العرب؛ بين محاولة الاستغلال وتطبيع العلاقات مع إسرائيل

غزة / مصطفى الدحدوح

في هذا الملف سيتم تناول المواقف العربية من القضية الفلسطينية انطلاقاً من العلاقات المصرية ما قبل وما بعد عهد جمال عبد الناصر ووصولاً إلى استغلال حافظ الأسد للقضية الفلسطينية وطعنها في الظهر، وأخيراً طرد الفصائل الفلسطينية من الاردن والمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في لبنان.

عبد الناصر وقلة الاهتمام باستقلال فلسطين

اختلف موقع مصر من القضية الفلسطينية مع اختلاف القادة، فمنهم من خان الفلسطينيين ومنهم من كان يحلم بضم أرضهم إلى مصر وآخرون فضلوا السلام مع إسرائيل، ففي حرب الـ 48 التي اندلعت في فلسطين بين القوات العربية ممثلة بجيوش مصر، سوريا، الأردن، العراق، لبنان والسعودية، والقوات الإسرائيلية ممثلةً بالبلماح والارجون والهاجاناه والشتيرن والمتطوعون اليهود من خارج حدود الانتداب البريطاني على فلسطين، تعرض الفلسطينيون إلى الخيانة من الملك فاروق الذي حكم مصر في الفترة ما بين 1936 - 1952.

أحد الجنود الفلسطينيين المشاركين مع الجيش المصري في الحرب قال بأن القوات العراقية والمصرية كانت تسيطر على الأوضاع في بداية الحرب ولكنهم تعرضوا للخيانة من الملك فاروق الذي ورد لهم أسلحة كانت تنفجر بين أيديهم، مما قلب الطاولة رأساً على عقب وخرجت الجيوش العربية خاسرة في الحرب.

أما الرئيس المصري جمال عبد الناصر والذي تميز بالعنصرية وتولى دفة قيادة مصر عام 1956، فكان يرى في فلسطين جزءاً تابعاً له ويريد السيطرة عليها وإتباعها لحكمه، لذلك بدأ بالتأسيس لمنظمة التحرير الفلسطينية وأراد إخضاعها لحكمه، ولكن المنظمة بقيت مستقلة القرار ولم تخضع لأحد، كما احتضن عبد الناصر الفلسطينيين، وخلال هذه الفترة كان موقف الفلسطينيين أقوى من ذي قبل نتيجة الدعم الذي تلقوه من عبد الناصر، وبعد حرب الـ 1967، وافق جمال عبد ناصر على قرار مجلس الأمن رقم 242، وفسر الغالبية قرار الموافقة بتراجع اهتمامه بالاستقلال الفلسطيني.

وبعد أن جاء الرئيس المصري أنور السادات في الفترة ما بين 1970 - 1981، تغيرت السياسات المصرية تجاه فلسطين، ففي حرب عام 1973 وصل الجيش المصري إلى داخل الأراضي الفلسطينية ويقول المعمرون الفلسطينيون أنه كان بإمكان السادات إعادة الأراضي الفلسطينية التي كانت تسيطر عليها إسرائيل، ولكن السادات فضل التفاوض مع إسرائيل وإنهاء الحرب مقابل إعادة سيناء للسيادة المصرية في اتفاقية كامب ديفيد.

ولم تختلف سياسة حسني مبارك عن السادات، حيث استمر مبارك الذي تولى الحكم في الفترة ما بين 1981 – 2011، بتنفيذ بنود اتفاقية كامب ديفيد، وكوّن علاقات وتفاهمات بين مصر وإسرائيل، ولكنه في نفس الوقت كان مناصراً للقضية الفلسطينية وإن كان عبر الخطابات فقط.

وفي فترة حكم الإخوان المسلمين (محمد مرسي 2012- 2013) لم تتغير السياسيات المصرية، بل ظلت محافظة على علاقاتها مع إسرائيل مع خطاب إعلامي مناصر وداعم للفلسطينيين.

والآن في فترة حكم عبد الفتاح السيسي الذي تولى الحكم عام 2014، انتهج السيسي سياسة مبارك، وتدخل نظامه مؤخراً لتحقيق مصالحة بين حركتي فتح وحماس وذلك بهدف الحفاظ على الاستقرار على الحدود المصرية الفلسطينية.

سوريا ورغبة الأسد السيطرة على المقاومة الفلسطينية

خلال فترة حكم نور الدين الأتاسي لسوريا 1966 - 1970 والتي تزامنت مع فترة حكم جمال عبد الناصر لمصر، كان الأتاسي داعماً للقضية الفلسطينية بحكم أن شعوب بلاد الشام كانت قريبة جداً من بعضها وتعتبر نفسها شعباً واحداً، ولكن مع الانقلاب البعثي على الحكم بدأت مرحلة جديدة من التعامل مع الفلسطينيين، ففي حرب الـ 67 والتي كان حينها حافظ الأسد وزيراً للدفاع في سوريا، فاوضت سوريا إسرائيل من أجل استعادة هضبة الجولان ولم تفاوضها أبداً من أجل الفلسطينيين، ليس هذا فحسب بل أن حافظ الأسد أخبر ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بأنه عقبة لابد من إزالتها.

