شرفين مصطفى – غاندي علو/عفرين

تُسير الدولة التركية المحتلة ومرتزقتها في مقاطعة عفرين حملة ممنهجة لنهب آثار المقاطعة وإرسالها إلى الأراضي التركية بهدف محو وطمس تراث الأمم التي عاشت في عفرين.

وكان جيش الاحتلال التركي ومرتزقته شنوا في 20 كانون الثاني/يناير من العام الحالي هجوماً على مقاطعة عفرين وارتكبت فيها مجازر بحق المدنيين وكما قصفت الأماكن الأثرية المتواجدة في المقاطعة.

للعودة إلى التاريخ والبحث في الآثار والمعالم الحضارية الموجودة في عفرين، والتي أدرجت أغلبها في لائحة اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، يتضح بأنه عاشت حضارات وطوائف ومكونات مختلفة في المنطقة، ولكن أين الدليل بعد أن دمرت وسرقت آثار عفرين!!.

سنستعرض في هذا الملف مراحل الحضارات والطوائف التي مرت في مقاطعة عفرين، وماذا حل بالآثار التي خلفتها هذه الحضارات بعد الاجتياح التركي للمنطقة.

الهوريون أول من سكنوا أرض عفرين

انفصل الهوريون عن أجدادهم الذين هم سلف الكرد الحثيين وسموا أنفسهم بالهوريين، لم يقبلوا بالخضوع والعيش تحت حكم الآخرين فتوجهوا إلى أمكان جديدة، أي عفرين منذ 9 آلاف سنة، وذلك بحسب المهتم بعلم الآثار محمد نوري علو، مؤكداً بأن السكان الأصليين لعفرين هم من الكرد.

الإيزيدية..

يتواجد الإيزيديون في مقاطعة عفرين في 22 قرية، بنسبة 25 ألف نسمة، فيما تتواجد المئات من المزارات الدينية للإيزيديين تعود إلى مئات الأعوام، ولكن مع الهجوم التركي على مقاطعة عفرين برفقة المرتزقة أقدموا على تدمير العديد منها، فقد تم نهب قوس لمعبد في قرية كيمار التابعة لناحية شيراوا نُحِت عليه طاووسان متقابلان ويتوسطهما رمز للشمس- الذي يدل على تواجد الزردشتية في جبل ليلون، أما مزار بارسه خاتون المتواجد في قرية قسطل جندو فقد تم تدميره بالكامل ودمرت قبة لالش بشكل كامل، وأقدم الاحتلال التركي على بناء مساجد في القرى الإيزيدية في مقاطعة عفرين.

المسيحيون

وقد قدِم المسيحيون إلى عفرين في العصر الروماني ما بين القرن الثاني والقرن الخامس ميلادي، وبنوا فيها معابد وثنية مثل كنيسة جوليانوس في قرية براد التابعة لناحية شيراوا وهي أقدم كنيسة في العالم تم بناءها في أواخر القرن الرابع والذي يتواجد فيها ضريح القديس مارمارون وكنيسة كلوتة وغيرها من الكنائس المنتشرة في المنطقة، كما تتواجد في القرية أديرة بيزنطية وحمام ودور سكنية ومعاصر ومدافن تعود كلها إلى العصر الروماني.

وبحسب مهتمين بشؤون الآثار، فقد اكتشف بجانب قرية علبيسكي في ناحية راجو وبعد التنقيب لمدة شهرين عن وجود كنيسة تعود إلى القرن الثاني الميلادي تواجدت على جدرانها لوحة فسيفسائية عليها صور للبط والحجل والطاووس وأشكال هندسية بالإضافة لوجود صور الغزلان والأحصنة، بالإضافة لوجود ثلاثة شواهد للقبور وثلاثة آبار على شكل جرار وتعود هذه الكنيسة التي تبلغ مساحتها 900م2 إلى الفترة الرومانية.

ويرى المهتم بشؤون الآثار محمد علو بأن المسيحيين تواجدوا بكثرة في سلسلة جبل ليلون، بدليل وجود كنيسة جوليانوس وضريح مارمارون في السلسلة.

وقد تعرضت كنيسة جوليانوس وضريح مارمارون للقصف والتدمير ونبش ضريح القديس مارمارون.

الإسلام..

بعد ظهور الإسلام في الشرق الأوسط، وفي فترة الخليفة الإسلامي عمر بن الخطاب دخل جيشٌ بقيادة خالد بن الوليد إلى سوريا بشكل كامل في عام 636م ومنها يبدأ تاريخ الإسلام في عفرين.

يوجد مزار إسلامي في مقبرة غربي قرية مشعله في ناحية شرا ويعتبر هذا المزار مقدساً للمسلمين إذ يربطون أشرطة قماشية بأغصان الأشجار القريبة من المزار بغية تحقيق أمنياتهم.

