العثمانيون أول من باعوا فلسطين

غزة / مصطفى الدحدوح

في الثاني من تشرين الثاني عام 1917 أرسل وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور رسالة إلى اللورد اليهودي ليونيل روتشيلد أشار فيه أن حكومته ستبذل غاية جهدها لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولكن الجميع يتحدث عن وعد بلفور في تقسيم فلسطين ويتناسون الخيانة التي تعرض لها الفلسطينيون على يد من كان يحكم فلسطين قبل هذا الوعد البريطاني، ألا وهي الخيانة العثمانية وحالياً التركية.

فالخيانة التركية للفلسطينيين ليست وليدة اليوم بل تمتد بجذورها إلى الاحتلال العثماني للمنطقة العربية جمعاء، عندما اتفقت السلطات العثمانية مع التجار اليهود في أعوام 1800 بشراء الأراضي في فلسطين تحت مسمى "الأراضي البور والمهجورة". وتعتبر هذه هي الخيانة الأولى من قبل المسلمين تجاه الفلسطينيين.

وفي هذا الملف سيتم التطرق إلى الخيانة العثمانية التي وضعت اللبنة الأولى للتواجد اليهودي في فلسطين ومنحه الحق في التواجد والحكم، وصولاً إلى عهد الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان وخيانته للفلسطينيين، مروراً بالعلاقات الاقتصادية والاعتراف بدولة إسرائيل منذ إعلانها.

الخلافة العثمانية تمهد الطريق لليهود في فلسطين

بدأت الخيانة التركية للشعب الفلسطيني منذ عام 1840، بعدما خضعت السلطات العثمانية التي كانت توصف في تلك الفترة بالرجل المريض، للقرارات البريطانية الهادفة إلى فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين وفتح أبواب التجارة واستملاك الأراضي بموافقة العثمانيين، لتبدأ بذلك المرحلة الأولى في تدفق اليهود إلى فلسطين.

وشهدت تلك المرحلة عمليات شراء الأراضي البور والمهجورة مقابل المال بموافقة العثمانيين، مما أتاح بتواجد نفوذ بريطاني إسرائيلي داخل فلسطين منذ حقبة عام 1841، لتبدأ مرحلة الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين على يد اليهودي موسى مونتفيوري ومرحلة تأسيس سلسلة بنوك في المنطقة لتصبح مورداً اقتصادياً يهدف لتقوية التواجد الإسرائيلي بالمنطقة العربية وبالأخص فلسطين. ولم يقف مونتفيوري عند هذا الحد بل قام بإنشاء "مستوطنات زراعية" في الجليل ويافا ضمن مفهوم الاستثمار التجاري بموافقة ومباركة عثمانية.

وحصل مونتفيوري على فرمان عثماني آنذاك يسمح له شراء الأراضي لإقامة أول حي إسرائيلي سكني يخضع للإدارة والإشراف الإسرائيلي والذي عرف بحي مونتفيوري في القدس عام 1854 مما جعله يحصل على امتيازات أجنبية في فلسطين لتشهد فلسطين ارتفاع عدد اليهود المتواجدين بداخلها ليصل عددهم بعد إنشاء الحي إلى 12 ألف جراء الهجرة من الدول الغربية.

الاتحاد والترقي يوجه الضربة القاضية للفلسطينيين

فترة حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني شكلت الضربة القاضية للشعب الفلسطيني لأنها شهدت وبوضوح فتح الباب أمام التدخلات الإسرائيلية في البلاد، وهنا يبرز دور زعيم "الحركة الصهيونية العالمية" تيودور هيرتزل ومحاولاته لإقناع السلطان عبد الحميد بالتنازل لليهود عن أرض فلسطين، وعلى الرغم من رفض عبد الحميد لهذا الطلب، إلا أنه فتح الباب على مصراعيه لهجرة اليهود إلى فلسطين.

