مركز الأخبار

عمدت مرتزقة داعش إبان احتلالها لمدينة الرقة على تهميش دور المرأة وفرض قوانين لا تمت بصلة إلى أي دستور أو شريعة، حيث جعلوا من المرأة أداة لتلبية متطلباتهم الجنسية إلى جانب سحقها في كافة المجالات الحياتية، علاوة على فرض ما سماهم بنكاح الجهاد لتحطيم إرادة المرأة وتسليعها في أسواق النخاسة باسم الشريعة، كما أن المئات من النساء في مدينة الرقة قتلن بالقص أو الرجم أمام مرأى الأهالي بشتى أنواع الذرائع وأهمها عدم الانصياع لرغبات المرتزقة.

ونتيجة للممارسات اللا أخلاقية التي مورست بحق النساء في مدينة الرقة وبعد تحرير المدينة في العشرين من تشرين الأول لعام 2017من قبل قوات سوريا الديمقراطية وبقيادة وحدات حماية المرأة، خطت المرأة في الرقة خطوات كبيرة في العديد من الميادين، وفي هذا الملف سنوضح كيف تمكنت المرأة من تنظيم نفسها ومضاعفة جهودها في التصدي للذهنية الذكورية التي حاصرتها إلى النخاع لتتمكن من إدارة نفسها بنفسها.

المرأة قبل وفي ظل احتلال داعش

النظام الدولتي الذكوري الذي طال في حكمه في سوريا عقوداً طويلة قلص دور المرأة وعلى وجه الخصوص نساء مدينة الرقة، وزادت هذه المعاناة بعد احتلال مرتزقة داعش المدينة في كانون الثاني 2014وفرض السوداء على النساء، حيث كانوا يعتبرون النساء عورة على حد تعبيرهم، ومنعوا الرقاويات من الخروج إلا برفقة أب أو أخ أو زوج، كما أن المرتزقة عمدوا إلى فرض النقاب والعباءة بحجة الشريعة في وقت انعدامهم من أبسط شرائع الإسلام المعروف بالسلام والمساواة مابين كافة الأجناس والأعراق.

مرتزقة داعش التي احتلت مدينة الرقة لـ4 أعوام فرضت على النساء التعسف والهمجية من قتل وغصب، ولإدراكهم بمدى أهمية دور المرأة في المجتمع استهدفوها أولاً وذلك لاسقاط المجتمع بأكمله ، كما عمد المرتزقة على بيع النساء في أسواق النخاسة وخصصوا دوار النعيم الذي سموه الأهالي بدوار الجحيم مكاناً لبيع المختطفات أكثر من مرة ولأكثر من شخص، كما  كانت المرأة "حسب مقايسسهم طبعاً" تهدى لما يسمون أنفسهم بالأمراء أو القياديين في صفوف المرتزقة أيضاً.

بعد التحرير.. المرأة في الرقة تتنفس الصعداء وتزيل السواد

حملة غضب الفرات التي بدأت في 6 حزيران 2017استمرت على عدة مراحل والتي انطلقت للانتقام للنساء الإيزيديات اللواتي اختطفن من قبل مرتزقة داعش، تكللت بتحرير مدينة الرقة بعد أن لعبت وحدات حماية المرأة دوراً قيادياً في الحملة وقدمت تضحيات جسام في سبيل تحرير نساء مدينة الرقة من الظلم الممارس بحقهم من قبل مرتزقة داعش.

نساء مدينة الرقة وبعد تحرير مدينتهم انفجرن غضباً في وجه السواد بعد أربعة أعوام من فصول ظلام متتالية، وباشرن بتنظيم أنفسهن للانضمام إلى كافة مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

إدارة المرأة في الرقة المظلة الأساسية لكافة نساء الرقة

قبيل تحرير مدينة الرقة تأسس مجلس الرقة المدني، والذي يعتبر المظلة الأساسية لكافة الكومينات والمجالس في المدينة، حيث أن التنسيق بين الكومينات والمجالس الخاصة بالمرأة ومجلس الرقة المدني كان يتم عن طريق لجنة المرأة في مجلس الرقة المدني، وبعد ذلك ونظراً لإقبال النساء المكثف تم تأسيس مجلس المرأة في الرقة ليتحول مؤخراً إلى إدارة المرأة في الرقة والذي يعتبر حالياً المظلة الأساسية لكافة النساء في الرقة.

إدارة المرأة في الرقة خطت خطوات جدية ونوعية حيث عملت على تشكيل اللجان الأساسية داخل الإدارة وهي لجنة الصلح، التدريب، الاقتصاد، حيث تشرف كل لجنة بدورها على اللجان ضمن الكومينات والمجالس الخاصة بالمرأة في مدينة الرقة وريفها.

وتشرف إدارة المرأة في الرقة على نشاطات كافة النساء في مدينة الرقة وفي كافة المجالات الاجتماعية كانت أو السياسية والعسكرية حيث تتواجد في كافة المؤسسات في المدينة لجنة للمرأة  ويتم التنسيق بينهم وبين إدارة المرأة في الرقة.

