العراق نموذج دامي من عذاب عثماني طويل 

يحيى الحبيب/مركز الأخبار

ما أن وطأت أقدام العثمانيين أرضاً حتى بحثوا عن الحيل من أجل تبرير مجازرهم بحق شعوب المنطقة حيث انتهجوا استهداف الأقليات والطوائف الأخرى فكان في العراق استهداف الشيعة.

العثمانيون وحروبهم القذرة... أكثر من أربعين ألف ضحية

وبلغت جرائم الدولة العثمانية التي ارتكبت  بحق الشيعة أوجها عندما أعلن سليم الأول الحرب الطائفية على الشيعة في العراق بعد أن استصدر فتوى بكفرهم وجواز قتلهم، فقتل منهم أكثر من أربعين ألفا سوى من أودعهم في غياهب السجون.

وسار على تلك السياسة من جاء بعده من الولاة العثمانيين وخاصة والي بغداد عمر باشا الذي سلبهم قوتهم وضيّق عليهم معيشتهم, كما كانت لهم يد في الهجوم البربري الوحشي للوهابيين على مدينة كربلاء عام (1882م) والتي وصفت بأنها (تقشعر منها الأبدان وتشمئز منها النفوس) لهمجيتها وبشاعتها حيث دلت الحقائق على تسهيل دخول الوهابيين إلى المدينة والذي جرى في عهدهم وإعطائهم الضوء الأخضر بقتل من فيها وهدم القبر الشريف وحرقه.

ومن أبشع جرائم العثمانيين التي ارتكبوها ضد الشيعة هي حادثة نجيب باشا في كربلاء عام (1258هـ/1842م) حينما انتفضت هذه المدينة على السياسة العثمانية الجائرة المستبدة فحاصرها نجيب باشا الذي عرف بحبه لسفك الدماء لإخضاعها فقصفها بالمدافع وقطع النخيل وأغار المياه حتى استطاع دخولها بجيشه فاستباحها قتلاً ونهباً وتدميراً حتى اصطبغت أرضها بالدماء.

وبعد انتهاء حكم المماليك عينت الحكومة العثمانية علي رضا باشا ــــ اللازـــــ والياً على بغداد فحكم من (1247ـــــ1258ه/1831ــــ1842م), وقد ضاعف هذا الوالي الضرائب التي كانت تُجبى من أهالي كربلاء إلى ضعفين، كما هاجموها عدة مرات ولكن الأهالي دافعوا عنها.

ولخص المؤرخ الكبير عبد الرزاق الحسني تلك الحوادث عن مخطوطة مجهولة المؤلف في مكتبته سمّاها بـ (نزهة الإخوان في وقعة بلد القتيل العطشان) وأرخ بدايتها في 15/رمضان/1241ه وهذه الحوادث هي:

1ـــ حادثة القنطرة: وكان يحمل لواء الجند فيها رجل يدعى (درويش) وقد قتل في هذه الوقعة ثمانية عشر جندياً مع أربعة أفراس لهم وقتل من جانب أهالي كربلاء أربعة رجال.

2ــــ حادثة المشمش: وسميت بهذا الاسم لأن الجنود العثمانيين دخلوا بساتين المدينة وشرعوا في نهب المشمش منها في وقت خرج الأهالي لجمعه فاقتتل الطرفان في أرض الجويبة وتغلب الكربلائيون على خصومهم أيضاً.

3ــــ حادثة الهيابي: وهي أشد هذه الحوادث واستمر القتال لساعات طويلة ووقعت فيها خسائر جسيمة من الطرفين فقد جُوبهت الحملة العثمانية على المدينة بصمود وبسالة مما أدى إلى جرح قائدها وهذا ما جعل داود باشا يرسل إلى أمير إسطبله سليمان ماخور لقهر الكربلائيين, وكان هذا القائد خبيراً بفنون القتال وقاد معارك كثيرة بنجاح, فقاد قوة كبيرة مزودة بالمدافع والقنابل قدرت بألف وخمسمائة جندي فلما وصلت هذه القوة إلى أطراف كربلاء عسكرت في الحر على مسافة خمسة كيلو مترات, فقطعت الماء عن المدينة, ولما شرعت في مهاجمتها تصدى لها الكربلائيون وقاتلوها قتالاً عنيفاً وسقط الكثير من القتلى من الطرفين ويقال أن جثث القتلى غطت أرض الحر والهيابي والوادي.

