شرفين مصطفى/عفرين

في هذا الملف، سنسلط الضوء على ما كانت عليه المرأة العفرينية قبل الاحتلال التركي لمقاطعة عفرين، وكيف هي حال النساء في عفرين، وما الذي جار عليهن بعد الاحتلال التركي.

عرفت المرأة في عفرين بأنها ذات شأن في المجتمع، حتى أن بعض الأسر العفرينية العريقة عرفت بأسماء النساء، وهذا ما كان يميز طبيعة المرأة العفرينية عن غيرها.

تطورت المؤسسات المهتمة بشؤون المرأة مع انطلاق ثورة روج آفا، واستطاعت هذه المؤسسات تنظيم كافة النساء، وكنّ سنداً وساعداً لتوعية ومساندة المرأة العفرينية.

 شكلت صفوف النساء في عفرين أكثر فئات المجتمع تنظيماً، فهي كانت السبّاقة لتبوء المرأة رئاسة المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية الديمقراطية.

خوف تركيا من تنظيم المرأة

تفتقر معظم الدول التي تدعي بالديمقراطية والمساواة بين الجنسين إلى ما تدعيه، بينها دولة الاحتلال التركي، التي تبرئ وتشرع جريمة اغتصاب القاصرات، وتزويجهن في سن قاصر، فبحسب موقع " الجرائم ضد المرأة" الإلكتروني، والذي يتولى رصد الجرائم التي تطال النساء التركيات رصدت 1915 حالة قتل امرأة خلال 6 سنوات.

أول ما استهدفه الاحتلال التركي خلال عدوانه على عفرين، هو التنظيم السائد بين كافة فئات المجتمع، وخاصة قيادة المرأة للمجتمع العفريني، والمعروفة بجسارتها وقوتها، والمثال على ذلك مقاومة المناضلة العفرينية أرين ميركان في كوباني.

لدى احتلال الدولة التركية لعفرين، شنت هجماتها على كافة الميادين وخاصة الاجتماعية والسياسية و الثقافية، ومع بداية العدوان باشر بانتهاكاته لحقوق الإنسان و لم يفرق بين الطفل والرجل والمرأة، وأول الأمثلة على الانحطاط الأخلاقي، هي جريمة الاعتداء بالضرب والتمثيل بجثة مقاتلة في وحدات حماية المرأة، في مطلع شهر شباط /فبراير العام الجاري، والتي انتقمت لرفيقة دربها المناضلة أفيستا خابور بتنفيذ عملية فدائية ضد مجموعة من عناصر الجيش الاحتلال التركي في قرية حمام بناحية جندريسه، وكبدت خسائر فادحة في صفوف المحتل.

نساء وأطفال عفرين كانوا عرضة لرصاص المحتل التركي، فخلال مقاومة 58 يوماً تم توثيق استشهاد 56 امرأة و46 طفلاً، إضافة لجرح 104 أخريات ممن تعرضن لإصابات مختلفة.

تحول حياة المرأة العفرينية من النور إلى الظلام

كانت تنعم المرأة العفرينية بالإرادة وطابع خاص في نمط العيش، لعلاقتها الوطيدة مع الطبيعة والزراعة، فهي كانت مشاركة في كافة المجالات الحياتية.

معظم النساء العفرينيات لم يكن مجبرات أو مخيرات لاتباع نمط معين للعيش، فهن كن منفتحات على الحياة، نسبة 80 بالمئة متعلمات ومثقفات، وكانت نسبتهن واضحةً في مشاركتهن في مجال التعليم، والإدارة والسياسة والاقتصاد.

كما أن ارتباط نساء عفرين الوثيق بالزراعة والصناعة دفعهن لافتتاح مشاريع اقتصادية لإعالة أنفسهن وعائلتهن، حيث  كان شهد سوق عفرين افتتاح النساء للمحلات التجارية، كما شاركن في السوق الشعبي في عفرين وامتلكن عدداً من المحال التجارية في السوق.

أما الآن فتغيرت الأحوال والأشكال والعادات وحتى نمط الحياة، وتحولت حياتهن إلى جحيم، فلم تعد تستطيع المرأة العفرينية الخروج خارج حجرتها الصغيرة خوفاً من الخطف أو الاغتصاب، لفرض جيش الاحتلال التركي والمرتزقة نظام ما يفرضه مرتزقة داعش على المرأة.

حيث باتت شوارع المدينة تشهد نوعاً آخر من الأزياء النسائية المتمثلة بلباس المستوطنين الذي حل محل اللباس الكردي الفلكلوري بألوانه الزاهية، وانتشرت في الساحات والشوارع لوحات إعلانية تحضّ على فرض الحجاب

وفي بعض القرى التي تسيطر عليها بعض المجموعات المرتزقة  المرتبطة بالنصرة وداعش، فرضت تلك الفصائل على الأهالي الالتزام بالزي الشرعي وعدم الخروج باللباس الكردي، وبهذا باتت مقاطعة عفرين سجناً كبيراً للنساء، ومؤخراً منع من تدريس الطالبات في المدارس المختلطة، وفصل الذكور والإناث في المدارس.

