جمعة محمد – شيلان محمد / منبج

تعالى أزيز الرصاص وصوت انفجار القنابل بينما وصل مقاتلو مجلس منبج العسكري وقوات سوريا الديمقراطية الذين قادوا حملة تحرير منبج، إلى مشارف المدينة.

كان الجميع ينتظر وصول المعارك التي انطلقت في الأول من حزيران 2016 إلى المدينة التي توقع الجميع أن تدور في شوارعها أشرس المعارك، لأن مدينة منبج كان لها أهمية بالغة على الصعيدين العسكري والسياسي.

شكلت منبج بالنسبة لمرتزقة داعش مركزاً حيوياً واستراتيجياً تمركز بها المقاتلون الأجانب، وكانت مفترق طريق يمر به من يأتي من أوروبا عبر تركيا ومن يعود من سوريا والعراق إلى أوروبا ليكمل ما يسمونه بـ"الجهاد" هناك.

لذلك أسمى بعض القادة العسكريون ممن كانوا يقودون حملة تحرير منبج، المدينة بعاصمة الدواعش الأجانب، لقد كانت منبج المدينة الأخطر، حتى أخطر من الرقة وهي شهدت على السياسة التركية الداعمة لداعش، إذ تمركز بها من كانت تركيا تساعدهم على العبور إلى سوريا والعراق ليعيثوا خراباً في البلدين العريقين.

بينما أطبق الحصار على مدينة منبج، وذكرنا التفاصيل في هذا السياق داخل ملف القسم الأول الذي أعددناه، لم تتوقف المعارك، بعض مجموعات الحملة كانت ما تزال منشغلة بتحرير قرى منبج التي كان نصفها ما يزال تحت سيطرة المرتزقة بينما تستعد مجموعات أخرى لاقتحام المدينة وقنص الدواعش بداخلها.

اللحظات الأولى لدخول المدينة بلسان من عاشوها

من قرية "حسن آغا" صوب قرية "كابرجة" الملاصقتين لمركز "المطاحن" جنوب منبج، يقول عكيد شمس الشمال(عكيد أحمد) القائد العام لكتائب شمس الشمال بأن قواتهم سلكت ذلك الطريق عندما سعوا لدخول مركز "المطاحن الملاصق للأحياء الجنوبية في منبج.

أول المساعي لدخول المدينة حدثت من هناك، المطاحن العالية جداً، أضخم مبنى مساحة وارتفاعاً في مدينة منبج، السيطرة على المطاحن كانت تمكنك من السيطرة النارية على كيلومترات عديدة من حولك إضافة إلى عدة أحياء داخل منبج.

لذلك استهدفت القوات المتقدمة السيطرة على المطاحن لتواصل بعد ذلك الزحف صوب مركز المدينة.

يقول عكيد متذكراً لحظات اقتحام المطاحن "4 مجموعات اقتحمت المطاحن، كان ذلك قبل مغيب الشمس بقليل، اندلعت على إثرها اشتباكات قوية لأن أنفاقاً كثيرة كانت قد حفرت هناك، داعش كان يستخدم القناصات من على المطاحن، زرع المرتزقة في المطاحن ألغاماً كثيرة، أتوقع بأن عددها فاق 500 لغم أرضي متطور استشهد بنتيجتها عدد من رفاقنا".

ويضيف "الوضع كان صعباً، الأنفاق كانت كثيرة وكذلك الألغام الحديثة، اضطررنا للتوقف ليومين ومن ثم واصلنا معارك تحريرها، الحرب بداخل المطاحن كانت حرب أنفاق، داعش لم يكن يجرؤ على الخروج إلى فوق سطح الأرض خوفاً من الطيران الذي قصف المطاحن لعدة مرات كما ساعد التحالف بالقصف عن طريق صواريخ انطلقت من البحر".

يؤكد عكيد بأن أول أكبر معركة في سياق حملة تحرير منبج كانت معركة المطاحن، ويتابع الحديث "الأنفاق كانت التحدي الأصعب، إن استطعت إغلاقها سيطرت على المطاحن، لكن لم نكن نعلم بمكان الأنفاق إلا بعد خروج الدواعش ومهاجمتنا عبرها".

تولى مهمة تحرير مركز المطاحن 24 مقاتلاً موزعين على 4 مجموعات في البداية، ثم انضم إليهم 12 مقاتلاً آخرين لتشتد المعارك التي دامت لأيام عدة وانتهت بتحرير المطاحن من داعش".

أحد المقاتلين الذين كانوا مشاركين في معركة تحرير المطاحن كان المقاتل فهد اللابدة وهو من كتائب شمس الشمال، يقول فهد متذكراً اللحظات الأولى لاقتحام المطاحن "كانت مجموعتنا مؤلفة من 4 أشخاص، تسللنا إلى المطاحن حتى اقتربنا من الدواعش وسمعنا كيف كانوا يتحدثون مع بعضهم، ضربناهم بواسطة القنابل اليدوية، عدنا إلى الخلف قليلاً وضربناهم بقذائف الآر بي جي المحمولة على الكتف، حاولنا 3 مرات حتى استطعنا الدخول إليها".

دامت المعارك في المطاحن وفق ما يتذكر فهد من الساعة السابعة مساءً وحتى الساعة الثالثة فجراً، استطاعوا حينها الدخول إلى المطاحن لكن داعش كان أيضاً متواجداً بها.

يقول فهد "صعدنا مبنى المطاحن لكن داعش كانت ما تزال في الساحة بالأسفل، ننظر إلى الأسفل ونراهم بعيننا، بقينا محاصرين في اليوم التالي حتى الساعة الثانية ظهراً عندها هب رفاقنا لمساعدتنا وفك الحصار عنا".

