استباحة نجد وتطهير واضطهاد في المدينة المنورة

مركز  الأخبار

على الرغم من أن السعودية تعرف ببلاد الحرمين الشريفين لتواجد قبلة المسلمين (مكة المكرمة) فيها، إلى جانب المسجد النبوي الذي يضم قبر النبي محمد (ص)، إلا أنها لم تسلم من أفعال السلطنة العثمانية التي استخدمت الدين ستارة لفرض سلطتها على المنطقة.

فمنذ قدوم العثمانيين من آسيا الوسطى، استخدموا العنف ضد سكان المنطقة لاحتلالها واستخدموا الدين الإسلامي شماعة لتحقيق هذه الغاية، ويحاول الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان استعادة أمجاده العثمانية، ويفتخر بأفعالها مستفيداً من المعلومات المغلوطة عن هذه السلطنة التي احتلت المنطقة 400 عام وارتكبت فيها أبشع المجازر ولم تسلم منها حتى بلاد الحرمين الشريفين.

استباحة نجد 1818:

خلال فترة الاحتلال العثماني لبلاد الحرمين الشريفين، أصدر محمد علي باشا أمراً بالهجوم على الدولة السعودية الأولى في كانون الأول/ديسمبر عام 1807م، تلبية من السلطان العثماني مصطفى الرابع، إلا أن الصراع الداخلي المصري منعه من الاهتمام الكامل لبسط نفوذه على شبه الجزيرة العربية.

والدولة السعودية الأولى أو كما تعرف بـ "إمارة الدرعية" هي دولة تأسست وسط الجزيرة العربية عام 1744، أسسها محمد بن سعود آل مقرن أمير الدرعية والذي اتخذها عاصمة لدولته، استمرت الدولة السعودية الأولى في التوسع حتى سقوطها  عام 1818 على يد الجيش العثماني بقيادة إبراهيم باشا.

ومنذ عام 1807 استمرت الحرب العثمانية على السعودية، ولكن العثمانيون لم يستطيعوا دخول المنطقة، لذا أعلن العثمانيون عن إعطاء المكافأة والهدايا لأحد القبائل في منطقة نجد مقابل إعطاء المعلومات عن الوصول للعاصمة السعودية الدرعية، ووصل الجيش العثماني إلى العاصمة الدرعية في شهر أيلول/سبتمبر 1818م، واستسلم الأمير عبدالله الكبير، لقائد الجيش العثماني إبراهيم باشا، وذلك عن طريق الصلح، وتم أخذه إلى إسطنبول لتنفيذ حكم الإعدام.

ويشير مركز المزماة للدراسات والبحوث -وهو مركز إماراتي- إلى أن السلطان العثماني كلف قوات محمد علي باشا والي مصر بالقضاء على الدولة السعودية الأولى، حيث تقدّمت قوات إبراهيم باشا –وهو نجل محمد علي باشا وقاد الحملة الثالثة على الدرعية- وسيطرت على معظم نجد لمدة 9 أشهر، ارتكبت خلالها جرائم بشعة في حق الأمراء والعلماء وقادة المجتمع وعامة الناس، ثم عاد إلى مصر مدمِّراً ما في طريقه كل ما قابله من قلاع وحصون، ناهباً المواشي والممتلكات ومخرِّباً للحقول.

وترك محمد علي باشا في الدرعية أحد قادته والذي يدعى حسين بك، الذي أخرج أهلها إلى مدينة ثرمدا وحصرهم جميعاً في غرفة واسعة، ثم طلب من جميع أهل الدرعية الحضور ليكتب لهم خطابات للعيش في أي جهة يرغبون فحضروا إليه من كان منهم في تلك الحجرة ومن كان هارباً، فلما اجتمعوا لديه قتلهم جميعاً وأشعل فيهم النيران.

وتقدرهم الإحصائيات بأن عدد الذين تم قتلهم في هذا اليوم 230 رجلاً. كما تم نهب أموالهم ومتاعهم ومواشيهم وقسماً من أبنائهم، وفرض ضرائب باهظة على من تبقى، وأتلف مزارعهم. فيما تمّ إرسال الأمير عبد الله بن سعود إلى القاهرة ومنه للأستانة، ومعه كبار معاونيه مكبّلين، حيث تم إعدامهم.

ووصفت السفارة الروسية بالأستانة، الحادث كما يلي: “في الأسبوع الماضي قطعت رؤوس زعيم الوهابيين ووزيره وإمامه الذين أسروا في الدرعية ونقلوا إلى العاصمة مؤخراً. وبغية إضفاء المزيد من الفخفخة على الانتصار، أمر السلطان في هذا اليوم بعقد المجلس في القصر القديم في العاصمة. وأحضروا إلى القصر، الأسرى الثلاثة مقيدين بسلاسل ثقيلة ومحاطين بجمهور من المتفرجين، وبعد المراسيم أمر السلطان بإعدامهم. قطعت رقبة الزعيم أمام البوابة الرئيسة للقديسة صوفيا، وقطعت رقبة الوزير أمام مدخل السراي، وقطعت رقبة الثالث في أحد الأسواق الرئيسة في العاصمة”.

