فلسطين تدفع ثمن الخيانة العثمانية وأردوغان يخدع الفلسطينيين

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

تعتبر البوادي الواقعة بين جبال آلطاي شرقاً وبحر قزوين في الغرب بآسيا الوسطى، الموطن الأصلي للأتراك التي نزحت منها عشيرة "قايي"، إلى المراعي الواقعة شماليّ غربي أرمينيا قرب مدينة خلاط، عندما استولى المغول بقيادة جنكيز خان على خراسان. وتركت هذه العشيرة منطقة خلاط حوالي سنة 1229م تحت ضغط الأحداث العسكرية التي شهدتها المنطقة، بفعل الحروب التي أثارها السلطان جلال الدين الخوارزمي وهبطت إلى حوض نهر دجلة. ومن ثم بدأت باحتلال المنطقة واستخدمت الدين الإسلامي كشماعة للتوسع، ولكنها ارتكبت العديد من المجازر بحق شعوب المنطقة كما شاركت في  العديد من الاتفاقات التي ما تزال شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تدفع ثمنها حتى يومنا الراهن.

البداية من فلسطين التي تعتبر القضية الأولى لدى العرب ويستغلها رجب طيب أردوغان حالياً للدعاية الشخصية لنفسه بين المسلمين وكي يظهر أنهم أي العثمانيون والأتراك هم من يسعون لحرية الشعب الفلسطيني.

فالتواجد الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية لم يكن مجرد صدفة وقعت بل كان مخططاً مدروساً منذ القدم شاركت فيه بريطانيا وسهلت الدولة  العثمانية المريضة تنفيذه عبر السماح لليهود بشراء الأراضي على أنها أراض بور. إذ بدأ هذا المخطط منذ بداية أعوام 1800 حتى إعلان قيام إسرائيل عام 1948 بعد إعلان انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين نهاية عام 1947.

واستهل اليهود البريطانيون عصر الاستيطان اليهودي بفلسطين على يد الثري اليهودي موسى مونتفيوري عام 1835، إذ كان تعدادهم كان حوالي 1500 شخص وفي سنة 1840 أرسل رئيس الوزراء البريطاني بالمرستون إلى سفيره في الأستانة يطالبه بأن ينشط في متابعة طلبه من السلطان العثماني بدعوة اليهود للذهاب إلى فلسطين، وهذا ما حدث، إذ ارتفع عدد السكان اليهود من 1500 شخص إلى 10 آلاف. وما إن انتهى الانتداب البريطاني حتى أصبح عددهم 605 آلاف يهودي.

وشهدت هذه المرحلة من توافد اليهود إلى فسلطين عمليات شراء الأراضي البور والمهجورة مقابل المال بموافقة العثمانيين، تلاها مرحلة تأسيس سلسلة بنوك في المنطقة لتصبح مورداً اقتصادياً يهدف لتعزيز التواجد الإسرائيلي بالمنطقة العربية وبالأخص فلسطين. ولم يقف موسى مونتفيوري عند هذا الحد بل قام بإنشاء "مستوطنات زراعية" في الجليل ويافا ضمن مفهوم الاستثمار التجاري بموافقة ومباركة عثمانية.

وحصل مونتفيوري على فرمان عثماني آنذاك يسمح له شراء الأراضي لإقامة أول حي إسرائيلي سكني يخضع للإدارة والإشراف الإسرائيلي والذي عرف بحي مونتفيوري في القدس عام 1854 مما جعله يحصل على امتيازات أجنبية في فلسطين لتشهد فلسطين ارتفاع عدد اليهود المتواجدين بداخلها ليصل عددهم بعد إنشاء الحي إلى 12 ألف جراء الهجرة من الدول الغربية.

فلسطين في عهد الاتحاد والترقي التركي

فترة حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني شكلت الضربة القاضية للشعب الفلسطيني لأنها شهدت وبوضوح فتح الباب أمام التدخلات الإسرائيلية في البلاد، وهنا يبرز دور زعيم "الحركة الصهيونية العالمية" تيودور هيرتزل ومحاولاته لإقناع السلطان عبد الحميد بالتنازل لليهود عن أرض فلسطين، وعلى الرغم من رفض عبد الحميد لهذا الطلب، إلا أنه فتح الباب على مصراعيه لهجرة اليهود إلى فلسطين.