4ــــ حادثة الأطواب أو حادثة (باخية): وهي امرأة كانت تشد من عزم الثوار, وتراوح عدد القنابل التي قذفتها مدفعية الجيش العثماني بين الأربعين والستين قنبلة ولكنها لم تؤد إلى نتيجة.

5ــــ حادثة الخيمـﮕاه: وقد سميت بذلك لأن قائد الجيش اتخذ من موضع المخيم مقراً لخيله ومعظم جنده, ووزع بقية أفراد قوته على مختلف المواضع, ولما قامت قواته بهجماتها على الشعب, قاتلها هؤلاء بشجاعة وفقد منهم أربعة قتلى بعد أن كبدوا القوات العثمانية خسائر فادحة.

6ـــ حادثة البردية: وفيها هاجم الأهالي الحامية العثمانية واستولوا على عدد من خيول الجند وبنادقه ومدافعه.

7ــ حادثة الأمان: وسميت بذلك لأن قائد الجند لما ضاق ذرعاً بالكربلائيين وحروبهم لجأ إلى الحيلة, فأعلن الأمان باسم الوالي داود باشا, وعفا الله عما سلف فاطمأن الناس لهذه النتيجة ولكنه فاجأ المدينة في الليل بوابل من القنابل, فعاد الأهالي إلى التجمع والدفاع عن المدينة وتمكنوا من دحر الجيش رغم تفوقه عدة وعدداً.

كربلاء والعنجهية العثمانية التي أدمت قلوب أهلها

دفعت هذه الحوادث العثمانيين لزيادة تعسفهم وطغيانهم, ففرضوا على مدينة كربلاء تموين الحامية العسكرية الحكومية في المسيب القريبة منها بالأرزاق, وذلك عام (1258ه ـــــ 1842م) وهي السنة التي حل محمد نجيب باشا محل علي رضا باشا على حكم العراق والذي جرت في عهده حادثة المناخور, فرفض الأهالي تموين الحامية لتعلن المدينة رفضها للسياسة العثمانية وخروجها من حكومتها.

وكان نجيب باشا من المقربين إلى السلطان, وكان شديد القسوة في إجراءاته, ولما علم أن كل الحملات التي ساقها من سبقه لم تخضع المدينة للسياسة العثمانية الجائرة, قرر في السنة الثانية من حكمه أي في عام (1843م) إخضاع المدينة بالقوة.

وكان أول تحرك عسكري لإخماد الثورة بقيادة سعد الله باشا في (21/11/1842م), لكن هذا الهجوم لم يسفر عن شئ مما جعل نجيب باشا يقود الهجوم بنفسه وطلب من الثوار تسليم أسلحتهم وإنهاء الثورة, فعزموا على فتح أبواب المدينة في اليوم الثاني, لكن بعض خصوم الرشتي حرضوا الثوار على عدم الإذعان.

وفي اليوم الثاني هاجمت القوات العثمانية المدينة وهدموا الأسوار، ويقول (محمد زرندي في كتابه مطالع الأنوار (واستبيحت المدينة قتلاً ونهباً وهرب الناس إلى قبري الأمام الحسين وأخيه العباس, وهرب آخرون إلى منزل الرشتي الذي جعله نجيب باشا مأمناً لمن لاذ به والتجأ إليه, وازداد عدد اللاجئين إليه فاضطر الرشتي إلى إضافة المنازل المجاورة لمنزله ليضم عدداً أكبر من اللاجئين, وازدادت الجموع التي هرعت إلى منزله حتى أنه بعد هدوء الحالة وجدوا عشرين شخصاً توفوا من شدة الزحام).

وضربت هذه القوة حصاراً واسعاً على المدينة المزدحمة بالزوار, وأحاطت بسورها المحكم, وضيقت على السكان حتى اضطروا لشرب مياه الآبار المجة, واللجوء إلى التقتير والتقنين في توزيع الأرزاق.

