آزاد سفو/مركز الأخبار

إن ربيع الشعوب أو كما يحلو للبعض تسميته بالربيع العربي والذي انطلق من تونس وانتشر في العديد من الدول العربية مطالباً بالحرية والكرامة، وصلت شرارته إلى سوريا في 15 آذار2011 رافعاً شعار "لا للظلم والاستبداد واستئثار حزب البعث بالسلطة والثروة". وعمت الثورة المدن والبلدات السورية، ولكن سرعان ما تحولت التظاهرات السلمية إلى صراع مسلح على السلطة لأن النظام استخدم القمع في مواجهة التظاهرات ونظراً لتدخل قوى إقليمية داعمة لمجموعات إخوان المسلمين مثل قطر وتركيا على الخط وعسكرتها للثورة من أجل ضمان إسقاط النظام بسرعة والاستئثار بالسلطة في هذا البلد.

وبذلك انحرفت الثورة تماماً عن مطالبها، ودخل الإرهاب إلى سوريا عبر البوابة التركية وبذلك بدأت جماعات القاعدة (جبهة النصرة) وداعش والحزب الإسلامي التركستاني وغيرها من المجموعات المرتزقة بالظهور وبأجندات تتعارض مع مصلحة الشعب السوري وثورته -ثورة الحرية والكرامة- مما أدى إلى تدمير البلاد ومقتل مئات الآلاف من المدنيين وتهجير الملايين داخلياً وخارجياً.

وفي الوقت الذي كانت فيه المدن السورية تعاني من الدمار والقتل، اجتمع ساسة وشيوخ وأعيان مناطق روج آفا التي تعتبر نموذجاً مصغراً لسوريا من حيث الفسيفساء السكاني، إذ يتواجد فيها الكرد والعرب والسريان الآشور الكلدان، والأرمن، والشركس والتركمان، وتناقشوا للوصول إلى صيغة مشتركة يستطيعون من خلالها إدارة مناطقهم ويحافظوا على تعايشهم المشترك ويجنبوا الشعب القتل والتهجير، فأعلنوا الإدارة الذاتية الديمقراطية في 21 كانون الثاني/يناير من عام 2014.

فكرة تشكيل الإدارة الذاتية

إن الشعب الكردي ونظراً لتعرضه للسياسات التمييزية والقمع من قبل النظام البعثي، كان أكثر تنظيماً من بقية الشعوب الأخرى، لذلك بدأ مع انطلاقة الثورة السورية على تنظيم الشعب وتوعيتهم من الانجرار وراء الأجندات الخارجية، فحافظ على المنطقة بعيدة عن التدخلات الخارجية، وفي 19 تموز 2012 انطلقت ثورة روج آفا من كوباني بتحريرها من النظام البعثي، وتزامن ذلك مع الإعلان رسمياً عن تشكيل وحدات حماية الشعب YPG، واستمرت هذه القوات بتحرير تراب روج آفا من عفرين وصولاً إلى ديرك، ولم يبقى للنظام سوى بعض المربعات الأمنية في مدينتي حسكة وقامشلو.

ولإدارة هذه المنطقة، وتأمين الخدمات للسكان كان لا بد من وجود إدارة ذات هيكلية تنظيمية تستطيع تنفيذ هذه المهام، فاقترح حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي تأسس عام 2003 في سوريا وتعرض أعضاءه في ظل النظام البعثي للاعتقال والتعذيب والقتل في وقت كان فيه السوريون كلهم يدعمون النظام البعثي، مشروعاً لإدارة مناطق روج آفا بشكل رسمي سُمي بمشروع "الإدارة الذاتية".