وشهدت تلك الحقبة جملة من المتغيرات، حيث نشطت الهجرة المتدفقة إلى فلسطين، وتشكلت في أوروبا المنظمة الصهيونية العالمية والصندوق القومي اليهودي، واللذان ساهما لإكمال مشوار الهجرة إلى فلسطين جراء شراء الأراضي وإقامة مستوطنات، وعلى الرغم من دراية السلطان عبد الحميد بهذه السياسات إلا أنه لم يحرك ساكناً، بل كان عبد الحميد يرتكب المجازر بحق العرب الذين ثاروا ضد الاحتلال العثماني لبلادهم.

وزاد الوضع سوءاً بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد عام 1908، وإطاحتهم به واستيلائهم على مقاليد الحكم العثماني، حيث جعلت هذه الجمعية التي كان مؤسسوها من الماسونيين، الوجود اليهودي في فلسطين أمراً واقعاً عام 1910.

وفي عام 1920 وقعت الدولة العثمانية على معاهدة "سيفر"، وتخلت عن فلسطين لصالح الانتداب البريطاني، وبناء على ذلك أعلنت بريطانيا الانتداب على فلسطين 1920، تمهيداً لتسليمها بشكل رسمي لليهود.

وخلال حقبة مصطفى كمال اتاتورك، انتهت الخلافة العثمانية وبات اتاتورك المتحكم الوحيد بقرارات الدولة، بعد أن وقع وزير خارجيته عصمت إينونو على اتفاقية لوزان عام 1922 التي منحت تركيا الحالية الاستقلال مقابل إلغاء الخلافة العثمانية، طرد الخليفة، ومصادرة أمواله وإعلان علمانية الدولة، وبذلك باتت فلسطين خاضعة للبريطانيين الذين طبقوا فيها مخططاتهم.

فلسطين وسفر برلك

يذكر الكاتب زهير عبدالمجيد الفاهوم في كتابه "فلسطين ضحية وجلادون" شيئاً من الجرائم التركية العثمانية بحق فلسطين والشعب الفلسطيني، ويعقد فصلاً بعنوان سفر برلك، يورد فيه طرفاً من المآسي التي عاناها الفلسطينيون وغيرهم بسبب القوات التركية التي تأخذ أرزاق وطعام الفلسطينيين غصباً عنهم فيقول: "ولا شك أن أخطر ما واجه سكان المنطقة من ويلات كان الواجب المفروض عليهم بإعالة القوات التركية المرابطة في المنطقة في الوقت الذي كانوا هم في أمس الحاجة إلى من يعيلهم ويكفيهم قوت يومهم. وزاد الوضع تردياً أن تلك القوات كانت هزيلة التموين ضئيلة الإمداد خاصة المواد الغذائية، وقد زاد من انهيار الأوضاع أن تلك القوات كانت تفتقر إلى الانضباط والطاعة. وكانت باكورة المصائب تعيين أحمد جمال باشا قائداً عسكرياً وحاكماً عاماً للمنطقة بعد أن منحته الحكومة سلطات غير محدودة، فقام بإعلان الأحكام العرفية العسكرية والعمل بموجب أنظمة طوارئ".

ويروي هارون هاشم رشيد في كتابه "إبحار بلا شطآن" كيف أجبرت السلطات العثمانية والده وعائلتهم وغيرهم من الفلسطينيين على مغادرة مدينة غزة أثناء السفر برلك.

تركيا أول دولة مسلمة تعترف بقيام إسرائيل

وبعد إعلان قيام إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، كانت تركيا من بين أولى الدول المسلمة التي اعترفت بإسرائيل وذلك عام 1949 أي بعد أقل من عام واحد من إعلان قيام اسرائيل.

