آلان روج/مركز الأخبار

كانت إدلب محطة النظام السوري الجديدة، الذي تقوده روسيا وإيران في الميدان العسكري والسياسي، بعد إفراغ آخر جيب لما تسمى بالمعارضة السورية المدعومة تركياً في جنوبي البلاد والغوطة الشامية، وذلك عبر صفقات متبادلة بين الروس والترك على عفرين.

حيث استفاد الاثنان من الصفقة، روسيا بسطت سيطرتها بشكل أكبر في البلاد وأصبحت صاحبة الحدود مع الأردن وإسرائيل أيضاً، اللذين يعتبران حلفاء بريطانيا، وكذلك أحدثت تشتتاً بين دول الغرب وحلف الناتو من جهة أخرى لا سيما بين تركيا وأمريكا، أما تركيا فاستفادت من ضرب الكرد تماشياً مع مشروعها في إبادتهم بشتى الأساليب.

 لكن أردوغان سعى لتقديم التنازلات الواحدة تلو الأخرى لروسيا في سبيل تأخير عملية تسليم إدلب ومناقشة الدستور الجديد في البلاد، لذلك عقد اجتماع ثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران من ثم اجتماع بين روسيا و تركيا في سوتشي ليتفقا بشكل مؤقت على مناطق " منزوعة السلاح" بإدلب وريف حلب الغربي.

ومع تزايد الامتعاض الغربي من جهة  والضغط الروسي على تركيا من جهة أخرى كان أردوغان في موقف حرج و متخبط في قراراته فلجأ إلى قمة رباعية في اسطنبول من أجل التخفيف والتهدئة ومحاولة كسب الفتات من الطرفين، ولم تظهر نتائج هذا اللقاء، الذي جمع فرنسا وألمانيا وروسيا وتركيا، بشكل واضح إلا أن تركيا بدأت بخلق فوضى على الحدود في شرقي الفرات التي تحميها قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي.

الناشطة والكاتبة الأمريكية ميردث تاكس Meredith Tax علقت على هذا الاجتماع وتحرك الدول المعنية بالوضع في سوريا ورأت أن تركيا تقوم بأفعال "تسعد" فقط روسيا حالياً من أجل تشتيت الغرب، قائلةً "إذا نظرنا إلى أن ألمانيا والولايات المتحدة تشتتتا وترغبان في الاستفادة من أي مصداقية يحصل عليها من تحقيق خاشقجي، فإن أردوغان يرى كم يمكنه أن يتهرب عن طريق إرسال الطائرات والضرب بالقناصة ضد روج آفا وشمال سوريا. لقد فعل هذا من قبل. ويسعد بوتين لأن هذا يجعل الغرب يبدو سيئاً ومقسماً ، وتأمل روسيا أن يشجع القصف روج آفا على الانحناء للأسد. لكنني لا أعتقد أن هناك خطة منسقة".

كما ترى ميردث بأن ألمانيا وأمريكا منشغلتان جداً بالانتخابات المحلية حيث أن ميركل قد فقدت الكثير خلال الجولة الانتخابية و ترامب يقوم بالحشد على حدود المكسيك ويهدد أمريكا اللاتينية قبيل انتخابات الكونغرس، الأمر الذي قد يجعله وجهاً لوجه أمام قادة البنتاغون، ومن هذا المنطلق تركز ميردث في القول بأنه في حال حاولت تركيا استفزاز الجيش الأمريكي في شمال سوريا وحلفائه من قوات سوريا الديمقراطية فإن ترامب لن يستطيع أن ينفر جيشه أكثر مما فعله الآن وسوف يكون هناك تحرك بهذا الشأن.

أما الدكتور في جامعة ساسكس البريطانية كاميران متين فيرى في التطور الأخير بأن تركيا تستغل صمت وانشغال الدول الأوربية بموضوع اللاجئين في ضرب الشمال السوري فعلق بـ " إن سياسة الدول الأوروبية (فرنسا وألمانيا بشكل خاص) تجاه سوريا وتركيا يتم تحديدها من خلال سياساتها الداخلية من ناحية ومصالح جغرافية استراتيجية أوسع في مواجهة روسيا بشكل خاص. وعلى المستوى الداخلي، لا يمكن للحكومات الحاكمة في فرنسا وألمانيا تحمل تدفق جديد للاجئين، وتعرف تركيا هذا فتستخدم هذا الوضع ، كما استخدم في الماضي، لاستخراج تنازلات دبلوماسية وسياسية من أوروبا".

ويضيف متين " إن التنازل الأساسي الذي تسعى تركيا إلى تحقيقه هنا هو الصمت العملي لهذه الدول فيما يتعلق بمحاولات تركيا تدمير مشروع الحكم الذاتي الديمقراطي في الشمال السوري. مع تزايد الاحتكاكات بين الغرب وروسيا ، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية مع روسيا INF ، تسعى الدول الأوروبية أيضاً إلى إبقاء تركيا خارج المدار الروسي قدر المستطاع ، ولهذا السبب من المحتمل أن تقبل شروط تركيا أو مطالبها تجاه روج آفا. لذا لا أعتقد أن هناك بالضرورة اتفاقية لضرب الأكراد ، ولكن هناك اتفاق بين فرنسا وألمانيا على أن تركيا تستطيع فعل ذلك دون عقاب.

وبالتزامن مع انتهاكات جيش الاحتلال التركي على الشمال السوري واستهدافه الحجر والبشر في المناطق الحدودية اضطرت قيادة غرفة عمليات حملة دحر الإرهاب لإنهاء داعش في الجيب الأخير لها على ضفاف الفرات الشرقية لتوقيفها بشكل مؤقت.

كما عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها وعدم رضاها عما تقوم به تركيا التي من شأنها التأثير في عمليات محاربة الإرهاب في المنطقة، وأكدت على استمرارية دعمها لقوات سوريا الديمقراطية وأنها سوف تعمل على تهدئة الوضع، لتقوم بعدها بنشر دوريات مشتركة بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية على الشريط الحدودي في كوباني و كرى سبي و سري كانيه لمراقبة الوضع.

ومع كل هذا التسارع للأحداث في الشمال السوري يرى مراقبون بأن تركيا تسعى في تحركها لخلق الفوضى من أجل تأخير الحل بتسليم إدلب و خروجها من سوريا، وتبحث عن فرص فيما بعد لجعل الجميع يرضى بالأمر الواقع في كل من إدلب و عفرين والشهباء ويأخذ بسوريا إلى التقسيم.

(آ أ)

ANHA