وبعد أن تولى حافظ الأسد حكم سوريا عبر انقلاب عسكري على رفاقه في حزب البعث العربي الاشتراكي من عام 1971 حتى وفاته عام 2000، أظهر نفسه الحامي للقضية الفلسطينية، ولكنه في حقيقة الأمر استغل المقاومة الفلسطينية لتحقيق مآربه في المنطقة.

ففي البداية استقبل الأسد النازحين من فلسطين ومنحهم تسهيلات ومواطنة من الدرجة الثانية وفتح لهم أبواب الوظائف في مؤسسات الدولة السورية وسهل لطلبتها الدراسة في الجامعات السورية، وكان هدفه من هذه التسهيلات كسب الفلسطينيين إلى جانبه، ولكنه سرعان ما حاول إحداث الشرخ في حركة فتح.

وفي أواخر أيام 1972 دبر النظام السوري، محاولة اغتيال لياسر عرفات وذلك بتحريض حسين الهيبي الذي كان على علاقة وثيقة بالمخابرات السورية، ولكن المحاولة فشلت بنجاة عرفات ومقتل مرافقه.

العديد من أفراد المقاومة الفلسطينية الذين كانوا يتواجدون في معسكرات بالأراضي اللبنانية أكدوا أن حافظ الأسد كان يتحكم في الأسلحة الموردة للمقاومة، وكانت غالبية الأسلحة المسموحة بالوصول إلى المقاومة خفيفة، لذلك عندما هاجمت إسرائيل عام 1982 منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، لم يكن بإمكان المنظمة الدفاع عن نفسها فتمت محاصرة ياسر عرفات مع حوالي 11 ألف عنصر غرب بيروت.

وعلى الرغم من أن حافظ الأسد كان يقول بأنه المدافع عن القضية الفلسطينية، إلا أنه لم يتدخل في منع الهجمات، ليس هذا فحسب بل لم يتدخل الجيش السوري الذي كان يتواجد في لبنان في إيقاف الهجمات الإسرائيلية، حتى قام الجيش الإسرائيلي بقصف عدة بطاريات جوية من نوع سام نصبها الجيش السوري في لبنان، وعندما دخل حافظ الأسد الحرب أيضاً لم يدخلها بكامل عتاده وقوته، بل أراد أن يتم تدمير منظمة التحرير.

وفي عام 1983 أراد النظام السوري القضاء على فتح، لذلك حرضت العديد من قيادات فتح بالانشقاق عن الحركة، حيث أطلق المنشقون بقيادة الضابط العقيد سعيد المراغي أبو موسى، على تنظيمهم اسم فتح الانتفاضة، قابله طرد النظام السوري لياسر عرفات من سوريا، ولكن مخطط النظام السوري فشل.

وظل حافظ الأسد يستخدم كلمة المقاومة من أجل إظهار نفسه كحامي للعرب والقضية العربية، وكذلك من أجل أن يفرض سلطته على الشعب السوري من جهة وخداعه بمواجهة إسرائيل وضرورة الاتحاد بوجه العدو الخارجي، وكذلك من أجل التحكم بمنظمة التحرير الفلسطينية من أجل توجيهها لتحقيق أهدافه في المنطقة.

وبعد أن تولى بشار الأسد دفة الحكم في سوريا عام 2000 ظلت سياسة النظام السوري ثابتة تجاه القضية الفلسطينية، والمتمثلة بخطابات خداعة وشعارات براقة غايتها خداع الشعب الفلسطيني من أجل كسبه إلى جانب النظام.

الأردن والسعي لضم الأراضي الفلسطينية وطرد المقاومة

بحسب العديد من المتابعين، فإن الاردن كانت تنظر دوماً إلى فلسطين كأرض تابعة لها ومن حقها السيطرة عليها، وهذا ما ظهر منذ فترة الانتداب البريطاني للمنطقة، عندما تعاقدت المملكة الأردنية الهاشمية مع بريطانيا وباعت فلسطين للإسرائيليين مقابل أن تحصل المملكة على الضفة الغربية، حيث سيطرت الأردن على الضفة الغربية مع حرب الـ 48 وظلت مسيطرة عليها حتى عام 1967.

وأكد مشاركون في حرب الـ 48، أن الملك عبد الله الأول ورغم علمه أن الجيوش العربية لا تمتلك السلاح لإمداد الجيش الاردني في اللد والرملة، إلا أنه طالبهم بالبقاء، وبالتالي ليستطيع الانسحاب منها دون قتال.