وبعد الإعلان عن الملامح الأولى للمشروع بدأت القوى المعادية لحقوق الشعب الكردي وعلى رأسها تركيا المجاورة بشن هجمات عسكرية عبر المجموعات المرتزقة, وسياسية, واقتصادية هدفت للنيل من إرادة مكونات روج آفا عبر بعض الأطراف التي أدارت الحملة في سوريا, فتمثلت الحملة العسكرية ضد روج آفا بهجمات عنيفة من مرتزقة داعش وجبهة النصرة وما سمي بالجيش الحر, في حين تمثلت الحملة الاقتصادية بفرض حصار خانق على مدن ومناطق روج آفا وإغلاق المعابر الحدودية بهدف إجبار الشعب على الركوع عبر سياسة التجويع, أما الحملة السياسية فكانت مرتبطة بحملة الحصار الاقتصادي حيث تم منع العديد من الجهات والأطراف والحركات والجهات السياسية من الدخول والخروج إلى روج آفا.

محاولة وأد المشروع في المهد

بعد طرح المشروع من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي، اتفق مجلس شعب غرب كردستان وما يسمى المجلس الوطني الكردي في سوريا على تبني المشروع والعمل من أجل تنفيذه ووقع المجلسان في الـ 8 من شهر أيلول 2013 على 9 بنود للسير بالمشروع الذي تضمن عدة نقاط أهمها تشكيل لجنة صياغة مسودة الدستور، وتشكيل قوات الأمن الداخلي لضبط الأمن والأمان في المنطقة.

وبعد نهاية كافة التجهيزات للإعلان عن المؤسسات بشكل رسمي وقبل إعلانها بيوم واحد انسحب ما يسمى المجلس الوطني الكردي منه كونه كان عضواً في المجلس الوطني السوري والذي كانت تتواجد قيادته في تركيا وتتحرك بإمرة الأخيرة, دون أن تقدم سبباً واضحاً للانسحاب وذلك لمحاولة ضرب المشروع وهو ما زال في المهد.

ولكن فشلت محاولة ما يسمى المجلس الوطني الكردي لضرب المشروع حيث أُعلن وبشكل رسمي عن أولى المؤسسات في 12 تشرين الثاني 2013 والتي سميت بالمجلس العام التأسيسي للإدارة المرحلية المشتركة الذي ضم وقتها 82 عضواً وعضوة من مختلف مكونات المنطقة وانبثقت عنه هيئة متابعة إنجاز المشروع لإعداد وصياغة مختلف الوثائق وبشكل توافقي كما قسمت مناطق روج آفا إلى 3 مناطق "مقاطعات" وهي "الجزيرة، كوباني وعفرين" لتشكل كل منطقة مجلسها والتي ستتمثل في المجلس العام.

الإعلان رسمياً عن تشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية

وفي الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2013 وبدعوة من لجنة إعداد مشروع الإدارة المرحلية، عقدت هيئة متابعة إنجاز مشروع الإدارة اجتماعها الثاني وكان أبرز ما اتفق عليه المجتمعون هو تغيير اسم المشروع من مشروع الإدارة المرحلية المشتركة إلى مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية وأعلن ذلك خلال بيان رسمي من قبل الإدارة، فيما قرر خلال الاجتماع تسمية الإدارات في المقاطعات الثلاث بالإدارة الذاتية الديمقراطية.

وفي يوم 21 كانون الثاني/يناير من عام 2014 أعلنت مكونات روج آفا من الكرد، العرب، السريان الآشور الكلدان، الأرمن، التركمان والشركس عن الإدارة الذاتية الديمقراطية وحينها خرج كافة سكان روج آفا إلى الشوارع احتفالاً بأول إدارة للمنطقة يتولاها أبناؤها دون أن تُفرض عليهم.

وبعد الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية تم تشكيل 21 هيئة لإدارة المنطق من كافة النواحي وهي كالتالي: "هيئة العلاقات الخارجية، هيئة الدفاع والحماية الذاتية، هيئة الداخلية، هيئة البلديات، هيئة المالية، هيئة العمل والشؤون الاجتماعية، هيئة التعليم والتربية، هيئة الزراعة، هيئة الصحة، هيئة التجارة والاقتصاد، هيئة الثقافة، هيئة المواصلات والنقل، هيئة الشباب والرياضة، هيئة البيئة والسياحة والآثار، هيئة الشؤون الدينية، هيئة شؤون المرأة، هيئة حقوق الإنسان، هيئة التموين، هيئة الاتصالات، هيئة العدل، هيئة الطاقة".

