يحيى الحبيب

مركز الأخبار - قبل فترة دخلت القوات التركية الأراضي العراقية دون علم الحكومة الاتحادية في بغداد، وأثار دخولها موجة من السخط لدى الأوساط العراقية والعالمية، إلا أن القوات التركية مازالت متواجدة في بعشيقة (على بعد 60 كم عن مركز الموصل) وتزيد من عدد قواتها يوماً بعد يوم وتعزز تواجدها بالعربات المدرعة والآليات العسكرية المختلفة رغم كل الاعتراضات.

الأتراك قالوا وقتها أن مسعود البارزاني هو الذي منحهم الإذن بالدخول بدعوى تدريب قوات البيشمركة، وآخرون اتهموا وزير الدفاع العراقي بعقد الصفقة.

في الحقيقة أن تركيا عينها على الموصل وكركوك منذ معاهدة سيفر في أعقاب الحرب العالمية الأولى والمتضمنة فصل العراق عن الدولة العثمانية عام 1920والتي رفض يومها الرئيس التركي كمال أتاتورك التوقيع عليها.

فالأتراك يعتقدون أن الموصل امتداد طبيعي لهضبة الأناضول وأن الكرد والأتراك الموجودين فيها وكذلك في كركوك هم من أصول تركية !!

ووفق اتفاقية لوزان تم إجراء استفتاء على ولاية الموصل عام 1924 تحت إشراف عصبة الأمم (تحولت لاحقاً إلى الأمم المتحدة) وفي ضوء نتائج الاستفتاء قرر مجلس عصبة الأمم في 16 كانون الأول عام 1925م إبقاء الموصل وكركوك والسليمانية ضمن الحدود العراقية بعد أن صوت أهالي هذه المدن لصالح الانضمام إلى العراق، فيما كانت أسرة النجيفي هي الوحيدة التي ترغب بضم هذه المناطق إلى تركيا بعد اغراءات قدمتها لهم تركيا آنذاك.

ووافقت تركيا على الاستفتاء عام 1926 م وتنازلت رسمياً عن هذه المناطق مقابل منحها 10%من عائدات النفط المستخرج من منطقة الموصل وكركوك لمدة 25سنة وقد تم لها ذلك !!

بقيت تركيا عينها على ولاية الموصل وكركوك، وتتربص الفرص لاسترجاعها فيما تحرض الصحف التركية حكوماتها على ذلك وتدعوهم إلى المزيد من الضغط كلما تعرض العراق إلى تهديد أو مشكلة داخلية، ففي عام 1986م وعندما روج الإعلام دخول القوات الإيرانية الأراضي العراقية من الشمال فكرت تركيا بالدخول إلى الأراضي العراقية وحشدت جيوشها على الحدود للسيطرة على الموصل وكركوك بدعوى تعرض المواطنين التركمان للاضطهاد وأصدر البرلمان التركي بياناً قال فيه "تركيا لن تبقى صامتة دون الاهتمام بكركوك والموصل!!".

في عام 1987 وعندما أشيعت أخبار عن نية إيران دخول محافظة البصرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية قامت الصحف التركية بحملة إعلامية تطالب بضرورة تدخل تركيا وضم الموصل وكركوك إليها !! بدعوى أن منطقتي الموصل وكركوك بقيتا خارج الميثاق الوطني التركي لعام1920 م، لكن الرئيس التركي تركوت أوزال حينها علق على ذلك قائلاً "تركيا ليست بحاجة إلى مغامرات".

في أعقاب احتلال العراق للكويت عام 1990م أكد رئيس الوزراء التركي على ضرورة تدخل تركيا في الموصل وكركوك وفاتح الرئيس التركي بذلك وطالب بنفط الموصل وكركوك وأطلق عليهما كلمة (المغتصب) !!

منذ عام 1991 وحتى عام 2003م كانت القوات التركية تشن هجمات متكررة حتى قبل انسحابها قامت بهجوم واسع أسمته (فولاذ). وفي عام 1995م طالب الرئيس التركي سليمان ديميرل بإعادة ترسيم الحدود مع العراق وضم الموصل وكركوك إلى تركيا!!

بعد عام 2003 م تعاملت تركيا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وعقدت العديد من الاتفاقيات معه وأهمها عقود النفط التي بموجبها يتم تصدير نفط الإقليم عبر الأراضي التركية مقابل دولار عن كل برميل على أن تودع مبالغ العائدات في المصارف التركية !! وتعمل في الإقليم 1023شركة تركية !

ورعت تركيا الإرهاب وتعاملت مع المنظمات الإرهابية على أنها دول يتم التفاوض معها، وكانت تخطط بالتنسيق مع هذه المنظمات لاستعادة الموصل، فقصة القنصل التركي في الموصل أثناء دخول مرتزقة داعش، ومعه طاقم القنصلية الذين أعيدوا إلى تركيا بشفافية عالية ودون أذى رغم أن داعش مارس مهنة القتل والذبح والتدمير مع بداية دخوله الموصل، يؤكد التعامل التركي مع الإرهاب.

ليس هذا فقط، بل باشرت تركيا ببيع النفط المنهوب من العراق لصالح التنظيمات الإرهابية وبأسعار زهيدة؛ وقد كشفت المخابرات الروسية تفاصيل عملية البيع والشراء، ناهيك عن التسهيلات الكبيرة التي منحتها تركيا للمنظمات الإرهابية عبر عمليات المرور من خلال أراضيها وتوفير معسكرات التدريب وغيرها من التسهيلات المالية كل هذا على حساب دماء الأبرياء من الشعب العراقي ومصير العراق !!