وفيما بعد حرب الـ 1967 أصبحت العاصمة الأرنية عمان مقراً لقيادة المقاومة الفلسطينية في ظل حكم الملك حسين بن طلال بن عبد الله، ولكن الأخير استنجد بأمريكا والسودان وباكستان للتخلص من الفلسطينيين، حيث توجهت قطعات من جيوش تلك الدول إلى الأردن عام 1970 وفي أيلول عام 1971 بدأت توجيه أولى الضربات للمقاومة الفلسطينية، حيث تمت محاصرة أماكن تواجد الفصائل الفلسطينية في عمان وضربها.

وفي النهاية أجبرت الفصائل الفلسطينية على مغادرة عمان والتوجه إلى لبنان عام 1971 بعد ما سمي بمعركة الحراش. ولم تختلف سياسة الملك عبد الله الثاني عن سياسة والده وجده في التعامل مع الفلسطينيين، إذ تربط الأردن علاقات وثيقة مع إسرائيل.

لبنان ومجازر بحق اللاجئين الفلسطينيين

بعد أن توجهت الفصائل الفلسطينية عام 1971 من الأردن إلى لبنان، استفادت الفصائل كثيراً من الجغرافية اللبنانية لبناء المعسكرات وتقوية صفوفها وتدريب أعضاءها، وبالتالي بات عدد أفراد الفصائل يقدر بالآلاف وأكثر تنظيماً حتى من الجيش اللبناني وهذا ما سبب الخوف لدى  الإسرائيليين وبعض اللبنانيين الذين خططوا لارتكاب مجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا.

ففي شهر أيلول من عام 1982 شنت مجموعات لبنانية ممثلة بحزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي بقيادة إيلي حبيقة والقوات الإسرائيلية هجوماً على مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، وارتكبت مجزرة راح ضحيتها حوالي 3500 شخص أعزل، وظل الجيش اللبناني صامتاً حيال المجزرة التي ارتكبت.

وبعد ذلك اجتمع أحد مؤسسي الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط مع القيادة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات وجورج حبش في الجنوب اللبناني، وطالبهم بترك لبنان، لتأتي بعد ذلك اتفاقية فليب حبيب عام 1982 كنتيجة لاجتماع جنبلاط وعرفات وحبش والتي نصت على انسحاب الفصائل الفلسطينية من بيروت شريطة المحافظة على عدم انهيارها.

الخليج العربي والقضية الفلسطينية

قبل حرب عام 1948 لم يكن هناك موقف خليجي من القضية الفلسطينية، ولكن في ذلك الوقت كانت هناك بداية ظهور النفط في الخليج خلال فترة حكم الملك سعود بن عبد العزيز، لذلك استغلت السعودية الشعب الفلسطيني كمصدر لليد العاملة لتدوير عجلة الاقتصاد السعودي.

ولأول مرة ظهر الدور الخليجي كان في حرب 1973 عندما استخدمت السعودية في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، النفط كسلاح في حسم المعركة، ومن ذلك الوقت برز الدور السعودي في المنطقة بشكل عام، ومنذ ذلك الوقت اقتصر الدعم السعودي على الدعم المالي للفلسطينيين كنوع من أنواع المساعدة.

وحاولت السعودية أن تضطلع بدور في الشأن الفلسطيني من خلال المبادرة العربية والتي أقرت في عام 2002 من قبل ملك عبد الله بن عبد العزيز، وتم تبني المبادرة في قمة بيروت لكن مع الوقت لم تعد المبادرة العربية تطرح بسبب تطبيع العديد من الدول العربية العلاقات مع إسرائيل.

والملفت للانتباه أن قطر كانت من بين أولى الدول الخليجية التي بدأت العلاقات مع إسرائيل وذلك بعد مؤتمر مدريد عام 1991، تبعها بعد ذلك زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلي شمعون بيريز إلى قطر عام 1996 وافتتاح المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة وإبرام عدة اتفاقات اقتصادية تهدف إلى بيع الغاز القطري لإسرائيل لتلي تلك الخطوة إنشاء بورصة الغاز القطرية في تل أبيب.

كما أن قطر نشرت خريطة دولة فلسطين بحدودها الجديدة التي رسمتها الاتفاقات الدولية والتي فُرضت على الشعب الفلسطيني خلال دورة الألعاب العربية عام 2011. كما دعمت قطر حركة حماس بالمال وهذا ما سبب ضعفاً للقضية الفلسطينية نتيجة استمرار تشرذم الحركة الفلسطينية وانقسامها.

وفي الوقت الحالي، تحاول شتى الدول العربية والإسلامية استغلال القضية الفلسطينية لتحقيق غايات ومصالح شخصية لبلادها، في حين يبقى الفلسطينيون وحدهم في الميدان.

(ح)

ANHA