حل 1150 قضية للمرأة خلال عام

وباشرت إدارة المرأة في الرقة على تشكيل المجالس والدور الخاصة بالمرأة حيث يبلغ عدد مجالس المرأة في الرقة  12 مجلساً بالإضافة إلى 3 دور للمرأة، حيث يتم التنسيق بين هذه المجالس ودور المرأة وإدارة المرأة في الرقة.

كما أن هذه المجالس والدور تتشكل من لجان عديدة مثل الاقتصاد والصلح والتعليم وتتخصص كل لجنة بالإشراف على نشاطاتها.

الرقاويات ونتيجة للظلم الذي مورس بحقهم في الأعوام السابقة رأوا في مجالس ودور المرأة حاضنة أساسية لهن، حيث يلجأن إلى هذه المجالس لحل قضاياهن ومشاكلهن المستعصية، إذ تمكنت هذه المجالس من حل 1150 قضية خاصة بالنساء في أقل من عام دون الالتجاء إلى المحاكم.

وبحسب المسؤولة على كافة دور ومجالس المرأة في الرقة نسيبة العليوي فإن العوائق التي تواجه عملهن هي كل ما ينجم عن الذهنية السلطوية والرجعية التي فرضها المرتزقة على الأهالي، وأكدت أنهن يتخلصن من هذه العوائق عن طريق توعية وتدريب الأهالي على الحياة الندية والتعايش المشترك.

أول أكاديمية للمرأة في الرقة

مرتزقة داعش خلال فترة احتلالهم أغلقوا أبواب المدارس والمكتبات ليحولوها إلى مراكز للترهيب والتخلف الذهني لابعاد أبناء المجتمع وخاصة النساء عن التعليم لسيطرة نفوذهم بأشد أنواع التعذيب البدني والنفسي، لذا باشرت إدارة المرأة في افتتاح أول أكاديمية للمرأة في الرقة في شهر شباط من العام الجاري حيث لاقت هذه الأكاديمية إقبال كثيفاً من قبل النساء للتدريب والتعلم.

حيث أنهت هذه الأكاديمية 5 دورات، وضمت كل دورة من 40 إلى 45 متدربة، واستمرت كل دورة لمدة شهر، حيث تلقت المتدربات دورساً تعليمية مكثفة وخاصة عن تاريخ المرأة والحياة الندية المشتركة.

وتهدف الأكاديمية إلى توعية النساء والتحرر من الذهنية التي فرضت عليهن من قبل الأنظمة الذكورية التي حكمت الأهالي وتُعرف المرأة بدورها الريادي في كافة مجالات الحياة.

ولمساعدة الأم العاملة والتي ترغب في التدريب تعمل الأكاديمية حالياً على افتتاح روضة للأطفال ورعايتهم لحين انتهاء أمهاتهم من التدريب.

لجنة الاقتصاد من أهم اللجان لتحقيق الاكتفاء الذاتي

منذ نشأة البشرية كانت المرأة وهي أول من اكتشف الزراعة ومن ثم الصناعة وحققت الاكتفاء الذاتي للمجتمع، وبعد تحكم الأنظمة السلطوية بالمجتمعات عمدت على تهميش دور المرأة وفضلت الرجل على المرأة في الصناعة والزراعة والاقتصاد، لكن إدارة المرأة في الرقة أثبتت العكس وتمكنت من تفعيل العديد من المشاريع الاقتصادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي للنساء والاعتماد على أنفسهن، حيث شكلت إدارة المرأة في الرقة لجنة الاقتصاد مع تأسيس الإدارة، والتي تهدف إلى تفعيل دور المرأة العاملة في المجتمع ودعمها مادياً ومعنوياً في المجال الاقتصادي وتحقيق مبدأ الاكتفاء الذاتي للنساء.

وعملت هذه اللجنة على تفعيل مشاريع للنساء مثل مشروع النسيج في حي الرميلة و ورشة الخياطة في حي المشلب والتي تدرب النساء على الخياطة والتفصيل لتتمكن النساء من افتتاح مشاريع خاصة بهن في المدينة.

كما تعمل اللجنة على العديد من المشاريع الأخرى مثل مشروع بيت المونة وافتتاح دورات لتعليم النساء على التمريض والإسعافات الأولية.

المرأة هي الريادية في مجلس الرقة المدني

مع تأسيس مجلس الرقة المدني قبيل تحرير المدينة والذي يعتبر المظلة الأساسية لكافة المجالس والكومينات والمؤسسات في المدينة، تأسست لجنة المرأة في المجلس والتي تعتبر صلة الوصل بين مجلس الرقة المدني وإدارة المرأة في الرقة.