هذا المزار مقدس لدى المسلمين والإيزيدين الكرد ممن يربطون أشرطة قماشية بأغصان أشجار قريبة بغية تحقيق أمنياتهم، ولكن بعد احتلال مقاطعة عفرين من قبل الجيش التركي ومرتزقته قاموا بتخريب ذلك المزار وحرق الأشجار المتواجدة بقربه.

مزار شيخ زيد الإسلامي الذي يقع في مقبرة مدينة عفرين قام الاحتلال بتدميره وحرقه في 18 أيار المنصرم وقد قام بإزالة محتويات الضريح والعبث بها وتم حفر القبر الموجود بداخله ونبش ودنس جميع محتوياته.

ولم يسلم ضريح شيخ موس الإسلامي من النهب والتدمير ففي 16 حزيران المنصرم قام الاحتلال التركي ومرتزقته بالعبث به. يعود تاريخ تواجد الضريح إلى 1882م بالقرب من قرية كاوندا.

الاحتلال ومرتزقته دمروا أيضاً الجزء الشرقي ونصف قبة ضريح الشيخ محمد المتواجد في قرية مسكه التابعة لناحية جندريسه والذي يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، وكما قام الاحتلال ومرتزقته بنبش القبر.

جميع هذه الأفعال التي يقوم بها جيش الاحتلال التركي مع المرتزقة، إنما الهدف منها الحصول على الآثار أو الكنوز لبيعها والحصول على المال مقابل ذلك.

العرب..    

يقيم معظم المكون العربي في قرى "باسوطه وبابليت وكوكبه وتل حمو وكفير وفريرية ونسرية وديربلوط"، فيما كافة هذه القرى مختلطة ولا توجد أية قرية عربية كاملة، وبموجب إحصائيات في عام 1998، يبلغ عدد العوائل العربية في عفرين حوالي 1400 أسرة.

العرب في عفرين يتبعون لعشائر مثل "عميرات، عجيل، بوبطوش، بوبنا، بوعاصي".

ولكن بعد اندلاع الثورة السورية نزح العديد من سكان المحافظات والمدن والقرى العربية التي شهدت أحداثاً دامية، نحو عفرين، مما أدى إلى ارتفاع نسبة العرب المتواجدين في مركز مدينة عفرين إلى حوالي 15%.                                                                                 

نهب 16 ألف قطعة أثرية منذ بداية الأزمة السورية

أقدم الاحتلال التركي ومرتزقته وبالتعاون مع جنود ورجال أعمال أتراك وبإشراف المخابرات التركية بالتنقيب عن الآثار وتهريب ما لا يقل عن 16 ألف قطعة أثرية من سوريا وبشكل خاص من عفرين، وهي الآن مودعة في مديرية الآثار التركية، بحسب ما أدلى به المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا محمود محمد للوكالات العالمية.

مشيراً بأن كل المتاحف العالمية لديها مجموعة خاصة بالقطع الأثرية السورية حصلوا عليها عن طريق التنقيبات غير الشرعية أو عن طريق التهريب وتداولها   التجار خلال الحقب الماضية.

والجدير بالذكر بأن سوريا تتميز بوجود أكثر من 4500 موقع أثري اكتشف حتى نهاية القرن الماضي والتي تعرضت مجملها للدمار والنهب والسرقة منذ بداية الأزمة السورية.

تجاهل الاحتلال التركي لاتفاقية لاهاي لحماية الآثار الثقافية

تنص اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (14 مايو 1954) على ضرورة ضمان حماية الممتلكات الثقافية ومنها "الممتلكات المنقولة أو الثابتة ذات الأهمية الكبرى لتراث الشعوب الثقافي كالمباني المعمارية أو الفنية منها أو التاريخية، الديني منها أو الدنيوي، والأماكن الأثرية وغيرها.

وتضمنت الاتفاقية بنداً خاصاً عن حالة الاحتلال، وهو البند الخامس من الاتفاقية والذي ينطبق على حالة الاحتلال التركي لعفرين، وجاء فيه "على الأطراف التي تحتل كلاً أو جزءاً من أراضي أحد الأطراف الأخرى تعضيد جهود السلطات الوطنية المختصة في المناطق الواقعة تحت الاحتلال بقدر استطاعتها في سبيل وقاية ممتلكاتها الثقافية والمحافظة عليها".

ولكن ما تشهدته عفرين منذ شن جيش الاحتلال التركي ومرتزقته هجومهاً على المنطقة، من تدمير الآثار والمعالم، إضافة إلى نهب وسلب القطع الأثرية وسرقة الإرث الحضاري والتاريخي لعفرين، يهدف إلى محو الهوية الحضارية لها. ويخالف بشكل صريح بنود الاتفاقيات العالمية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية.

(ك)

ANHA