وشهدت تلك الحقبة جملة من المتغيرات، حيث نشطت الهجرة المتدفقة إلى فلسطين، وتشكلت في أوروبا المنظمة الصهيونية العالمية والصندوق القومي اليهودي، واللذان ساهما لإكمال مشوار الهجرة إلى فلسطين جراء شراء الأراضي وإقامة مستوطنات، وعلى الرغم من دراية السلطان عبد الحميد بهذه السياسات إلا أنه لم يحرك ساكناً، بل كان عبد الحميد يرتكب المجازر بحق العرب الذين ثاروا ضد الاحتلال العثماني لبلادهم.

وزاد الوضع سوءاً بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد عام 1908، وإطاحتهم به واستيلائهم على مقاليد الحكم العثماني، حيث جعلت هذه الجمعية التي كان مؤسسوها من الماسونيين، الوجود اليهودي في فلسطين أمراً واقعاً عام 1910.

تركيا الحديثة والخيانة ...

وفي عام 1920 وقعت الدولة العثمانية على معاهدة "سيفر"، وتخلت عن فلسطين لصالح الانتداب البريطاني، وبناء على ذلك أعلنت بريطانيا الانتداب على فلسطين 1920، تمهيداً لتسليمها بشكل رسمي لليهود.

وخلال حقبة مصطفى كمال أتاتورك، انتهت الخلافة العثمانية وبات أتاتورك المتحكم الوحيد بقرارات الدولة، بعد أن وقع وزير خارجيته عصمت إينونو على اتفاقية لوزان عام 1922 التي منحت تركيا الحالية الاستقلال مقابل إلغاء الخلافة العثمانية، طرد الخليفة، ومصادرة أمواله وإعلان علمانية الدولة، وبذلك باتت فلسطين خاضعة للبريطانيين الذين طبقوا فيها مخططاتهم.

تركيا والحرص على العلاقات مع إسرائيل

الاحتلال العثماني سهل توجه اليهود إلى فلسطين وامتلاكهم للأراضي والجمعيات الزراعية وإنشاء الأحياء، وجاء الانتداب البريطاني ليرسخ هذا التواجد، إذ أن تركيا تعتبر من أولى الدول المسلمة التي اعترفت بإسرائيل وذلك عام 1949 أي بعد أقل من عام واحد من إعلان قيام اسرائيل عام 1948.

وتركيا كانت حريصة على عقد اتفاقات وتفاهمات مع إسرائيل بعد اعترافها بها، لتبدأ مرحلة الزيارات السرية خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون الذي زار أنقرة سراً عام 1958 ولقاءه الرئيس التركي آنذاك عدنان مندريس، حيث تم عقد اتفاق على القواعد الأساسية للعلاقة التي ستقام بين الجانبين، وكانت ثمرة تلك الاتفاقات هجرة قرابة 34 ألف يهودي تركي إلى فلسطين، وبذلك ظهر الموقف التركي الداعم للمشروع اليهودي في فلسطين.

وظلت العلاقات سرية بين تركيا وإسرائيل، نتيجة خشية تركيا من رد الفعل المصري والعراقي آنذاك، لكون هاتين الدولتين قوتين مؤثرتين في المنطقة ولهما ثقلهما في المنطقة العربية رغم خسارتهما في حرب الـ 48، ولكن بعد العدوان  الثلاثي على مصر عام 1956 وتحت ضغوط الشعب التركي، أجبرت السلطات التركية على سحب سفارتها من تل أبيب، وأصبح تمثيلها لدى إسرائيل بدرجة سكرتير ثاني.

وفي عام 1983 عادت العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل إلى ذروتها من جديد، إذ عملت تركيا على تقليص وتيرة تعاملها الاقتصادي مع الدول العربية وحولت أموالها واستثماراتها إلى إسرائيل، مما جعل الاقتصاد الإسرائيلي يعيش ذروته في الانتعاش.

وبعد هذه الفترة، ساد المد والجزر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة لتعود العلاقات إلى الذروة مجدداً بين الطرفين.

أردوغان يزور إسرائيل ويصافح شارون

الخيانة التركية للفلسطينيين لم تتوقف رغم الشعارات البراقة التي خدعت الفلسطينيين، إذ أعاد الرئيس التركي عبد الله غل أمجاد العلاقات التركية الإسرائيلية من جديد، ولكن ما فعله الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان، كانت خيانة غير مسبوقة نتيجة سياسته الخبيثة والمتاجرة بالأوطان لتحقيق مصالحه.

