قالها مراراً وتكراراً أنه حفيد العثمانيين لترويج مشاريعه على شعوب المنطقة، رغم أن صيت أسلافه وأجداده مليء بالإجرام والقتل والتنكيل بهذه الشعوب منذ القدم.

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

لا يفوت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أي مناسبة وفرصة حتى يعلن أنه «حفيد العثمانيين»، حيث يحاول أن يعيد أمجاد هذه الدولة التي ولت منذ زمن، فلا يكتفي بتوارث الحكم في تركيا، ولكنه لا يترك فرصة إلا ويتدخل في شؤون البلاد العربية، وبالطبع في قلبها مصر.

ويبدو من الضروري أن نذكر خليفة العثمانيين والمتباكين على زوال هذه الدولة بحقيقة أسلافهم وأجدادهم وما ارتكبوه بحق شعوب المنطقة من نهب وقتل وتنكيل والبداية كانت في مصر.

حيل كاذبة لغزو مصر.. حماية الإسلام وإنقاذ الأهالي عنواناً

على ما يبدو بأن الكذب العميق ووضع الحيل المكشوفة بدون خجل هو صفة متوارثة لدى خليفة العثمانيين أردوغان، فمنذ نحو أكثر من 500 عام كان المماليك يحكمون مصر، في وقت نُقل الخليفة المتوكل "الخليفة العباسي" عنوة إلى اسطنبول ليتنازل عنها لسليم الأول.

حيث غزا العثمانيون بقيادة سليم، مصر، بمبررات الدفاع عن الدين الإسلامي وحماية الشريعة، ممن سموه ظلم المماليك.

واستند العثمانيون على رسالة أرسلها "شيوخ وقضاة الشام" تطلب إنقاذهم من ظلم المماليك وتعطيل الشريعة، حسب ما يقول المدافعون عن هذه الخلافة.

ومن المبررات أيضاً التي يسوقها المدافعون عن هذه الدولة أن "قنصوة الغورى" سلطان المماليك تعاون مع الدولة الصفوية "الشيعية" التي كانت في حرب مع العثمانيين، وأن السلطان التركي سليم لم تكن لديه أي مخططات لدخول القاهرة «لولا أنه أراد تأمين ظهر الدولة العثمانية»، وكانت موقعة مرج دابق التي قتل فيها قنصوه، وهنا جاء اليوم السيئ الذى دخل فيه العثمانيون لمصر.

وكان المؤرخ المصري محمد بن إياس الحنفي أفضل من دون مرحلة الانتهاكات العثمانية بحق المصريين، حيث يقول ابن إياس "في الثاني عشر من ذي الحجة 922هـ، وصلت إلى القاهرة أنباء اجتياز العثمانيين حدود مصر مع غزة وبلوغهم العريش، فابتدأ طومان باي بحفر الخنادق حول القاهرة وإقامة التحصينات ونصب المدافع، وقام بنقل السوق إلى بقعة آمنة ليشتري الجند المؤن استعدادًا لمواجهة الغزاة. كما أعلن التعبئة سواء من بين أولاد البلد من العوام، أو المماليك السلطانية الذين عانى السلطان من تقاعسهم عن المرابطة حول التحصينات".

ولم يكن شهر محرم لعام 923 هجرية الموافق كانون الثاني/يناير 1517 شهرًا عاديًا مر كغيره من الأشهر على أيام مصر، ولكنه كان يوم نكبة وحسرة، وحسب ما يقول المؤرخ المصري محمد ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور، «أنه لم يقاس أهل مصر شدة مثل هذه» ووصل الأمر لوصفه أنه وقع فيها مثل ما وقع من جند هولاكو في بغداد، وفى موضع آخر من الكتاب أنه «وقع في القاهرة المصيبة العظمى التي لم يسمع بمثلها فيما تقدم»، ولا «من حين فتح عمرو بن العاص مصر لم يقع لأهلها شدة أعظم من هذه الشدة قط» هكذا يصف المؤرخ يوم دخول الأتراك العثمانيين أو ما يصفهم بـ «العثمانية» إلى مصر بقيادة سليم خان.