كما ارتكبت قوات إبراهيم باشا – بأمر السلطان العثماني وباسمه - جملة انتهاكات واسعة في المدن والبلدات النجدية، من عمليات سلب وتخريب، وقطع آذان الموتى وإرسالها للأستانة. إلى جانب عمليات تعذيب الأمراء والفقهاء، بعدة وسائل منها: ربط بعضهم في فوهات بالمدافع وإطلاق قذائفها، ورمي الجثث للكلاب.

اضطهاد وتهجير أهل المدينة المنورة (سفر برلك) 1917:

ولكن يبقى الأسوأ ما عاناه الشعب السعودي وخصوصاً من أهالي المدينة المنورة، على يد العثمانيين أيام السفر برلك، إذ بدأت أحداث السفر برلك عام 1913 عند استعداد العثمانيين للدخول في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وفيه أصدر السلطان العثماني محمد رشاد فرماناً يدعو فيه الرجال الذين بلغت أعمارهم بين (15 - 45) سنة للالتحاق بالخدمة العسكرية الاجبارية للدفاع عن العثمانيين، وحينها بدأت الويلات على كافة البلاد العربية وعلى المسلمين والمسيحيين من غير العثمانيين.

وفي كتابه "غبار المدن بؤس التاريخ" يقول أدونيس: "بدءاً من الخلافة العثمانية وحتى اليوم مات أسلاف لنا جميعاً، غصباً عنهم مجندين مقيدين، في حروب ليست حروبهم، دفاعاً عن قضايا ليست قضاياهم.. وليس سفر برلك نموذجها الوحيد"، في إشارة إلى ما قاساه العرب من هذا الفرمان العثماني.

وخلال السفر برلك قام الوالي العثماني فخري باشا، بإلحاق المدينة المنورة بالدولة العثمانية وتهجير أهلها، ثم تتريكها، ويقال إنه لم يبقى في المدينة إلا 140 رجلاً وعدة نساء. كما عاث العثمانيون فساداً في المدينة المنورة، إذ سلبوا كلّ مدخرات الحجرة النبوية، ناقبين الحائط المدار حول القبر طلباً للجواهر والنقود من هدايا الخلفاء العباسيين وأمراء المسلمين، إضافة إلى صعودهم فوق القبة الخضراء لسرقة الهلال المذهب.

ونهب العثمانيون الآلاف من مقتنيات الحجرة النبوية الشريفة الثمينة، من بينها جوهرة الكوكب الدري والبردة النبوية ومصحف عثمان بن عفان، ومحتويات مكتبة عارف حكمت والمحمودية من مخطوطات نادرة، موجودة جميعها حالياً في متحف “توب قابي” في إسطنبول.

ودون الكثير من الشيوخ ما مارسه العثمانيون بحق السعوديين وخصوصاً في المدينة المنورة، إذ كتب الشيخ محمد الطيب الساسي في صحيفة القبلة بتاريخ 1917، عن تنكيل الجنود خلال حكم فخري باشا ويقول إن "الأتراك الطورانيين الظالمين صاروا ينكلون بكل بدوي يأتي بشيء من أسباب المعيشة فيسلبونه ما بيده ويحبسونه ويقتلونه”.

كما مدّ العثمانيون خط سكة الحديد (خط الحجاز) الذي كان يتوقف عند باب العنبرية إلى وسط المدينة المنورة، وبالتحديد إلى مقربة من باب السلام، وخلال مد السكة، هدم العثمانيون شارع العينية والأسواق والأسوار والبيوت على من فيها، وكان الهدف من ذلك تحويل الحرم النبوي إلى قلعة عسكرية ومخزن للسلاح دون مراعاة لحرمة “الحرم النبوي” الشريف.

ويؤكد المدون أنه أدت ممارسات وانتهاكات فخري باشا إلى تفشي المجاعة فيمن تبقى من النساء والأطفال، حتى بلغ الأمر بالأسر لأكل حشائش الأرض والبرسيم وبقايا الحيوانات، ويقولون "قامت قوات فخري باشا، بجريمة تطهير عرقي ضمن ما عرف بالترحيل الجماعي (سفر برلك) لمن تبقى من أهل المدينة، من خلال اجتثاثهم وإجبارهم على المغادرة عبر قطار الحجاز، وتشتيت العائلات في كل مدينة يقف فيها القطار، حتى تمّ تشتيت أهلها في الأردن والعراق وفلسطين وسورية وتركيا وصولاً إلى بلغاريا وألبانيا وعدة مناطق أخرى في البلقان".