وتركيا كانت حريصة على عقد اتفاقات وتفاهمات مع إسرائيل بعد اعترافها بها، لتبدأ مرحلة الزيارات السرية خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون الذي زار أنقرة سراً عام 1958 ولقاءه الرئيس التركي آنذاك عدنان مندريس، حيث تم عقد اتفاق على القواعد الأساسية للعلاقة التي ستقام بين الجانبين، وكانت ثمرة تلك الاتفاقات هجرة قرابة 34 ألف يهودي تركي إلى فلسطين، وفتح سفارة تركيا في تل أبيب وبذلك ظهر الموقف التركي الداعم للمشروع اليهودي في فلسطين.

وبعد العدوان  الثلاثي على مصر عام 1956 وتحت ضغوط الشعب التركي، أجبرت السلطات التركية على سحب سفارتها من تل أبيب، وأصبح تمثيلها لدى إسرائيل بدرجة سكرتير ثاني. وفي عام 1983 عادت العلاقات الدبلوماسية إلى ذروتها من جديد، إذ عملت تركيا على تقليص وتيرة تعاملها الاقتصادي مع الدول العربية وحولت أموالها واستثماراتها إلى إسرائيل، مما جعل الاقتصاد الإسرائيلي يعيش ذروته في الانتعاش. وبعد هذه الفترة، ساد المد والجزر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة عام 2002 لتعود العلاقات إلى الذروة مجدداً بين الطرفين.

أردوغان يصافح شارون مرتكب المذابح بحق الفلسطينيين

وما فعله الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان، كانت خيانة غير مسبوقة نتيجة سياسته الخبيثة والمتاجرة بالأوطان لتحقيق مصالحه. حيث زار أردوغان إسرائيل حينما كان رئيساً للوزراء، في الأول من أيام عام 2005، على رأس وفد كبير من الوزراء وكبار الموظفين ورجال الأعمال، ، والتقى مع الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف، ووزير الخارجية سيلفان شالوم ورئيس مجلس الوزراء أرييل شارون.

وفور وصوله، توجه أردوغان إلى مقر الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف في أراضي القدس التي تسيطر عليها إسرائيل، وزار نصب “ياد فاشيم” المشيد لتكريم ذكرى ضحايا محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية. وعندما التقى أردوغان بارييل شارون في القدس رحب به شارون وقال “مرحبا بك في القدس مدينتنا المقدسة عاصمة إسرائيل”، ولكن أردوغان كان يبتسم لشارون ولم يبدي أية ردة فعل في تأكيد على موافقته على حديث شارون.

ليس هذا وحسب بل ضحى أردوغان بغزة، وبالمطالبات الدولية لفك الحصار عنها، بعد حادثة سفينة مرمرة، وأبرمت حكومته بعد عدة جولات من المفاوضات في عدد من المدن الأوروبية، اتفاقاً لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عام 2016، بعد سنوات من التوتر في أعقاب قتل الكوماندوس الإسرائيلي 10 نشطاء أتراك كانوا على متن السفينة مرمرة  التي كانت تسعى للوصول إلى قطاع غزة المحاصر في 2010.

وفي اتفاقية التطبيع، وقعت تركيا على نص الاتفاقية الذي كتب في نهايته "القدس عاصمة إسرائيل وأنقرة عاصمة تركيا".

وفجرت تصريحات السفير التركي الجميع حول عدم ممانعة بلاده نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في مقابلة مع  i24NEWS، في كانون الثاني 2017، على نحو ما قال: "يمكننا فقط أن نأمل في أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، الذي كشف الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، لن يضر باحتمالات السلام". وأضاف السفير التركي "الأمر متروك لهم لإجراء حساباتهم".

علاقات اقتصادية وعسكرية قوية

وبدأت المباحثات العسكرية بين تركيا وإسرائيل عام 1955 وشهد عام 1958 أول الخطوات الفعلية جراء عقد تدريبات بين القوتين وقامت تركيا بشراء صفقة أسلحة إسرائيلية عام 1974، وكانت الهجمة المشتركة الأولى والخيانة بحق الشعب الفلسطيني عام 1982 عندما اجتاحت إسرائيل لبنان، وتم التنسيق بين الطرفين على تحديد مواقع المقاومين في منظمة التحرير الفلسطينية والقوات الكردية والأرمنية المساندة لمنظمة التحرير.

