الاتفاق الروسي الأمريكي يؤرق تركيا

روج موسى/مركز الأخبار

إن اتفاق خفض التصعيد الذي توصلت إليه روسيا وأمريكا والأردن وإسرائيل لم يدم طويلاً، لأن بعض القوى الإقليمية مثل تركيا التي سعت لاستغلال التناقضات بين روسيا وأمريكا لتحقيق مصالحها، لا تريد أن يتوصل الروس والأمريكان لتفاهم دائم في سوريا يهدد مخططاتها الاحتلالية والتوسعية ويقضي على المجموعات المرتزقة التي تتلقى دعمها من الاستخبارات التركية.

الأهمية الاستراتيجية للجنوب السوري

تتمتع محافظتا القنيطرة ودرعا في الجنوب السوري بأهمية استراتيجية كبيرة في مجريات الأحداث بالأزمة السورية، فدرعا تعتبر المهد الذي انطلقت منه الثورة السورية عام 2011 قبل عسكرة الثورة وانحرافها عن مسارها، كما تحتل المحافظتان أهمية استراتيجية باعتبارهما مفتاحاً لسلسلة مناطق تمتدّ على طول الجغرافيا السورية، فهما نقطة وصل بين مناطق جنوب ووسط سورية، وواقعة على الحدود السورية الأردنية الفلسطينية اللبنانية وعلى حدود  الجولان المحتل. كما أنهما تشكلان نقطة ربط بين المناطق الجغرافية السورية المرتبطة بالعاصمة دمشق غرباً والحدود الأردنية والفلسطينية واللبنانية جنوباً، وهذا ما يعكس حجم الأهمية الاستراتيجية الكبرى لدرعا والقنيطرة بخارطة المعارك في سوريا.

اتفاق خفض التصعيد

بالتزامن مع اتفاق الدول المتدخلة في الشأن السوري والتي تطلق على نفسها اسم الضامنة "روسيا، تركيا وإيران" في العاصمة الكازخية آستانة للحفاظ على مصالحها في سوريا، والإعلان في 4 أيار/مايو 2017 عن اتفاق خفض التصعيد والذي شمل أربع مناطق في سوريا، منها منطقة في الجنوب تشمل محافظتي درعا والقنيطرة ومساحتها أكثر من ألفي كيلومتر مربع وتسيطر المجموعات المسلحة على مساحات شاسعة منها، بدأت في الشهر ذاته مباحثات بين كل من روسيا وأمريكا والأردن وذلك بمبادرة أردنية، لمناقشة وضع الجنوب السوري.

وأفضت هذه المحادثات لاتفاق دعم وقف إطلاق النار وخفض التصعيد الذي بدأ تطبيقه في 7 تموز/يوليو من نفس العام، وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، اتفقت المملكة الأردنية والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا على تأسيس منطقة خفض التصعيد المؤقتة في جنوب سوريا، ووقع ممثلو الدول الثلاث على مذكرة المبادئ بهذا الشأن في العاصمة عمّان.

وبحسب المتفقين فإن الاتفاق يدعم ترتيبات اتخذتها البلدان الثلاثة يوم 7 تموز/يوليو لدعم اتفاق وقف إطلاق النار على طول خطوط التماس المتفق عليها في جنوب غرب سوريا، حيث اعتُبر الاتفاق آنذاك خطوة نحو خفض دائم للتصعيد في جنوب سوريا والسماح بوصول المساعدات.

إسرائيل وإبعاد إيران عن الحدود

على الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية رحبت بالاتفاق الأميركي الروسي، لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري، إلا أن الامتعاض الإسرائيلي منه قد بدأ عبر القنوات الدبلوماسية أولاً، ليظهر إلى العلن بعد محادثات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. حيث أعلن نتنياهو للصحفيين أن أميركا وروسيا لم تراعيا المصالح الإسرائيلية في الاتفاق. وأنه ووفقاً لتصريحات نتنياهو فإن نص الاتفاق لم يراعي مصالح "الدولة اليهودية" فمازال حزب الله وإيران قريبين من الحدود الإسرائيلية كما أن مراقبة وقف إطلاق النار يتم عبر الجنود الروس، وإسرائيل تدرك تماماً التحالف القائم بين الروس وكل من حزب الله وإيران في سورية. وفي نفس السياق تحدث الخبير الروسي قسطنطين دوشينكوف عن خيبة أمل إسرائيل في الاتفاق.

ولتطمين إسرائيل، نشرت وكالة تاس الروسية تصريحاً للافروف في مؤتمر صحفي بعد الاجتماع مع أعضاء معاهدة الأمن الجماعي، قال فيه "أننا عملنا كل ما بوسعنا لمراعاة المصالح الإسرائيلية في الاتفاقية بين روسيا وأمريكا بخصوص منطقة خفض التوتر في الجنوب السوري ووقف إطلاق النار فيها".

