زانا سيدي/كوباني

الساحة السورية قبل ظهور داعش

مع أواخر عام 2014 طغت الفوضى العارمة على أغلب المناطق السورية بعد ثلاثة أعوام على حربٍ أهلية كانت تتحكم بأهدافها دولٌ بشكلٍ غير مباشر، من طرف تسعى الحكومة التركية بقيادة رئيس البلاد أردوغان استخدام جماعات إرهابية متطرفة، منها "النصرة وأحرار الشام، وداعش" للقضاء على إدارةٍ ذاتية أعلنتها مكونات الشعب السوري في شمال البلاد، ودفع تلك الجماعات الإرهابية إلى استلام سدة الحكم في سوريا.

من طرف آخر يسعى النظام السوري مدعوماً بمقاتلين من حزب الله اللبناني إلى إخراج مقاتلي المعارضة السورية آنذاك من عشرات المدن التي تحولت إلى أنقاضٍ بفعل القصف الجوي والصاروخي للنظام السوري على تلك المدن كـ "القصير، حرستا، خان شيخون، حلب، والرستن....الخ".

داعش تكشّر عن أنيابها

وسط المشهد الضبابي الذي عاشته سوريا في ذلك العام وبينما كانت البلاد تسير نحو الهلاك، وانعدم أي تحركٍ دوليٍ جدي تجاه الصراع الدموي، كشرت عن أنيابها جماعاتٌ تعتمد على حرق وذبح السوريين كوسيلة لإخضاعهم وهي "داعش".

بسرعة البرق سيطر داعش الذي لم يكن قوامه آنذاك يتعدى مئات المرتزقة على مساحات شاسعة من سوريا وجارتها العراق، لقد سقطت كبرى مدن بلاد الرافدين "الموصل" خلال ساعات بيد داعش وكذلك "الرقة" في سوريا، واستولت على كبرى معسكرات الجيشين السوري والعراقي وقامت بإعدام مئات الجنود رمياً بالرصاص وأخذت الأزمة في سوريا منحاً آخر.

داعش تجر الحرب إلى كوباني المحاصرة بدعمٍ تركي

لم تكن إلا اشتباكاتٌ بالأسلحة الخفيفة في محيط عددٍ من القرى الصغيرة على عدد من المحاور بالقرب من مدينة كوباني شمال سوريا، يشارك فيها مقاتلات ومقاتلون قدموا من المدينة والقرى المجاورة لها ليدافعوا عن مناطقهم ضد أي تمددٍ لجماعاتٍ إرهابية كجبهة النصرة التي تحولت أو بايعت فيما بعد داعش.

استفاد داعش من الزخم الإعلامي الذي روج لصالحه على أنه قوة لا تقهر، إذ تسيطر على أي منطقة تتوجه إليها في غضون ساعات، وبعد اتفاقيات مع الاستخبارات التركية بحسب وثائق كشف عنها أمراء لداعش سابقاً، قام داعش بثلاث محاولات للتوغل في مناطقٍ قريبة من مدينة كوباني إلا أنها باءت بالفشل، ليستقدم الآلاف من مقاتليه المرتزقة ذوي التجارب العسكرية والذين حاربوا في وقت سابق في أفغانستان والعراق ودول أخرى، ويجر عشرات الدبابات التي اغتنمها من الجيشين السوري والعراقي نحو مدينة كوباني المحاصرة قبل ذلك بعامين للسيطرة عليها.

كانت لتركيا وداعش الهدف نفسه وهو القضاء على المدينة التي انطلقت منها ثورة الـ19 من تموز في شمال سوريا عندما أخرج عناصر النظام السوري من المدينة على يد السكان المحليين لتمتد شرارة الثورة إلى باقي المدن في شمال البلاد، وذلك ما يشكل ضربةً معنوية وسياسية وعسكرية للإدارة الذاتية في شمال سوريا، ما يجعل داعش مستفيداً من المعبر الحدودي مع تركيا.