لأول مرة في تاريخ سوريا ثلاث لغات رسمية معاً

وبحسب العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية فإن هناك 3 لغات رسمية في مقاطعة الجزيرة، وهي الكردية، العربية والسريانية. فكل عضو في المجلس يؤدي القسم بلغته، وجميع الوثائق والأرشيف تجهز باللغات الثلاث. وفي الاجتماعات والنقاشات ليس هناك إجبار على الحديث بلغة واحدة، فكل عضو يتحدث باللغة التي يرغب بها.

انجازات رغم الصعوبات

إن مناطق شمال وشرق سوريا كانت مهملة من قبل النظام البعثي، لذلك واجهت الإدارة الذاتية الديمقراطية صعوبات كثيرة بادئ الأمر، إلى أنها ومع مرور الزمن تمكنت من إعادة تفعيل كافة المؤسسات وإنجاز العديد من الأعمال وتقديم كافة الخدمات في المنطقة.

ونتيجة الصراع الشديد الذي كانت تشهده المناطق السورية، تدفق مئات آلاف النازحين إلى مناطق الإدارة الذاتية بفضل الأمان الموجود فيها، وهذا دفع الإدارة لتكثيف نشاطها وفعالياتها لتوفير المأوى للنازحين وإنشاء مخيمات كبيرة في عدة مناطق من شمال وشرق سوريا، وسعت لتقديم الاحتياجات للنازحين وذلك اعتماداً على إمكاناتها الذاتية.

مجالس محلية في المناطق المحررة من داعش

لم تشكل شعوب المنطقة فقط إدارة ذاتية معاً، بل أنها شكلت أيضاً قوات عسكرية مشتركة اعتماداً على التجربة الناجحة للإدارة الذاتية، فشكلوا في أواخر عام 2015 قوات سوريا الديمقراطية، التي أخذت على عاتقها تحرير ما تبقى من مناطق شمال وشرق سوريا من مرتزقة داعش. فبدأت هذه القوات بتحرير المنطقة انطلاقاً من الهول والشدادي ومنبج والطبقة والرقة وحالياً تستمر معركتها ضد داعش في جيب صغير بريف دير الزور.

ومع تحرير كل بلدة أو مدينة، يعمل سكان تلك المنطقة على تشكيل مجالس مدنية محلية لتقديم الخدمات للأهالي وإعادة الحياة إلى المنطقة بعد أن كتم داعش على أنفاس المدنيين طيلة سنوات. وفي هذا السياق تشكلت مجالس في كل من الرقة، الطبقة، منبج ودير الزور لتبدأ بتقديم الخدمات في المنطقة.

إدارة ذاتية لشمال وشرق سوريا

ومع إدارة سكان كل مدينة ومنطقة لأنفسهم ذاتياً، اجتمع ممثلو هذه الإدارات معاً لتشكيل إدارة مشتركة تستطيع تطوير الجانب الخدمي وتضع آلية تنسيق فيما بين كافة المجالس والإدارات الذاتية لتسيير أمور السكان في شمال وشرق سوريا، لذلك أعلن ممثلو شمال وشرق سوريا وبتاريخ 6 أيلول/سبتمبر عام 2018 عن تشكيل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

وتتخذ الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا القرارات الموحدة على مستوى الشمال والشرق السوري عبر التحاور بين الإدارات الذاتية والمدنية، كتوحيد الرسوم الجمركية وأسعار المحروقات، وتصاريح السفر والتنقل بين مدن الشمال والشرق السوري والتي كانت موجودة سابقاً وتم إلغاؤها مع إعلان الهيئات وبدء عملها.

(ح)

ANHA