وزار أردوغان عام 2005 حينما كان رئيساً لوزراء تركيا، إسرائيل ووقف على قبر هيرتزل وكأنه يعتذر منه على عدم قبول السلطان العثماني عبدالحميد منح فلسطين للهيود، كما ترحم على ضحايا الهولوكوست وأضاء الشموع أمام النصب التذكاري لذكرى المحرقة، والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرئيل شارون ووضع يده في يده في وقت كانت فيه إسرائيل ترتكب المذابح في غزة والضفة الغربية، وتضاعف التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل في عهد أردوغان.

وضحّت تركيا بغزة، وبالمطالبات الدولية لفك الحصار عنها، وأبرمت بعد عدة جولات من المفاوضات في عدد من المدن الأوروبية، اتفاقاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2016، بعد سنوات من التوتر في أعقاب قتل الكوماندوس الإسرائيلي 10 نشطاء أتراك كانوا على متن السفينة مرمرة  التي كانت تسعى للوصول إلى قطاع غزة المحاصر في 2010، علماً أن العلاقات كانت مستمرة ولم تنقطع بل كانت تمر بمرحلة مد وجزر.

وفي اتفاقية التطبيع، وقعت تركيا على نص الاتفاقية الذي كتب في نهايته "القدس عاصمة إسرائيل وأنقرة عاصمة تركيا".

وفجرت تصريحات السفير التركي الجميع حول عدم ممانعة بلاده نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في مقابلة مع  i24NEWS، في كانون الثاني 2017، على نحو ما قال: "يمكننا فقط أن نأمل في أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، الذي كشف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، لن يضر باحتمالات السلام". وأضاف السفير التركي "الأمر متروك لهم لإجراء حساباتهم".

العلاقات العسكرية والخيانة بحق المقاومة الفلسطينية

وبدأت المباحثات العسكرية بين تركيا وإسرائيل عام 1955 وشهد عام 1958 أول الخطوات الفعلية جراء عقد تدريبات بين القوتين وقامت تركيا بشراء صفقة أسلحة إسرائيلية عام 1974، وبعدها عينت تركيا مستشاراً عسكرياً في إسرائيل بهدف توطيد العلاقات، وعمل الطرفان ضمن غرفة استخبارات موحدة لمراقبة الأوضاع القائمة في لبنان للقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية.

وكانت الهجمة المشتركة الأولى والخيانة بحق الشعب الفلسطيني عام 1982 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان، وتم التنسيق بين الطرفين على تحديد مواقع المقاومين في منظمة التحرير الفلسطينية والقوات الكردية والأرمنية المساندة لمنظمة التحرير.

وشهد عام 1996 الضربة القاضية بحق المقاومة الفلسطينية، جراء زيارة الرئيس التركي آنذاك سليمان ديميريل إلى إسرائيل والتي أعلن خلالها عن نتائج اجتماع نائب رئيس الأركان التركي تشيفك بير مع القادة العسكريين في إسرائيل لإتمام اتفاق تم بين الطرفين.

ومن بين بنود الاتفاق، تقدم إسرائيل لتركيا صوراً للأقمار الصناعية التجسسية عن مواقع الكرد في كل من سوريا والعراق وتركيا، وبالمقابل تقدم القوات التركية معلومات عن المقاومة الفلسطينية بهدف ضرب الجانبين.

ووقعت تركيا العديد من الاتفاقيات مع إسرائيل، من بينها اتفاقيات للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وأخرى للتجارة الحرة. وفي عام 1998، أجرت قوات من البحرية التركية والإسرائيلية والأميركية مناورات مشتركة في البحر المتوسط، وتتولى إسرائيل الآن مهمة تحديث الدبابات والطائرات التركية.

غداً: العرب؛ بين محاولة الاستغلال وتطبيع العلاقات مع إسرائيل

(ح)

ANHA