داعش تحتل 300 قرية وأغلب أحياء كوباني في غضون أيام

سيطر داعش على 300 قرية في غضون أيام وبات على تخوم مدينة كوباني في أوائل شهر اكتوبر من عام 2014، وضربت المنطقة موجة نزوح كبيرة إذ فر ما لا يقل عن 300 ألف مدني جلهم نساء وأطفال إلى مدينة سروج في شمال كردستان داخل الأراضي التركية، ليشكلوا جداراً بشرياً لمنع تسلل إرهابين من الحدود التركية إلى أحياء المدينة، بالتزامن مع بقاء المئات من الشبان والمسنين في المدينة لخوض المعركة المصيرية في ديارهم أمام أكثر الجماعات إرهاباً مدججة بأحدث أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

لم تكن الخيارات متاحة أمام المقاتلين المتحصنين في آخر حيَّين في المدينة سوى الدفاع عنها وردع الهجوم على الرغم من الأسلحة الخفيفة التي كانوا يملكونها، إذ تمكنوا من إيقاف تمدد داعش داخل أحياء المدينة لمدة 21 يوماً حتى وصلت طائرات التحالف الدولي وقصفت المرتزقة داخل المدينة لتتمكن مقاتلات وحدات حماية المرأة ومقاتلي وحدات حماية الشعب من التقدم داخل المدينة ويحرروا عدداً من الأزقة.

العالم ينتفض دعماً للمقاومة في كوباني

في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014 أعلن بأنه اليوم العالمي للتضامن مع المقاومة في كوباني، إذ امتلأت المطارات وأغلب المرافق العامة في المدن الأوروبية ومباني الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بالأناس المتضامنين مع المقاتلين الذين كانوا يدافعون عن كوباني آنذاك، في الوقت الذي ردد فيه المتظاهرون شعارات نددت بالحكومة التركية التي كانت تدعم داعش حينها بشكلٍ مباشر خلال المعارك في المدينة.

علقت صورٌ لمقاتلين أممين ومقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة المحاربين في كوباني في الشوارع العامة في مدنٍ مختلفة حول العالم في اليابان والأرجنتين وأفغانستان إلى جانب عشرات الدول الأوروبية وباتت أنظار العالم تلتفت نحو المعركة المصيرية التي قد تهدد كل مواطنٍ يعيش بأمانٍ واستقرار في جميع بلدان العالم.

داعش يتعرض لنكسة في كوباني لأول مرة منذ تمدده

مع خوض داعش لأعنف معاركه في أزقة وشوارع كوباني وصل إجماليُ عدد المنتسبين لداعش القادمين من مختلف دول العالم وعلى وجه الخصوص دول المغرب العربي إلى 300 ألف مرتزق ينتشرون في سوريا والعراق حسب إحصائية كشف عنها أحد أمراء داعش المعتقل لدى قوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2017.

بعد أن فقد أكثر من 3000 من مقاتليه للسيطرة على آخر حيين في المدينة تراجع داعش بفعل الخسائر التي مُنيَ بها جراء المقاومة الشرسة التي أبداها المقاتلون وقصف طائرات التحالف الدولي الذي شكل للقضاء على داعش ولاسيما في معركة "مرشد بينار" الحدودية بين كوباني والأراضي التركية.

تراجع داعش حتى حرر تحالفٌ من وحدات حماية المرأة و وحدات حماية الشعب ومقاتلين من الجيش السوري الحر ومقاتلين أمميين جميع أحياء المدينة، وأعلنوا النصر الكبير في الأول من كانون الثاني/يناير من عام 2015 بعد 134 يوماً من أعنف المعارك التي شهدتها الساحة السورية خلال أعوام الأزمة، لترفع وحدات حماية الشعب رايتها فوق تلة "كانيا كردان" شرق المدينة في إشارة إلى تحرير كامل المدينة، ولتعم الاحتفالات مئات المدن حول العالم ابتهاجاً بالنصر.

غداً: حلم التمدد التركي ينتهي في جيب داعش الأخير

(ج)

ANHA