واستمر الحصار ثلاثاً وعشرين يوماً ولما شعر الناس بوطأة الحصار اجتمع الرؤساء والزعماء وتداولوا الوضع رغم الانقسامات العقائدية فيما بينهم, واستقر الرأي على عرض طاعة المدينة واستسلام الثوار, لكن قائد الحملة رفض قبول الاستسلام إلّا بشروط رفضها أهل كربلاء.

وبعد مقاومة شرسة من الأهالي سيطرت القوات العثمانية على الوضع فتراجع الثوار, واحتمى عدد كبير منهم بصحني الإمام الحسين وأخيه العباس, فشرعت القوات الحكومية بالنهب والسلب والتخريب واستباح الجند كربلاء مدة تتراوح بين ثلاث وخمس ساعات أهدرت فيها الكثير من دماء الأبرياء من الشيوخ والأطفال ولم ينج من القتل سوى من احتمى بصحن الإمام الحسين ودار السيد كاظم الرشتي والدور التي ضمها لتكون مأمناً.

ودخل نجيب باشا المدينة من باب بغداد وفي اليوم الثاني عاد الوالي مرة ثانية وأمر مناديه بالأمان, وسأل عن السيد وهاب الكليدار فأخبروه أنه هرب فعزله ونصب مكانه الحاج مهدي كمونة, ثم استخرج ورقة من جيبه فيها أسماء المطلوبين للحكومة العثمانية وطلب البحث عنهم وتسليمهم.

وقد اختلفت الروايات في عدد القتلى من أهالي كربلاء, وما فقد من أموال ومجوهرات أثناء استباحة المدينة, فقال السيد حسين البراقي في كتابه الدر المنثور أنهم (24 ألف قتيل ما بين رجل وامرأة وطفل ومنهم سحقا بالأرجل).

سفر بلك نموذج لعذاب عثماني طويل

وككل الدول العربية، عانى العراق من ما تسمى انتهاكات سفر برلك العثمانية والتي قال عنها أدونيس في كتابه غبار المدن بؤس التاريخ "بدءاً من الخلافة العثمانية وحتى اليوم مات أسلاف لنا جميعاً، غصباً عنهم مجندين مقيدين، في حروب ليست حروبهم، دفاعاً عن قضايا ليست قضاياهم.. وليس سفر برلك نموذجها الوحيد"، فهو يربط هذا العذاب الطويل بالحكم التركي العثماني للمنطقة ونماذج العذاب التي خلفها.

ويتحدث الأديب العراقي الشهير عبود الشالجي (1326- 1416هـ) في كتابه "الكنايات العامية البغدادية" فيقول: "سفر برلك كناية بغدادية عن أيام الضيم والهلاك، والكلمة تركية، سفر برلك، أي النفير العام، ويريد البغداديون بهذه الكناية النفير العام الذي أعلنته الحكومة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إذ حشد العثمانيون الآلاف من الجنود العراقيين، وهم من خيرة شباب العراق، وسيروهم إلى جبهة القفقاس، حيث هلكوا جوعاً وبرداً، ولم يعد منهم سوى نفر يعدون على الأصابع"، ثم يشير أن سفر برلك جعلت في كل بيت عراقي مناحة وحزناً".

فيما يقول الشاعر العراقي الدكتور محمد مردان في قصيدة له:

ولدي علي

عندما يتردد اسمك اللذيذ في مسامعي

أتذكر جدي الذي

ذهب إلى سفر برلك

ولم يعد

تضطرب البراكين في أعماقي

عندها أنظر إلى صورة أبي

وأجهش بالبكاء.

احتلال العراق عبر القواعد العسكرية

وتحتل تركيا الآن أجزاء من الأراضي العراقية وذلك عبر إقامة قواعد عسكرية، إذ يجري الحديث عن وجود 14 قاعدة عسكرية تركية و4 قواعد استخباراتية تركية في المناطق التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم جنوب كردستان، كما احتلت تركيا مؤخراً بعشيقة في محافظة الموصل وأنشأت قاعدة عسكرية فيها، وذلك بالتزامن مع احتلال داعش للمنطقة، إذ لعبت القاعدة العسكرية دوراً كبيراً في إمداد داعش بالمعلومات أثناء هجماتها على المدن العراقية.

(ح)

ANHA