شيندا أكرم/قامشلو

قرية "عتبة" التابعة لمدينة قامشلو والتي تضم نحو 40 منزلاً، كانت غالبيتها تضم عوائلاً ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالقضية الكردية وناضلت في صفوف حركة التحرر الكردستانية منذ أعوام التسعينات، إذ قدموا قرابة 20 شاباً وشابة شهداءً في صفوف الحركة.

مع انطلاق شرارة الثورة في روج آفا، هب الشعب الكردي ليقود طلائع الثورة، إذ بادر العديد من شبان وشابات هذه القرية إلى الانضمام لوحدات حماية الشعب والمرأة ليساهموا في حماية أرضهم وشعبهم ضد الأخطار المحدقة بهم من كل حدب وصوب.

ديلان عمر التي فتحت عينيها على الحياة عام 1994 بمدينة قامشلو بحي قدوربك كانت إحدى بنات تلك القرية، انتقلت عائلتها من قريتهم نتيجة الظلم الذي تعرضوا له على يد الحكومة السورية، قبل سنوات عديدة.

عاشت ديلان حياتها في كنف عائلتها التي تتكون من خمس شابات وشابين، كانت ديلان الرابعة بين الأبناء السبعة.

تميزت ديلان بروحها المرحة ونشاطها داخل المنزل وخارجه إلى جانب سرعة بداهتها، لم تكن يوماً عائقاً أمام أحد، كان لها حلم صغير انفردت به في مخيلتها، واستطاعت تحقيقه، كان العزف على آلة البزق(الطمبور)، وبعد أن تعلمت، ساهمت في تعليم الكثيرين معها.

سميت ديلان باسم إحدى الشابات اللواتي توجهن في أعوام التسعينات إلى جبال كردستان للنضال ضد الفاشية التركية، تقول عطية والدة ديلان "عندما أنجبتها، كانت إحدى الشابات ذاهبة إلى جبال كردستان، فاقتربت مني وقالت إنها تريد تسمية الطفلة المولودة، تركت لها الحق في ذلك، فأطلقت عليها اسم ديلان، وقالت لي بعدها "عندما تكبر عليها أن تحمل سلاحي"، فأجبتها بأننا حينها سنتمكن من تحرير كردستان".

انتقلت عائلة ديلان بعد أن ترعرع الأولاد في مدينة قامشلو مدة خمسة عشر عاماَ إلى العاصمة السورية دمشق ليعملوا هناك، وفي دمشق تترك ديلان المدرسة في المرحلة الإعدادية وتنضم إلى فرق الفن وتسلك درب تحقيق حلمها بالعزف على آلة البزق التي لطالما أرادت تعلم العزف عليها.

حب ديلان لآلة البزق كان موروثاً من والدها الذي كان يعزف مع فرق الحركة في المناسبات الكردية، لذا تعرض والدها للكثير من المضايقات من قبل النظام السوري، وهذا ما جعلهم يقطنون مدينة دمشق.

أحبت ديلان دائماً أن تتفوق على والدها في العزف، ولأن المجاورين لها شجعوها على ذلك، تمكنت من التعلم بعد أن انضمت إلى دورة تدريبية.

بعد اندلاع ثورة الحرية في روج آفا، عادت عائلة ديلان إلى وطنها وسكنت برفقة العائلة في مدينة تربه سبيه.

يقول عبد الرحيم والد ديلان، "كنا نسمع عن تحرير المناطق الكردية، لذا لم نستطع أن نصبر في دمشق، فتوجهنا إلى منطقة الجزيرة وسكنّا في مدينة تربه سبية، وهناك سرعان ما انضممنا جميعاً إلى الفعاليات التي كانت تنظم في سياق الثورة".

ديلان التي كانت تعشق الثورة لم تتردد بالانضمام إلى المسيرات الشعبية والتظاهرات ضد النظام السوري، من تعرف عليها لم ينس بساطتها وابتسامتها التي لم تفارق شفتيها.

كانت ديلان من المحافظين على الممتلكات العامة التي دخلها الشعب كإحدى مكتسبات الثورة وكثيراً ما كانت تحرص عليها من التخريب والدمار.

انضمت ديلان إلى وحدات حماية المرأة عام 2012، لتناضل إلى جانب بنات الوطن في سبيل نيل الحرية وحماية الأرض، وعندها حملت اسم "فجين جيا" كاسم حركي لها عرفت به بين رفاقها العسكريين.

تلقت ديلان التدريب بعد انضمامها في أكاديمية الشهيدة شيلان لمدة شهر ونصف ووقفت إلى جانب رفاقها في كل المحن والنقاشات، وتعلقت بالقياديين الشهيدة وارشين والشهيد منذر كثيراً.

كانت تغني دائماً أغنية الشهيد دمهات(مقاتل شهيد من وحدات حماية الشعب) "Bi xwînê sor bû kefya Zîlanê" بأعلى صوتها لتدخل المرح والسعادة وحب الوطن إلى كل من كانت تصله موجات صوتها الحنون.

شاركت ديلان في حملة تحرير منطقة تربه سبية من النظام البعثي، وتقول رفيقة دربها نوروز قامشلو إن "ديلان علمتنا كيف نغني أثناء اشتداد الاشتباكات وبذلك كنا نزداد أملاً، جعلتنا جميعاً نتأثر بالرفيق دمهات وأغانيه، لذا عندما استشهد الرفيق دمهات عاهدت ديلان على الانتقام له وأن تغني أغانيه حتى آخر نفس".

بعد تحرير تربه سبيه من النظام البعثي لم يكتف المرتزقة بالهجمات على سري كانية، في ليلة 27 تموز عام 2013 هاجم مرتزقة جبهة النصرة قرية مظلومة جنوب تربه سبية، وكانت الشهيدة فجين وسبعة من رفاقها في إحدى النقاط ووقعوا في كمين المرتزقة، وبعد مقاومة عظيمة وصلت إلى مرتبة الشهادة.

ديلان وفت بالوعد الذي قطعته على نفسها، كانت تقول لعائلتها إنها لن تخطو خطوة إلى الوراء ولن تستسلم، وبالفعل، لم تتراجع، رددت الأغنية التي كان يقولها الشهيد دمهات حتى لفظت النفس الأخير وهي تسير على درب رفيقها الشهيد.

بعد 47 يوماً من الاستشهاد، وصل جثمان الشهيدة ديلان ورفاقها الشهداء إلى عوائلهم ليتم تشييعهم إلى مثواهم الأخير في مزار الشهيد دليل صاروخان في مدينة قامشلو.

والدها الذي كان يعزف هو وابنته الشهيدة ديلان على آلة البزق، أراد عندما التقينا به أن يهدي أغنية هو يعزفها إلى ابنته الشهيدة وجميع عوائل الشهداء، لتبقى أوتار تلك الآلة الكردية العريقة شاهدة على أحلام فتاة مناضلة ضحت بجسدها وروحها في سبيل الوطن.

(ج)