وفي كتابه "ذكريات العهود الثلاثة" يتحدث المؤرخ والأديب محمد حسين زيدان (1907- 1991م)، وهو من أهل المدينة المنورة، ومعاصر لجريمة الترحيل الجماعي لأهل المدينة التي قام بها العثمانيون، عن تلك الفترة ويقول إنه تم تفريق  العوائل وإرسالها إلى شتى المناطق الخاضعة للاحتلال العثماني، كما تحدث عن الجوع الذي أصاب أهل المدينة رغم أن المستودعات كانت مليئة بالتمر والغذاء.

كما يتحدث المؤرخ عن كره العثمانيين للعرب، ويصف فخري باشا بأنه أكثر كرهاً للعرب من جمال باشا السفاح (في دمشق)، إذ يقول "إن فخري باشا كان أشد ضيقاً بكل عربي داخل المدينة من جمال باشا كما هو في الشام".

هذا وتحدث أدباء وشعراء ومؤرخون مدنيون معاصرون لحادثة سفر برلك مثل الأديب الشهير ضياء عزيز (1914- 1996م) الذي هَجَّره هو وعائلته فخري باشا من المدينة، تحدث في كتابه "حياتي مع الجوع والحب والحرب" عن هذه المأساة كشاهد عيان على البؤس والمعاناة التي عاناها أهل المدينة النبوية بسبب الحكم التركي.

كما يروي المؤلف أحمد أمين صالح مرشد في الجزء الخامس من كتاب "طيبة وذكريات الأحبة" جريمة ترحيل أهل المدينة وسفر برلك. روايات عديدة لا تحصى عن نهب خيرات المدينة المنورة وأرزاق أهلها، وتجويعهم وظلمهم قبل ترحيلهم ونفيهم.

ويشير المؤلف إلى أن المجاعة بلغت بأهل المدينة المنورة وما جاورها أن أكل بعضهم القطط، رغم أن المستودعات كانت مليئة بالخيرات، ولكنها كانت خاصة بالجيش العثماني، ولا يسمح لأهل المدينة أن يذوقوا منها تمرة واحدة أو حبة قمح.

كما يتحدث الدكتور سعيد بن وليد طولة في كتاب "سفر برلك وجلاء أهل المدينة المنورة إبان الحرب العالمية الأولى 1334- 1337هـ"، الذي صدر عام 2016 عن مأساة تهجير الأتراك العثمانيين وقائدهم فخري باشا لأهل المدينة المنورة وترحيلهم من بلادهم قسراً.

ويقول الدكتور طولة واصفاً حجم المأساة: "التحولات التي صاحبت هذه الحادثة جعلتنا نعدها أعظم المآسي التي مرت بها المدينة المنورة في القرون المتأخرة ... لم تكن حادثة سفر برلك منعطفاً سياسياً فحسب، بل كانت مأساة نُقشت في أذهان المدنيين وطبعت في نفوسهم، حتى صارت حديث المجالس بينهم، وجعلوها عنصراً أساسياً تعزى إليه الأسباب، وحدثاً يؤرخون به أحوالهم، ومأساة يرويها الرجال والنساء في قصة سينمائية عجيبة، ليحكوا لأولادهم قصص الثكالى واليتامى والأُسَر التي تبددت بالرحيل والجوع والوباء والموت".

أردوغان يسعى لتولي الزعامة السنية ويتهجم على السعودية

إن الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، يتغنى دوماً بأمجاد السلطنة العثمانية ويحاول استعادة أمجادها، لكنه يتناسى ما فعلته السلطنة العثمانية بشعوب المنطقة من ارتكاب للمجازر وتهجير قسري وتغيير الديموغرافية ونهب لثروات المنطقة ونقلها إلى اسطنبول.

ويسعى أردوغان من خلال شعاراته الرنانة وحديثه عن المسلمين، سحب البساط من تحت أقدام المملكة العربية السعودية، كي يتولى زعامة العالم الإسلامي السني لفرض نفسه سلطاناً في المنطقة، ولذلك استخدم أردوغان مؤخراً حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بتاريخ 2 تشرين الأول/أكتوبر 2018 في قنصلية بلاده في اسطنبول، للدعاية الشخصية وسعى للنيل من السعودية ومكانتها في الشرق الأوسط.

وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أن أردوغان وظف حادثة مقتل خاشقجي، للنيل من مكانة ولي العهد السعودي، والثاني محاولة التقرّب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقديم بلاده كحليف لأمريكا في الشرق الأوسط بدلاً من الرياض.

وللتأكيد على سعيه لتقويض دور السعودية في المنطقة، يتحالف رجب طيب أردوغان مع قطر، ويهاجم باستمرار الدول المقاطعة لها (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) وهذه الدول تقف عائقاً أمام أردوغان في بسط سيطرته على المنطقة، كما أن أردوغان يدعم إيران في المنطقة ولا يلتزم بالعقوبات المفروضة عليها في محاولة منه لتقويض الدور السعودي الحالي.

(ح)

ANHA