ويسرد المؤرخ المصري "هكذا كانت النية مبيتة لاقتحام القاهرة وقتل المصريين ونهب خير البلاد، وسرقة منجزها الحضاري، وليس نصرة الدين كما كان يدعى الأتراك، فمن ينصر الدين لا يحرق ويخرب المساجد، وإنما كان الغرض هو هدم الدين ذاته، وإنهاء دولة الخلافة الإسلامية في القاهرة، حيث نقل الخليفة العباسي المتوكل جبراً إلى اسطنبول وأجبر عن التنازل عن الخلافة لسليم.

ويظهر قصر فهم الدين لدى الأتراك وتحريفهم له بما يناسبه أهوائهم في مواضع كثير من الكتاب نورد منها: «أن أحد القضاة لم يجز لأحد العثمانية الزواج من امرأة لم تنقض عدتها، فاشتكاه فأحضر ذلك القاضي ولم يقبل له عذرا وبطح وضرب ضرباً مبرحاً، ثم كشف رأسه وألبسه عليها كرشا من كروش البقر بروثه وأركبه على حمار مقلوب وأشهره في القاهرة، وكان قبل ذلك نادى السلطان في القاهرة بأن أحداً من قضاة مصر لا يعقد عقداً لعثماني».

ويروى المؤرخ المصري آيات وقصص الظلم الذي وقع وأصاب المصريين من العثمانيين في مواضع عدة من كتابه، حيث وصل الأمر إلى سقوط 10 آلاف من عوام المصريين قتلى في يوم واحد، وحسب وصف ابن إياس لهذا اليوم المشئوم «فالعثمانية طفشت في العوام والغلمان والزعر ولعبوا فيهم بالسيف وراح الصالح بالطالح، وربما عوقب من لا جنى، فصارت جثثهم مرمية على الطرقات من باب زويلة.. ولولا لطف الله لكان لعب السيف في أهل مصر قاطبة».

ووصل حد الاضطهاد والاستعباد والاستهزاء بعوام المصريين، من جانب العسكر الأتراك، أنهم كانوا «يخطفون عنهم العمايم ويعرون الناس في الشوارع» حسب رواية ابن إياس، رغم أن سليم خان «كان ينادى كل يوم بالأمان والاطمئنان في القاهرة والنهب والقتال عمال من جماعته» ونقل ابن ياس عن شاعر قوله:

ما كنت أحسب أن يمتد بي زمنى .:. حتى أرى دولة الأوغاد والسفل

ويروى المؤرخ المصري رواية أخرى للاستعباد الذى كان يقوم به الأتراك للمصريين، فحسب ما ورد في بدائع الزهور: «في يوم اضطربت أحوال القاهرة، وصارت أرباب الأدراك (الدرك) تقف على أبواب المدينة ويمسكون الناس من رئيس ووضيع ويضعونهم في الحبال حتى من يلوح لهم من القضاة والشهود، وما يعلم ما يصنع بهم، فلما طلعوا بهم إلى القلعة أسفرت تلك الوقعة على أنهم جمعوا الناس حتى يسحبوا المكاحل النحاس الكبار التي كانت بالقلعة، وينزلوا بها إلى شاطئ البحر.. وقاسى الناس في سحبها غاية المشقة وحصل لهم بهدلة من الضرب والسك وخطف العمائم.. وصاروا يربطون الرجال بالحبال في رقابهم ويسوقونهم بالضرب الشديد على ظهورهم».

ونقل سليم الأول، أمهر الأعمال وأرباب الحرف في مصر إلى اسطنبول ما سبب الخراب وتوقف الصناعات التي اشتهرت بها مصر، حتى انقرضت 50 حرفة، يقول ابن إياس أن العثمانيين "ما رحلوا عن الديار المصرية إلا والناس في غاية البلية وفى مدة إقامة ابن عثمان في القاهرة حصل لأهلها الضرر الشامل".

