عمر موسى/غزة   

منذ أن دفعت المخططات السياسية الخبيثة، مجتمعات المنطقة، إلى التقنع بوجه الدم والنزاع المصطنع بين بعضها،  وحتى يومنا هذا، لا تزال دورة التاريخ تعيد نفسها بأحداثها التي اختلط فيها الإقرار المعنوي "الكلمة" والفعلي "الدم"، على أخوة هذه المجتمعات، رغم كل الدعوات والمحاولات المستمرة لقولبة العلاقة بين الشعوب على أساس المصالح الخاصة لتفتيتها، ودفعها بعيداً عن التكامل الذي كان بذرة العلاقة الحقيقية بينهم.

الأحداث الحاضرة في منطقة الشرق الأوسط، هي النموذج الحي المقصود هنا، والمخططات التي ذكرت، استهدفت في أساسها العلاقة الكردية – العربية، لكن للتاريخ دوماً كلمة تعيد تصدير الوجه الحقيقي للشعوب على وجه الدم والقتال.

في غضون حديثنا عن دورة التاريخ التي تستمر في التأكيد على أخوة الشعوب، تطل علينا الذكرى الـ35 لمعركة "قلعة شقيف" التي اختلط فيها الدم العربي بالكردي، في سبيل الدفاع  عن الفكرة النبيلة لأعدل قضايا العالم، قضية الشعبين الفلسطيني والكردي.

وقد يبدو، إبراز العلاقة بين هذين الشعبين، كمجرد رابطة عادية، تجنياً خطيراً على أساس هذه العلاقة، إذ أن أصحاب القضية المشتركة –الشعبين- قد انطلقوا بالأساس من مبدأ ثالوث التآخي للمظلومين الذي يوجب على الشعوب المظلومة والمضطهدة، تقاسم العذاب والسعي بيد واحدة، للانعتاق والتحرر، وهو المبداً الذي عمدته العلاقة الكردية – الفلسطينية بالدم، كنموذج نبيل وفريد لكل شعوب العالم الساعية نحو العيش الكريم. 

إقرار العلاقة الفلسطينية – الكردية بالدم

في الـ6 من حزيران، وبينما كانت تهاجم 3 فيالق عسكرية إسرائيلية، قلعة شقيف الأثرية، بهدف القضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، كانت دماء الرفاق الشهداء الكرد "محمد أتماجا، ولي جاكماك، عصمت أوزكان، كمال جليك، أمين ياشار، شريف آراس، مصطفى مارانكوز، شهاب الدين كورت، عرفان أي، سليمان توزجو، كورجان أوزجان، عبد الله كومرال، عبد القادر جوبوك جو" الذين وقفوا بصدورهم وأسلحتهم إلى جانب رفاقهم المقاتلين من  القوات الفلسطينية، يصدون هذا العدوان الإسرائيلي، تختلط دمائهم بدماء أشقائهم الفلسطينيين، تتويجاً لعدالة قضيتهم.

اندلعت هذه المعركة التاريخيَّة الشهيرة، التي صارت نموذجاً عسكرياً، تتناقله الأكاديميات العسكرية الإسرائيلية، حين أقدمت إسرائيل عام 1982 على اجتياح بيروت من أجل القضاء على حركة المقاومة التحررية الفلسطينيَّة المسلَّحة.

وتحولت هذه المعركة إلى واقعة مثلت الترابط الجوهري بين القضيّتين الفلسطينيَّة والكرديَّة، إذْ تُظهرُ القضيَّتان نزوع قومية كردية وقوميَّة عربية فلسطينية إلى التحرر والانعتاق والعيش، لكن هذا النزوع التحرري، تحول  إلى قمع ممنهج من قبل قوى كولونيالية (استعمارية) تتحكّم بالمصير السياسي في المنطقة بشكل مباشر، سواء من خلال وعد بلفور عام 1917الذي كان الأساس السياسي الواقعي لشرعنة تأسيس كيان إسرائيلي يطرد الشعب الفلسطيني من أرضه، أو اتفاقيّة سايكس بيكو عام 1916 التي قسّمت المناطق الجغرافيّة ذات التواجد السكاني الكردي بين أربع دول تتنافس بينها على قمع التطلّع التحرري القومي الكردي.