وركزت إسرائيل على ضرورة ابتعاد إيران عن الحدود السورية مع الأردن وإسرائيل، إذ أنها تعتبر الوجود الإيراني قرب حدودها من الخطوط الحمراء لأمنهما. فالقوات الإيرانية كانت تتواجد بالقرب من الحدود السورية - الإسرائيلية، وعلى مسافة لا تتجاوز في بعض المواقع كيلومترين. وهذا الأمر ترفضه إسرائيل بشكل قطعي لأنها تسعى لإنشاء منطقة خالية من المظاهر المسلحة على عمق 40 كيلومتراً من حدودها، على غرار منطقة 1974، التي فصلت بين سوريا والجولان المحتل، وأشرفت عليها قوات اليونيفيل.

ولهذا السبب نفذت إسرائيل ضربات جوية بين الحين والآخر ضد الإيرانيين في سوريا، وهذا ما يفسر انسحاب الإيرانيين من الجنوب السوري واستبدالهم بقوات سورية.

كما تشير بعض المصادر إلى أن الأردن أيضاً يرفض أي تواجد إيراني على حدودها ومنافذها الحدودية، خاصة منافذ البادية السورية، والمنافذ المحيطة بجمرك درعا، كما أنها ترفض أي عملية عسكرية في تلك المنطقة خشية من تدفق المزيد من اللاجئين إلى أراضيها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد خصوصاً بعد التظاهرات التي خرجت ضد حكومة هاني الملقي وأدت باستقالتها.

تركيا ما بين الترحيب والخشية .. الاتفاق يهدد مصالحها

بعد فشل كافة مخططات تركيا من الأزمة السورية وفشل المجموعات المرتزقة في تحقيق ما تطمع إليه، سعت تركيا للاقتراب من موسكو خصوصاً فيما يخص الجزء الشمالي من البلاد، وفي نفس الوقت لم تقطع علاقاتها مع أمريكا، إذ أنها حاولت اللعب على التناقضات الموجودة بين أمريكا وروسيا في بعض الملفات واستغلت ذلك لصالحها، وأكبر مثال على ذلك، هو موافقة الروس والأمريكان في شن تركيا لعدوانها على عفرين واحتلال المنطقة، كما سبق ذلك توافق روسي أمريكي على احتلال تركيا لمناطق جرابلس والباب.

وفي ملف الجنوب السوري أيضاً نظرت تركيا إيجابياً إلى الاتفاق الأميركي الروسي بشأن وقف إطلاق النار في الجنوب ورحبت حكومتها بهذا الاتفاق في البداية، إذ أنها رأت فيه مدخلاً يسمح لها بإبرام هكذا اتفاقات مع روسيا في الجزء الشمالي من سوريا، خصوصاً أن إعلان الجنوب منطقة خفض التصعيد تم في اجتماع الدول التي تطلق على نفسها اسم الضامنة "روسيا وتركيا وإيران".

ولكن الترحيب التركي بهذا الاتفاق سرعان ما تحول إلى خشية من أن تتوصل روسيا وأمريكا إلى اتفاق مشابه في الشمال السوري خصوصاً في إدلب ومناطق الإدارة الذاتية. فالخشية التركية نبعت من أن هذه الاتفاقات تجري من دون تركيا، وهو ما قد يكون على حساب مصالحها في الأزمة السورية بعد سنوات من دعمها للمجموعات المرتزقة، وذلك من خلال فتح الطريق أمام قوات النظام لشن هجمات على تلك المجموعات المرتزقة المدعومة من النظام التركي وخصوصاً المتواجدة في محافظة إدلب.

ورأت تركيا أن الاتفاق الأميركي - الروسي يؤثر سلباً على مخططاتها باستمرار عدوانها على الشمال السوري وخصوصاً مناطق الإدارة الذاتية، لذا فإن أي تحرك عسكري لها في هذه المنطقة سيبدو استهدافاً لاتفاقات وقف إطلاق النار إن حدثت وبالتالي فإن اتفاق كهذا سيمنع تركيا من الهجوم على تلك المناطق.

الموضوع الآخر الذي خشيت منه الإدارة التركية هو أنه في حال نجاح الاتفاق الأمريكي الروسي، فإن ذلك سينعكس سلباً على التقارب التركي الروسي وسيجعل من اجتماعات آستانة تبدو ثانوية وغير ذات قيمة أمام الاتفاقات الروسية – الأميركية وبالتالي إجبار تركيا على الخروج من الأراضي التي تحتلها في سوريا.

لذا نرى أنه من مصلحة تركيا أن لا يستمر اتفاق خفض التصعيد الذي توصلت إليه أمريكا وروسيا، لأنه في حال نجاحه ستندفع موسكو للتعاون أكثر مع واشنطن للبحث عن تسوية للأزمة السورية بعيداً عن القوى الإقليمية في المنطقة، كما أن المخطط التركي باستدراج موسكو إلى جانبها لتنفيذ مخططاتها وعدوانها على الشمال السوري، سيفشل وبالتالي سينعكس ذلك سلباً على التقارب الروسي التركي ما يؤدي إلى قطع أيادي تركيا من سوريا.