وارتكب العثمانيون جرائم بحق الإسلام وصلت لاقتحام الأزهر الشريف ومسجد ابن طولون وجامع الحاكم، وإحراق جامع شيخو، كما أنهم خربوا ضريح السيدة نفيسة وداسوا على قبرها. كما قام العثمانيون بأعمال نهب وسلب وتخريب، ووصلت الحال بهم لفرض غرامات على الزواج والطلاق، فامتنع الزواج والطلاق في تلك الأيام.

أحفاد العثمانيين على نهج أجدادهم

ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا وأولى خطاباته كانت تخاطب الدول العربية محاولاً دس السم في العسل من خلال العزف على وتر مطالب الشعوب بالحرية ولمصر كان النصيب الأكبر.

فعندما بدأت الثورة بمصر في 25 كانون الثاني/يناير 2011، استغل الأخوان المسلمون هذه الاحتجاجات للسيطرة على البلاد وبعد تنحي الرئيس المصري محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 شباط/فبراير 2011، والتحضير لإجراء انتخابات مدنية، قررت جماعة الإخوان المسلمين وجناحها السياسي المتمثل بحزب الحرية والعدالة، ترشيح محمد مرسي في الانتخابات.

وفي يوم الأحد 24 حزيران/يونيو 2012 أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية المصرية محمد مرسي فائزاً في الجولة الثانية من الانتخابات بنسبة 51٫7 % وبعد ساعات من فوزه أُعلن عن استقالة مرسي من رئاسة حزب الحرية والعدالة ومن عضوية مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين. وما لبث أن زاد تدخل أردوغان في الشؤون المصرية عبر الأخوان المسلمين.

ومن أهم الجوانب التي تسعى تركيا للاستفادة منها هو الجانب الاقتصادي حيث سعت تركيا لجعل مصر بديلاً عن سوريا وممراً لبضائعها في المنطقة فوقع الطرفان مذكرة تفاهم لعبور البضائع التركية إلى الخليج العربي عبر الموانئ المصرية عرفت باتفاق "رورو" والتي دخلت حيز التنفيذ في نيسان 2012. وبعد وصول محمد مرسي إلى دفة الحكم في مصر، زادت الزيارات بين الطرفين وزاد التبادل الاقتصادي حتى باتت مصر مستعمرة تركية يتم فيها تطبيق الفكر الأخواني.

ولكن هذا الوضع دفع الشعب المصري للانتفاض بوجهه محمد مرسي فتدخل الجيش وعزل مرسي في 3 تموز/يوليو 2013 وتم إلقاء القبض عليه مع قيادات من الأخوان.

مشاريع أردوغان في مصر تعرضت لضربة قوية بسقوط الأخوان المسلمين، لأن الأخوان لم يقدموا أي حل لأية قضية اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، وسعوا للسيطرة على مفاصل الدولة وفي إعطاء مرسي لنفسه دوراً أكبر في سلطاته أكثر من مبارك نفسه، وهو ما عمّق الثورة الشعبية قبل التحرك ضده؛ وقد لعب محمد السيسي والجيش دوراً دقيقاً واستطاعوا القيام بتحرك عسكري مستفيدين من أجواء الغضب ضد الأخوان.

وكعادتهم أحفاد العثمانيين وعلى نهج أسلافهم لا يتركون فرصة حتى بعد هزيمتهم إلا واستهدفوا الأهالي فبعد إسقاط حكم الأخوان المسلمين، انتشرت العمليات الإرهابية في مصر، إذ استهدف الإرهابيون شعوب مصر وخصوصاً الأقباط منهم، ونشطوا في سيناء ما دفع السلطات للقيام بعملية أمنية ضدهم، وأظهرت العديد من التقارير ضلوع الأخوان وبدعم تركي في هذه الأنشطة الإرهابية.

(ح)

ANHA