دجلة أحمد – زانا سيدي /كوباني

قبل أربعة أعوام من الآن كان المشهد مغايراُ في مدينة كوباني، اشتباكاتٌ وحرب شوارع في مساحةٍ راهنت عليها دولٌ وأمم.

كوباني التي أصبحت ضحية سياسةٍ إقليمية بين تركيا والنظام السوري وداعش، بعد اتفاقيات بين تلك الأطراف حضرها أمراء لداعش، هجرها سكانها وبقي في المدينة فقط من كان قادراً على خوض المعركة المصيرية.

في أواخر عام 2014 شن داعش هجوماً واسعاً صوب مقاطعة كوباني، إذ سيطر على أكثر من 300 قرية في غضون أيام، لم تكن الخيارات متاحةُ أمام المقاتلين المتحصنين في المدينة سوى الدفاع عنها رغم قلة الأسلحة والذخيرة.

"قلعة المقاومة" كما تسمى محلياً في إشارة إلى كوباني، كانت السباقة في البدءِ بثورة غرب كردستان عام 2012, عدا أنها تشكل رمزية كبيرة للكرد عموماً فكوباني هي أول مدينة زارها قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان أثناء عبوره إلى روج آفا نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وخرّج مئات الكوادر العسكرية والتنظيمية من سكان المقاطعة، لذا فكان هجوم داعش الذي يختبئ تحت عباءته دولٌ وحكومات، ذو طابع انتقامي من تلك المقومات.

بالأسلحة الخفيفة قاوم مئات المقاتلين عن آخر أحياء مدينة كوباني المتبقية،  ممن لبوا نداء قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان، حتى وصلت طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقصفت مواقعاً لداعش في المدينة.

مقاومة كوباني ادهشت العالم

اندهش العالم من المقاومة الجبارة التي أبداها مقاتلون نصفهم نساء في وجه قوّة إرهابية مدعومة من عدةِ دولٍ وتشكل خطراً على العالم بأسره، فقد فرضوا بهذه المقاومة على العالم بأثره أن ينادي بالتضامن مع المدينة الصغيرة كوباني.

في الأول من تشرين الأول/نوفمبر من عام 2014 أعلن أنه اليوم العالمي للتضامن مع كوباني، إذ خرجت عشرات المدن في أغلب دول العالم في مسيرات دعماً للمقاومة, مساندة العالم لمقاومة كوباني كان  له هدف أساسي وهي القضاء على الإرهاب الذي لا يعرف معنى الإنسانية ولا الأخلاق والقوانين والأعراف الدولية.

 تردد اسم كوباني على لسان مواطني أمريكا اللاتينية وكذلك في العاصمة اليابانية طوكيو الذين خرجوا كغيرهم من المدن الأوروبية والتركية في مسيرات حاشدة، وحتى في العاصمة الأفغانية كابل التي خرج نساؤها لأول مرة في التاريخ في مسيرةٍ داعمة لكوباني.

العشرات فقدوا حياتهم في اشتباكات بين الأمن التركي ومتظاهرين كرد في مدنٍ عدة ضد سياسة تركيا في دعمها لداعش في الحرب على كوباني، عدا أن آلاف الكردستانيين شكلوا حائطاً بشرياً بالقرب من الحدود بين كوباني وتركيا، دعماً للمقاتلين، وحرصاً على منع أي دعمٍ قد تقدمه الحكومة التركية لداعش.

في الـ 26 من كانون الثاني 2015 رايات النصر رفرفت في سماء كوباني

 في السادس والعشرين من شهر كانون الثاني/يناير عام 2015 رفعت راية لوحدات حماية الشعب على تلة كانيا كردان في كوباني، في إشارة إلى تحرير المدينة بالكامل من داعش بعد أشهرٍ من المعارك.

بإرادتهم أعادوا بناء مدينتهم

قد تضاهي اليوم الخدمات التي تقدم في هذه المنطقة والقوة العسكرية المتواجدة فيها كبرى المدن السورية الداخلية، مشافٍ كبيرة، وأبنية كثيرة، وأسواقٌ مزدحمةٌ بالسكان، لا يعقل بأن هذه المدينة هي التي كانت على الأرض تماماً قبل أعوام.

غير أن إرادة الشعب في كوباني كانت الأقوى، فقد بنوا مدينتهم بإرادة وإدارةٍ ذاتية ليس لها نظير في أي مكان آخر.

فإذا كنت قد مررت بها قبل أربعة أعوام، ستأخذك الدهشة إن رأيتها اليوم، مشاف وأبنية مشيدة مدارس وحدائق منظمة، فهذه البقعة الجغرافية التي قصدتها أبشع التنظيمات الإرهابية اليوم تبني كبرى المؤسسات  التربوية والطبية.

عدا ذلك فتعتبر كوباني بداية نهاية داعش التي تمددت وسيطرت على مساحة شاسعة من سوريا والعراق وارتكبت فيها إجرامها بحق المدنيين، حتى فقدت الآلاف من مرتزقتها في المدينة، وأرغمت على التراجع رويداً رويداً، وخسرت المدينة التي اتخذتها عاصمة لها وهي الرقة وسط سوريا، بينما يتحصن عددٌ كبير من المرتزقة في الجيب الأخير لهم بالقرب من مدينة دير الزور.

(ج)

ANHA