حتى يومنا هذا مازالت تركيا كلما يتم الإعداد للموازنة في البلد ترصد مبالغ (وهمية) إلى ولاية الموصل وكركوك !!

ما تسعى إليه تركيا اليوم هي محاولة لإعادة انتاج مشكلة الموصل التاريخية (1918- 1926) بثوب جديد موشح بتسميات مختلفة، لكن الوقائع تشير إليه بوضوح. فهل تركيا جادة في أمرها، ولمصلحة من إعادة عجلة التاريخ والتحرك أو العمل على إدارة المشكلة من جديد؟!

عندما لم تكن هنالك حدود تفصل بين الدول، وكانت مسألة سيادة الدول غير موجودة في القاموس، ويوم كانت الغلبة للأقوى، اندفعت جيوش أكثر من سلطان عثماني للغزو والاحتلال. وقصص التاريخ تحمل الكثير من تلك الأفعال التي يبدو أنها اليوم تطرب الرئيس التركي رجب أردوغان الذي طالما عبّر عن فخره وتمجيده لذلك التاريخ آخرها في خطابه الأخير الذي تزامن مع ذكرى معركة جنان قلعة التي وقعت قبل قرن من الزمن.

خلال هذا الخطاب قال أردوغان إن عدوانه وهجماته في دول المنطقة ستتواصل غير آبه بالحدود ولا بسيادة الدول ولا بالقوانين الدولية ولا الظروف الإنسانية. ولم يتورع أردوغان عن الإعلان أنه لن يكتفي بدخول سوريا ومن الممكن أن يأمر قواته بدخول الأراضي العراقية في أي وقت.

التهديد باحتلال شنكال

دائماً ما تنظر تركيا إلى الموصل باعتبارها جزءاً من تركيا اقتطع منها بالقوة، ومتى ما تتيح الفرصة، فإن تركيا سوف تعيد النظر في مسألة ضم الموصل، كما أن القادة الأتراك عندما يتحدثون عن قضاء شنكال فإنهم ضمناً يتحدثون عن الموصل وكركوك، على اعتبار أن هناك ارتباطاً بين هاتين المدينتين، الإعلام التركي أكد أن من بين الأهداف التركية للهجوم على شنكال تطويق شمال الموصل وفي المقدمة دهوك وزاخو، وأشارت أن شن عدوان على شنكال الهدف منه هو تأمين معبر “أوفا كوي” الحدودي بين تركيا والعراق الذي سيشكل بديلاً لمعبر “فيشخابور” في بلدة دهوك، المنفذ الوحيد على العراق، حيث ستقوم تركيا من خلال هذا الهجوم بتأمين خط “أوفا كوي” حتى الموصل بجانب "احتلال شنكال".

ويعد مثلث شنكال على مدار التاريخ منطقة استراتيجية مهمة جعلتها محط أنظار الكثير من القوى المتصارعة ومكاناً لصراعات مستمرة، فقد كانت منطقة للتماس الحدودي وصراع النفوذ (الروماني – الساساني) ومكاناً لصراع ديني (زردشتي - مانوني – مسيحي) وبعد ذلك (صفوي-عثماني)، لما تمثله هذه المنطقة من موقع مهم يطل على أماكن ودول عديدة بالإضافة إلى مساحتها الشاسعة وجغرافيتها الوافرة التي تجعلها محط أطماع كثيرة.

هذا المثلث كان هدفاً أيضاً لمرتزقة داعش، حيث شن المرتزقة هجوماً على شنكال وانسحب منها بشمركة حزب الديمقراطي الكردستاني، ما فتح المجال أمام داعش لارتكاب المجازر بحق الأهالي من الديانة الإيزيدية، ما أحدث ضجة كبيرة على الساحة العالمية إلى أن تدخل حزب العمال الكردستاني وشق الطريق من خلف الجبل وأنقذ الأهالي من براثن إرهاب داعش بعد أن تخاذل المجتمع الدولي عموماً ولم يبدي أية مساعدة للإيزيديين.

وبعد توفر الأمن في جبال شنكال، بدأ الشعب بتنظيم نفسه وشكل قواته العسكرية الذاتية وتمكن بمساعدة من حزب العمال الكردستاني من تحرير المدينة بشكل كامل من داعش في وقت كان فيه الأخير يتلقى الدعم من تركيا، وبعدها أعلن الإيزيديون إدارة ذاتية والتي استوحوها من التجربة الديمقراطية في شمال سوريا والتي تقلق الأنظمة الاستبدادية كالنظام التركي، فبدأت تركيا بشن عدوان على عفرين.

والآن يهدد زعيم تركيا رجب أردوغان بالهجوم على شنكال ولكن الحكومة العراقية وعلى لسان مسؤوليها أعلنت أنها ستتصدى لما وصفه المسؤولون بـ "العدوان التركي" وأكدوا أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي. فهل ستكتفي الحكومة العراقية بإطلاق التصريحات كالنظام السوري أو أنها ستقف بوجه الأطماع التركية؟؟ هذا ما سنراه في الأيام القادمة.

(ح)

ANHA