بالعودة إلى المعركة، التي وقعت الاشتباكات فيها، بالضبط بين وحدات الكوماندوس الخاصّة من لواء جولاني التابع للجيش الإسرائيلي من جهةٍ، ومقاتلو منظمّة التحرير الفلسطينيَّة، يقاتلون جنباً إلى جنب مع مقاتلين من حزب العمال الكردستاني PKK من جهة أخرى، وفي ذلك الحين وقع مئات المقاتلين أسرى في قبضة الجيش الإسرائيلي، ونقلتهم السلطات الإسرائيلية إلى داخل فلسطين المحتلة، وكان بينهم العشرات من الشباب الكرد، "وفق تقارير أوردتها مراكز دراسات إسرائيلية".

وبالإضافة إلى الأسرى والشهداء الذي ذكروا في التقرير، هناك جثامين لـ 3 شهداء ظلت دون التعرف على هوياتهم، بحسب ما قاله قائد كتيبة "الجرمق" الطلابية آنذاك "معين الطاهر" لـ وكالة أنباء "هاوار"، وترجح إلى أنها لشهداء كرد إضافة إلى الـ12 الذين عرفت أسمائهم.

وثًّق البيان المشترك الذي صدر عن الجبهة الوطنية لتحرير فلسطين وحزب العمال الكردستاني حول شهداء مقاومة قلعة شقيف، آنذاك، أسماء الشهداء الكرد والفلسطينيين، وهنالك سجل وأيضاً لأسماء جميع الشهداء من الكرد والفلسطينيين ضمن ألبوم الشهداء الذي أصدرته دار سرخبون سنة 1983 التابعة لحزب العمال الكردستاني، لكن هذه الأحداث لم يتم أرشفتها وحفظها من الجانب الفلسطيني، كما باقي أحداث زمن الثورة الفلسطينية، بسبب الظروف التي كانت تمر بها فلسطين، وهو ما كان سبباً في شح المعلومات قليلاً، وفق ما بين الكاتب مازن صافي.

لم تحكم القوات الإسرائيلية يدها على القلعة، إلى بعد تضحيات جسام، قدمتها القوات الفلسطينية الكردية، وهو ما شكل يومها جنوناً لدى الحكومة الإسرائيلية، عن حجم الصمود الذي أبدته القوات، وكيف شاركت القوات الكردية إلى جانب الفلسطينيين، بحسب ما ذكره الصحافي البريطاني الشهير الذي غطى الحرب، روبرت فيسك في كتاب "لبنان في الحرب".

وشكلت هذه المشاركة البطولية، بذرة التعاون على كافة الصعد بين الشعبين الفلسطيني والكردي، رغم أنها تمتد إلى ما قبل ذلك، فقد كان للكرد أيضاً دوراً مشهوداً بتواجد العديد من الجنود والضباط والمتطوعين الكرد من سورية والعراق في معارك فلسطين منذ النكبة وحتى الآن واستشهاد العديد منهم على خطوط الجبهة، فقد كانت الحركة السياسية الكردية ومنذ ظهورها تحتفظ في برامجها النضالية بمكانة خاصة لفلسطين والقضية الفلسطينية.

لكن هذه المرحلة – معركة قلعة شقيف-  كانت الإعلان الرسمي والصريح، للموقف الكردي والشعب الكردي وقوات الـ PKK التي بدأت كفاحاً مسلحاً ضد السياسة التركيَّة الفاشية بحق الكرد منذ ثمانينات القرن الماضي، في الوقت الذي كانت فيهَ الدولة التركية الدولة المسلمة الوحيدة التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، وفي ذات الوقت هي من توهم الفلسطينيين بالنصرة وهي أول من شرعن وجود الإسرائيليين على أرض فلسطين، ولازالت خطواتها المساندة لإسرائيل تزداد يوماً بعد يوم، في أجواء صاخبة ودعائية توهم الفلسطينيين بالتضامن معهم.

هذا التضامن الفعلي والمعنوي بالدم والكلمة، كان السبب في محاولة، دس السم في العلاقة بين الشعبين، وكل هذه المحاولات، التي سعت لضرب العلاقة التاريخية والحقوقية بين الشعبين، قوبلت بالفشل من كلاهما.