تحركات دبلوماسية مكثفة والمنطقة نحو الحرب

في سوريا المشهد معقدٌ جداً لتداخل مصالح القوى العالمية والإقليمية والكل يراقب بقلق تطورات الأوضاع، وأي خطوة لا تتفق عليها هذه الأطراف ستؤدي إلى تفجر الأوضاع، لذلك أدت روسيا دور الوساطة بين هذه الأطراف وخاضت محادثات معقدة وشائكة جداً مع إسرائيل وأمريكا والقوى الإقليمية الأخرى المتدخلة في سوريا من أجل الوصول إلى صيغة تفاهمية حول الجنوب السوري.

وفي ملف الجنوب السوري لا يؤخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب السوري، بل تؤخذ المصالح الإسرائيلية أساساً، لذا توافقت الأطراف ذات الشأن "أمريكا، روسيا، إسرائيل والأردن" على أن الخيار الأفضل هو انتشار قوات النظام في هذه المنطقة شريطة إبعاد القوات الإيرانية.

فإسرائيل تسعى لإنشاء منطقة عازلة في القنيطرة بهدف "توفير حارس على الجانب السوري من مرتفعات الجولان". أما الأردن فتريد أن يربح الأسد دون حرب تتسبب بحركة نزوح كبيرة إلى أراضيها، وهذا ما تقدمه روسيا تماماً عبر ما يسمى "عمليات المصالحة" التي أطلقتها في المنطقة.

أما الجانب الروسي، فيسعى لإضفاء الشرعية على النظام عبر السيطرة على المدن الرئيسية والمعابر التي يعد معبر نصيب مع الأردن أبرزها، والذي سيساعد إعادة فتحه إلى حصول تبادل تجاري يفيد الأردن أيضاً في أزمتها الاقتصادية.

المصلحة التركية تقتضي عدم استمرار الاتفاق .. وروسيا: النصرة هاجموا قوات النظام

حتى وإنه لا يتم الحديث عن دورٍ تركي في هذه المنطقة، إلا أن من مصلحة تركيا أن لا يستمر الاتفاق الأمريكي الروسي، لهذا شنت المجموعات المرتزقة التي تتلقى دعمها من تركيا هجوماً على قوات النظام لتكون بداية حرب في المنطقة.

إذ أن مركز المصالحة الروسي قال في بيان يوم 23 حزيران/يونيو، أن أكثر من ألف مسلح من مرتزقة "جبهة النصرة" هاجموا مواقع قوات النظام في مناطق خفض التصعيد الجنوبية، مما أدى إلى مقتل 5 عناصر من قوات النظام وإصابة 19 آخرين، لتصبح ذريعة لقوات النظام بشن هجوم واسع على المنطقة.

ويوم الجمعة المصادف لـ 22 حزيران/يونيو دخلت قوات النظام بلدتي داما والشياح اللتان كانتا تحت سيطرة المجموعانت المسلحة بمنطقة خفض التصعيد الجنوبية.

وما تزال قوات النظام مستمرة بعملياتها العسكرية في هذه المنطقة والتي بدأت في الـ 19 من حزيران/يونيو، إذ تستمر قوات النظام بقصف ريف درعا الشرقي فيما تشن المقاتلات الحربية الروسية غارات على مواقع المسلحين في الريف الشرقي والشمالي من درعا، موقعة قتلى في صفوف المدنيين.

والآن يتم الحديث عن مفاوضات بين الروس والمجموعات المسلحة عنوانها الرئيسي الاستسلام وتسوية الأوضاع ومن يرفض ذلك سيتم نقله إلى الشمال السوري المحتل من قبل تركيا. وعلى ما يبدو فإن هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً للأوضاع في هذه البقعة الجغرافية التي ظلت بعيدة عن القصف على مدى عام  كامل من استمرار اتفاق خفض التصعيد الروسي الأمريكي.

إلى أين الوجهة بعد الجنوب ؟

بعد أن سيطرت قوات النظام بالكامل على دمشق وريفها في نيسان/أبريل الماضي، خرج مسؤولو النظام السوري وقالوا إن أمامهم وجهتين الجنوب (درعا والقنيطرة) والشمال (إدلب)، وبعد اتفاقات حصلت مع تركيا على إخلاء ريف حمص ومنطقة القلمون، ونقل المرتزقة إلى إدلب، بدأت قوات النظام بنقل تعزيزات إلى محافظتي درعا والقنيطرة المجاورة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى أين ستتجه قوات النظام بعد السيطرة على الجنوب السوري؟ وهل ستكون إدلب هي الوجهة القادمة؟ وهل سيتم إخراج تركيا من الأراضي السورية كما تم إبعاد إيران عن حدود إيران، أم أن هناك تغيرات أخرى ستحدث وتغير مجريات الأحداث في هذا البلد الذي دمرته حروب المصالح للقوى الإقليمية والدولية؟

(ح)

ANHA