وشهد عام 1996 الضربة القاضية بحق المقاومة الفلسطينية، جراء زيارة الرئيس التركي آنذاك سليمان ديميريل إلى إسرائيل والتي أعلن خلالها عن نتائج اجتماع نائب رئيس الأركان التركي تشيفك بير مع القادة العسكريين في إسرائيل لإتمام اتفاق تم بين الطرفين.

ومن بين بنود الاتفاق، تقدم إسرائيل لتركيا صوراً للأقمار الصناعية التجسسية عن مواقع الكرد في كل من سوريا والعراق وتركيا، وبالمقابل تقدم القوات التركية معلومات عن المقاومة الفلسطينية بهدف ضرب الجانبين.

ووقعت تركيا العديد من الاتفاقيات مع إسرائيل، من بينها اتفاقيات للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وأخرى للتجارة الحرة. وفي عام 1998، أجرت قوات من البحرية التركية والإسرائيلية والأميركية مناورات مشتركة في البحر المتوسط، وتتولى إسرائيل الآن مهمة تحديث الدبابات والطائرات التركية.

أردوغان يسعى عبر الخطابات لكسب مشاعر الفلسطينيين

ومنذ بداية الدخول إلى الساحة السياسية في تركيا، عمل أردوغان على محاولة كسب مشاعر الأتراك والمسلمين بشعارته المتناقضة مع أفعاله, عمل جاهداً كما وصفه أحد السياسيين على "أن يملأ الدنيا ويشغل الناس ففي كل عرس له قرص" يهوى الخطابة ويطوع الكلمات وتَجيش عنده العواطف.

فأردوغان الذي قال “نحمل مشاعر جيش صلاح الدين الأيوبي وهو يتقدم نحو القدس” كي يلعب وكعادته على أوجاع الفلسطينيين، استغل القضية الفلسطينية كشعارات وتهويل في الإعلام على الرغم من ازدهار العلاقات التركية – الإسرائيلية الاقتصادية منها خصوصاً بالرغم من ما تروجه الحكومة التركية.

وفي الفترة التي كانت تقول تركيا إنها قطعت علاقاتها مع إسرائيل كان ميزان التبادل التجاري بين البلدين يشهد ارتفاعاً غير مسبوق، حيث كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية كيف كان أردوغان يصعد هجومه الإعلامي على إسرائيل عقب أحداث سفينة مرمرة، فيما كان ابن أردوغان أحمد براق أردوغان (الابن البكر لأردوغان) صاحب شركة MB للنقل البحري يفاوض ويعقد صفقات متتالية مع “تل أبيب”، لم تنقطع حتى في عز ما سمي “أزمة العلاقات التركية – الإسرائيلية” وفي هذا السياق، كشفت الصحيفة النقاب عن مواصلة نجل أردوغان عقد الصفقات التجارية مع إسرائيل خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.

استخدم أردوغان القضية الفلسطينية للتغطية على تدخلاته في الدول العربية ويرى مراقبون بأن أردوغان صاحب شعارات كاذبة واستغل أزمة القدس ليعبر من خلالها عن غضبه من الرئيس الأميركي وأن أردوغان يعتبر إسرائيل الممر الرئيسي للأموال والأسواق العالمية، فيما تعتبر إسرائيل تركيا مفتاحاً وموقعاً استراتيجياً للسيطرة على الشرق الأوسط.

ويبقى الملفت للانتباه أن شركات البناء التي تعمل على بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية منذ تسعينيات القرن الماضي هي شركات تركية، مثل شركة "يلمز لار" التركية المختصة في البناء التي تم تمديد رخصتها في إسرائيل سنة 2002 بموجب اتفاق بين السلطات الإسرائيلية ونظيرتها التركية.

(ح)

ANHA