ويؤكد هذا التاريخ على حسن العلاقات، بين الشعبين الكردي والعربي في المنطقة، في أثناء محاولات تشويه هذه العلاقات، ويبدي بشكل واضح أن هذا الاتفاق والتكامل بينهم، يساعد الشعبين الكردي والعربي على التطور وامتلاك القوة وبناء الديمقراطية، بوجه القوى الفاشية والرأسمالية، التي تجاهد لخلق الفوضى والدمار في المنطقة وإحلال الويلات والتفرقة  على شعوبها.

العلاقة الفلسطينية – الكردية:  تضامن سياسي وعسكري وثقافي

لم تقتصر هذه العلاقات بين الشعبين والتي ساعد في تمتينها موجة انطلاق حركات اليسار العسكري، التي قرّبت بين القضايا المختلفة لشعوب واثنيّات مختلفة، ضد مشاريع الهيمنة والتسلّط الإقليمية والدوليَّة، بحسب قول الكاتب الكردي "دارا عبدالله"، على التضامن السياسي، بل تعدّتها إلى التدريبات العسكرية المباشرة بين مقاتلين من حزب العمال الكردستاني، وبين مقاتلين من منظمّة التحرير الفلسطينية في لبنان، وذلك من أجل الاستفادة العسكريَّة القتاليَّة المُتبَادَلة، والسعي المشترك في تكوين رؤية تحرر كردية - عربية مشتركة،  تحطم التطرّف القومي، وتؤسس لمفاهيم حريّة الشعوب والعدالة الاجتماعية، للشعوب التي تجاهد للعيش الكريم.

وكما كان المقاتلون الكرد، تزهق أرواحهم في سبيل عدالة قضية الشعب الفلسطيني، كان المقاتلون العرب أيضاً يدفعون دمائهم على جبال كردستان وهم يقاتلون جنباً إلى جنب مع أشقائهم الكرد، إذ كان التفهم الفلسطيني للقضية الكردية، عاملاً ساهم في تشجيع الشعبين أيضاً، على تثبيت هذه العلاقة.

ويذكر أيضاً، أن الاتصالات على مستوى القيادة، لم تنقطع بين قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات تحديداً، حتى أصبح  أوجلان أسيراً في السجون التركية، ويشير الكاتب والباحث الأوروبي المعروف (جوردن توماس), مؤلف الكتاب المشهور (أسرار الموساد)، إلى أن للمخابرات الإسرائيلية اليد الطولى، في تدبير محاولة اختطاف أوجلان.

ويرجع الكاتب، التدخل الإسرائيلي في جمع المعلومات عن أوجلان لصالح الدولة التركية، أن السبب هو التواصل العسكري والسياسي بين أوجلان والشعب الفلسطيني، وترسيخ الدعم الكردي للشعب الفلسطيني.

ولم تتوقف العلاقات الاستخباراتية الإسرائيلية – التركية، حتى يومنا هذا، إذ دأبت إسرائيل على جمع المعلومات عن مواقع حزب العمال الكردستاني والناشطين فيه، وتحويلها إلى تركيا في إطار علاقتهما التبادلية والقوية.

بعد عودة قيادة منظمة التحرير إلى فلسطين وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، ظلت القيادة الفلسطينية وفية لمبادئها وشهدت العلاقات الثنائية بين الشعبين الكردي والفلسطيني، نقلة نوعية جديدة بافتتاح مكتب للحركة الكردية في فلسطين، باعتباره كممثلية ذات صفة رسمية لحركة التحرر الوطني الكردستانية.

وفي صيف 1999، رعى الرئيس الراحل ياسر عرفات المؤتمر التأسيسي لجمعية الصداقة الفلسطينية - الكردية التي أقيمت في رام الله وهي أول جمعية صداقة عربية - كردية في العصر الحديث، حيث قابله الجانب الكردي بإقامة أول جمعية صداقه كردية - عربية في هولير بإقليم كردستان العراق في عام 2000.

وتستمر العلاقة الكردية الفلسطينية بذات الأجواء الأخوية والتضامنية، رغم كل المحاولات التي سعت إلى تخريب هذه العلاقة عبر المفاهيم العنصرية التي تبث بين الشعبين العربي والكردي جراء ألاعيب الامبريالية والسلطات الرجعية في المنطقة، وأن ما يجمع الشعبين "العربي والكردي" أكثر بكثير مما يمكن أن يفرقهما، وستبقى العلاقة الكردية الفلسطينية، النموذج الحي لأخوة الشعوب في عصر اشتدت فيه الفرقة والنزاع.  

(ح)

ANHA