحصر تواجد النظام السوري في الساحل وبعض المناطق الداخلية كالعاصمة دمشق، ومدن حمص، حماه، والسويداء في نفس العام.

أطنان من الأسلحة امتلكها داعش قبل هجومه على كوباني وبات يمتلك داعش مجموعات مرتزقة من كافة أصقاع الأرض التي مهدت تركيا لهم الأرضية في العبور إلى سوريا إذ امتلك داعش جيشاً قوامه يزيد عن"300 ألف" مسلح في سوريا والعراق في تلك الآونة، بحسب معلومات أدلى بها أحد الأمراء لدى داعش والذي ألقت قوات سوريا الديمقراطية القبض عليه في وقت سابق.

لذلك بات المرتزقة يحاصرون روج آفا ويقطعون كل الطرق فيما بينها وبين المناطق السورية عدا مقاطعة عفرين التي كان لها ارتباط جغرافي مع محافظة إدلب وحلب خارج عن سيطرة داعش، وكانت مناطق روج آفا هي الوجهة المقبلة لداعش إذا ما حاول إكمال مخطط توسعه ليشمل كامل مناطق الشمال السوري.

وبدت مدينة كوباني التي تقع في منتصف مناطق الشمال على ما يبدو هدفاً سهلاً للتوسع، وأولى المدن الكردية التي من الممكن أن يسيطر عليها داعش.

تسهيلات تركية لداعش والاختيار وقع على كوباني

بعد فترة وجيزة من اعتقال أعضاء القنصلية التركية في الموصل من قبل داعش حصلت مفاوضات ولمدة شهرين، وقد أفضت تلك المفاوضات إلى اتفاق يقضي بتلبية تركيا جميع طلبات داعش، وهي تسهيل عبور آلاف المهاجرين من دول مختلفة حول العالم إلى سوريا، وفتح معابر جرابلس وتل أبيض/كري سبي الحدوديتين، وذلك لتمرير المواد الغذائية ومواد التفجير، بالإضافة إلى الأجهزة الالكترونية كما وأخلت السلطات التركية سبيل 350 مرتزقاً كانوا يتوجهون إلى سوريا للقتال في صفوف داعش، وكل ذلك مقابل أن توجه داعش إرهابها وفوهات بنادقها صوب كوباني خدمة لتركيا.

ولا شك أن داعش الذي كان مدعوماً بشكل كبير من قبل تركيا أخذ بعين الاعتبار أن كوباني التي تتوسط المنطقة وتشكل خاصرة روج آفا، هي المدينة التي انطلقت منها ثورة الـ 19 من تموز (ثورة روج آفا) وهي بغض النظر عن كونها محاصرة من 3 جهات، لا تمتلك القوات المدافعة عنها ربع الأسلحة التي يملكها داعش.

وربما أن داعش اعتقد آنذاك أن السيطرة على كوباني تعني بداية السيطرة على كامل الشمال السوري والركيزة لتشكيل دويلة مذهبية تمتد على طول الشمال السوري ووصولاً إلى العراق وهي أهداف تؤيدها تركيا وقطر، أي البدء بالزحف نحو الجزيرة ومن ثم عفرين وتبديد مشروع الإدارة الذاتية بالسيطرة على إحدى المقاطعات الثلاث ضمنها.

إضافة إلى أن داعش أراد من خلال احتلال كوباني إبعاد القوى الديمقراطية التي كانت حاضرة بقوة في المناطق المتاخمة لمناطق سيطرته في العراق وسوريا.

وكانت كوباني ذات الرمزية المعنوية الكبيرة لدى الكرد هي الفرصة والساحة الأنسب لداعش للانتقام من فشله في تحقيق كامل أهدافه في شنكال، حيث أفشلت قوات الدفاع الشعبي عملية داعش في السيطرة على كامل شنكال إبان شنه حملة عسكرية عليها في الـ3 من آب عام 2014.

هذا إلى جانب سعيه إلى إحكام سيطرته على أكبر مساحة ممكنة من الحدود التركية التي لطالما كان يتخذها وسيلة لعبور المئات من العناصر الأجانب الذين قصدوا الانضمام إليه قادمين من الغرب، علاوة على أن تقارير كانت تفيد بأن داعش عمد إلى إيراد مواد نفطية من مناطق سيطرته في العراق وسوريا إلى تركيا عبر الحدود، ذلك يعني أن السيطرة على كوباني التي تجمعها مسافة تفوق 80 كيلو متراً مع الحدود التركية سيساهم في تسهيل تلك العمليات.

لذا تحولت أنظار مرتزقة داعش صوب كوباني، ليكمل مشروعه التوسعي في المنطقة ويحقق بذلك جملة من الأهداف في رقعة جغرافية واحدة.

غداً: كوباني نهاية داعش والطموح التركي

(ل)

ANHA