بعد انتهاء معارك المطاحن، انتقل فهد للقتال في الجبهة الغربية داخل مدينة منبج، وشارك في معارك تحرير الأجزاء الغربية من المدينة.

الحرب داخل أول الأحياء

بعد تحقيق النصر الذي كان الأكبر في سياق الحملة، وجه مقاتلو مجلس منبج العسكري بنادقهم صوب حي "الكشلي" الذي يحاذي المطاحن وهو أول الأحياء الجنوبية.

تولت المجموعات التي حررت "المطاحن" مهمة اقتحام ذلك الحي، بعض من هؤلاء كانوا قد استشهدوا في "المطاحن" لكن من بقوا واصلوا حرب التحرير.

كان لكتائب شمس الشمال التي كان عكيد أحد القادة فيها حينها 8 مجموعات اقتحام تعمل على التقدم وتحرير النقاط من داعش، كل مجموعة تألفت من 6 مقاتلين.

يقول عكيد عن عمليات الاقتحام داخل أحياء منبج "كانت هنالك مجموعات خاصة بالاقتحام وأخرى تتولى مهمة حماية المجموعات المتقدمة والتمركز في النقاط المحررة، في بعض الأحيان كنا نتعمق بمسافة 800 متر داخل أحياء منبج بالطول ومن يمينك ويسارك كانت المرتزقة متمركزة لذا كان من الضروري وجود مجموعات تتولى مهمة حماية المتقدمين من الخلف".

ويكمل قائلاً "في إحدى المرات دخل رفاقنا بعمق في الأحياء، هاجمت داعش النقاط الخلفية وسيطرت على 3 منها ما أدى إلى محاصرة الرفاق المتقدمين في المقدمة، السيارات المصفحة وكل المقاتلين حوصروا، كان ذلك في حي الكشلي، لم نستطع فعل شيء حتى بزوغ فجر الصباح حتى تقدمت مجموعتان من رفاقنا وحررت المحاصرين".

واجه مقاتلو حملة التحرير صعوبات كثيرة خلال عمليات التقدم داخل الأحياء، لم يكن من الممكن السير أو التقدم عبر الشوارع لأن قناصة المرتزقة كانت ترصد أية حركة تحدث لتطلق الرصاص عليها.

يقول عكيد "شيء اسمه شارع لا تمشي به، نظام الحرب في مدينة منبج لم يعتمد على الشوارع، إن مشيت في شارع فأنت في خطر والموت أقرب منك من أي وقت مضى، النظام اعتمد على الخراقيات، تفتح الجدران من بيت لآخر حتى تستطيع التقدم، حتى وإن كان الشارع مفتوحاً يتوجب عليك إغلاقه بساتر ترابي أو قطعة قماش كبيرة تحجب الرؤية، لأن داعش كان يعتمد على الأنفاق التي لا نعلم مكانها ليخرج من خلفنا ويصعد إلى أعلى مبنى ليقنص المقاتلين المتقدمين".

وتعتبر "الخراقيات" كما تسمى محلياً هنا في سوريا، إحدى الأكثر الطرق استخداماً في حرب الشوارع داخل المدن، ويتم خلالها فتح ممرات عبر جدران المنازل ليتم إيصالها ببعضها واستخدامها للتقدم عوضاً عن التقدم عبر الشوارع.

يذكر عكيد بأنهم في بعض الأحيان كانوا يفتحون 4 "خراقيات" في منزل واحد، ويشير إلى أن حي "الكشلي" عرف بهذا الأسلوب حيث كانت "الخراقيات" فيه تمتد لمسافة كيلو مترين في بعض الأحيان.

أساليب جديدة في الحرب استخدمها داعش دلت على ضعفه

قبل انطلاق حملة تحرير مدينة منبج، كان داعش قد تلقى ضربات موجعة على يد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية ومن ضمنها وحدات حماية الشعب، معركة كوباني كانت الأقوى والأشد تأثيراً ثم معركة كري سبي / تل أبيض وصولاً إلى معارك تحرير سد تشرين.

تلك المعارك أثرت على قوة ومعنويات المرتزقة، وهذا ما ظهر في الأساليب التي اعتمدها المرتزقة في القتال داخل أحياء منبج.

ففي منبج لجأ المرتزقة إلى استخدام اساليب القنص من بعيد وزرع الألغام لإعاقة تقدم القوات المحررة، وإحداث أكبر الخسائر في صفوفها، وهذه أساليب عبرت حينها عن ضعف صريح في صفوف داعش.

يقول عكيد شمس الشمال بأن "المواجهات المباشرة قليلاً ما حدثت، داعش اعتمد على القنص وأغلبية رفاقنا الذين استشهدوا وقعوا ضحية القناصة والألغام، كانوا يزرعون الألغام داخل منازل المدنيين، كل شيء تلمسه كان ملغوماً وأكثر الألغام زرعت في حي الحزاونة".

ويوضح عكيد بأن خبرتهم في مواجهة الألغام كانت قليلة، فكانت الألغام التي يتم العثور عليها تفجر بطرق بدائية أو يتم تلافيها والتقدم دون الالتفات إليها.

ويضيف "خبراتنا كانت قليلة في مواجهة الألغام، لذا أغلبية رافقنا استشهدوا بواسطة الألغام، عندما كنا ندخل إلى منزل ما نتفاجأ بوجود لغم ينفجر بشكل مفاجئ".

يتبع...غداً ساعة الصفر وتحرير آخر الأحياء

ANHA