كما بلغت نسبة النساء اللواتي يعملن ضمن مجلس الرقة المدني 50%، أي بالتساوي بينها وبين الرجل، حيث عملت لجنة المرأة  ضمن المجلس منذ تأسيسه بالإشراف على النساء القاطنات في مخيم عين عيسى.

ومع تحرير المدينة باشرت لجنة المرأة بتنظيم صفوف النساء في مدينة الرقة المحررة، وكانت الريادية في تفعيل المجالس والكومينات في مدينة الرقة والمناطق التابعة لها.

بعد التحرير نساء الرقة من التهميش إلى القيادة

كما ذكرنا سابقاً حملة تحرير مدينة الرقة التي انطلقت بقيادة وحدات حماية المرأة وبهدف الانتقام للنساء الإيزيديات، وتحرير نساء الرقة من الظلم الممارس بحقهن تكللت بالنصر وانجلت الغمامة السوداء من المدينة ليباشر النساء في الرقة بكفاحهن ضد كل ما تركته آثار الذهنية الذكورية، فإلى جانب الانضمام إلى كافة الجوانب الاجتماعية باشرت المرأة بالانضمام إلى قوات الدفاع والحماية، حيث انضمت العشرات من نساء مدينة الرقة إلى قوات سوريا الديمقراطية.

وتعمل المقاتلات ضمن قوات سوريا الديمقراطية على تنظيم أنفسهن حيث شكلت العديد من الأفواج الخاصة بالمرأة ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية، كما تشكلت المكاتب العسكرية في مدينة الرقة حيث تعمل النساء في هذه المكاتب على تنظيم المقاتلات وتكون هذه المكاتب هي المشرفة على أمورهن.

القيادية في قوات سوريا الديمقراطية زنارين قامشلو أكدت بأن الهدف الذي انطلقت من أجله حملة غضب الفرات تكلل بالنصر، وخلعن النساء في الرقة الثوب الأسود ليباشرن بالعمل على التحرر من براثن الظلم والقمع الذي خلفته الذهنية الذكورية التي حكمت مدينتهن أعواماً طوال وآخرها بمرتزقة داعش الذي مثل قمتها وبأبشع صورها في التاريخ.

المرأة في صفوف قوات الأمن الداخلي

بعد تحرير مدينة الرقة من قبل قوات سوريا الديمقراطية سلمت القوات المدينة إلى قوات الأمن الداخلي التي ألقي  على عاتقها حماية المدينة من أي استهداف، وفعلاً باتت هذه القوات بفضل جهود المرأة التي كانت السباقة بالانضمام إلى صفوف قوات الأمن الداخلي الدرع الحصين لكافة المحاولات التي تستهدف المدينة وأمنها.

حيث انضمت العشرات من  نساء مدينة الرقة إلى صفوف قوات الأمن الداخلي، وباشرت قوات الأمن الداخلي – المرأة من تنظيم نفسها بشكل موسع وشكلت اللجان ضمن صفوفها، كما انضمت إلى مجالات عديدة ضمن قوات الأمن الداخلي ومنها مكافحة الجريمة وجهاز الأمن العام.

كما تقف النساء في قوات الأمن الداخلي على الحواجز وبشكل دوري لحماية أهالي مدينة الرقة وعلى وجه الخصوص اللواتي عانين على مدى أربعة أعوام متتالية إرهاب داعش، كما تخرج النساء دوريات منظمة ضمن شوارع المدينة وباتت الحضن الآمن لكافة النساء اللواتي يعانين من المشاكل، حيث يلجأ يومياً إلى هذه القوات المئات من نساء الرقة.

نساء الرقة... نعيش بأمان بعد تحرير مدينتنا

عند التجول في شوارع مدينة الرقة تلاحظ بأن النساء تحررن من غمّة السواد وارتدين أثوابهن اللائقة بالمجتمع والمحيط الذي تعايشن فيه بامتداد تاريخ المنطقة ويمارسن نشاطاتهم الحياتيه وأحيانا برفقة أطفالهن بالمنتزهات تغمرهن وأطفالهن المطمأنينة.

العديد من نساء الرقة التي التقت وكالتنا معهم أشرن بأن الآن الفرق شاسع نسبة لماقبل عام كونهن أبصروا النور بعد أعوام عجاف من الظلم وكبت دور وحرية المرأة في المجتمع.

نساء مدينة الرقة لفتن بأنهن رأوا بأن القوة تكمن في حق الدفاع الذي مثلتها القوات العسكرية التي حمتهن وحمت مدينتهن ورأوا الحرية في المجالس والكومينات الخاصة بالمرأة التي تشكلت لحماية حقوقهن .

لذا وبعد تحرير مدينة الرقة وتشكيل المظلة الأساسية لكافة النساء في الرقة باتت المرأة تدير نفسها بنفسها وتعتمد على نفسها في كافة المجالات وفتحت مشاريعها الاقتصادية الخاصة بها وباتت متمكنة من إدارة المجتمع بنفسها.

ANHA