أكثر من 145 حالات انتهاك ضد المرأة

وبعد الاحتلال التركي لمقاطعة عفرين، حرمت المرأة من كافة حقوقها التي كانت تتمتع بها في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث أدت الحرب في عفرين إلى أضرار وسوء في وضع المرأة، حيث تم استخدام العنف المباشر والمتمثل بالقتل والاغتصاب والإتجار بالنساء والإعاقة والاختطاف حيث بلغ عدد النساء المختطفات في عفرين 145 امرأة في آخر إحصائية أجريت وهذا العدد يزداد يوماً بعد يوم، والعنف غير المباشر المتمثل بالترمل والفقر والبطالة وانخفاض المستوى التعليمي والنزوح وزواج القاصرات، وهذا ما يدل على ارتكاب الدولة التركية إبادة ثقافية بحق المرأة وأهالي عفرين.

توثيق حالات خطف واعتداء واغتصاب وقتل لنساء عفرين

تعرضت 145 امرأة بينهم امرأة حامل خلال 8 أشهر بعد احتلال جيش الاحتلال التركي ومرتزقته مقاطعة عفرين، للخطف والاغتصاب والاعتداء والقتل، وذلك على يد عناصر الجيش التركي ومرتزقته.

سنستعرض بعض الحالات التي وثقتها وكالتنا ANHA بمساعدة المنظمات الإنسانية والحقوقية، ومصادر خاصة، في حين هناك العديد من الحالات غير معروف تفاصيلها.

حالة المواطنة فاطمة ذات 45 عاماً خطفت من منزلها، وتعرضت للتعذيب الجسدي والنفسي لمدة 15 يوم على التوالي، دون معرفة عائلتها مكان تواجدها، حتى طلبت المرتزقة من العائلة 3 آلاف دولار.

فاطمة عانت الويل أثناء بقائها بعفرين في ظل تواجد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، فهي قالت:" حرمنا الخروج من المنزل، وكأننا فقدنا النور في الحياة، حتى العمل في الأراضي الزراعية ممنوع، فرضوا علينا ارتداء الحجاب واللباس الطويل والفضفاض، وبات الخوف يحكمنا في تعرضنا للخطف حتى ونحن في المنزل".

أشارت فاطمة، بأن هناك اثنتان من النساء قريباتها خطفن مع والدهن وعمهن منذ أشهر الرجال أطلقوا سراحهم بعد دفع فدية لهم، ولكن النساء لا يعرف مكان تواجدهن بعد، فيما أكدت على خطف طفلة أمام مدرستها وهي خارجة من المدرسة، الأمر الذي دعى الأهالي إلى الخوف من إرسال أطفالهم إلى المدارس، ما أدى لحرمان الأطفال من الدراسة وخاصة الإناث.

استطاعت عائلة فاطمة من دفع فدية للمرتزقة وإطلاق سراحها، وخروجها من عفرين.

وقال مصدر موثوق من قرية تل سلور بناحية جندريسه في وقت سابق أن امرأة اغتصبت في القرية من قبل جيش الاحتلال التركي ومرتزقته واستخدم بحقها شتى أساليب العنف، وذلك لأنها رفضت أن تتعاون معهم، بالإضافة إلى أن الاحتلال التركي ومرتزقته قالوا لأهالي القرية أنهم خطفوا المرأة إلى جهات مجهولة في ناحية جنديرس.

ومن جهة أخرى أفادت مصادر محلية من عفرين بأن جيش الاحتلال التركي ومرتزقته اختطفوا الفتاة "زوزان بشير سليمان" على حاجز ترندة المؤدي إلى مدينة عفرين، يوم الجمعة بتاريخ 20/ نيسان العام الجاري.

على لسان الضحية

وعلى لسان المرأة" ش، م" التي اختطفت من قبل مرتزقة جيش الاحتلال التركي وتعرضت للتعذيب وما تزال تعيش تحت رحمة المرتزقة في عفرين، تقول عبر تسجيل صوتي :"قاموا باقتحام منزلنا رجالاً طويلي اللحية بشكل فجائي وقاموا باعتقالنا أنا، رفيقتي، والدتها وأخاها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً تحت الضغط والتهديد."

" قاموا بعصب أعيينا بحيث أننا لم نتعرف على الوجهة يأخذونا إليها، وبعدها علمنا أنه تم اقتيادنا إلى محكمة مركز عفرين، هذا وقد بلغ عددنا ما يناهز 18 امرأة، كافة النساء عشن التعذيب لدرجة أنهنَّ لم تتمكنَّ من النهوض."

وأفادت "ش.م" أنه تم تعذيبها وصديقتها من خلال تعليقهما من قدميهما جاعلين رأسيهما إلى الأسفل وتم تعذيبهنَّ بالصدمات الكهربائية، مبينة بقولها" لم أعلم إلى متى استمر التعذيب لكنني عندما صحيت لم أتمكن من التنفس. عانيت بعدها من الرجفان والأرق عندما نظرت إلى صديقتي كانت تعاني مثلي وعندما سألتها ماذا فعلوا بنا؟ لم تتمكن من إجابتي من شدة التعذيب."

كما أقدم المرتزقة على اختطاف امرأة من ناحية شيه (خ .ر) 21 عاماً، كانت متزوجة قبل خطفها بستة أشهر وحامل في شهرها الثاني وقد اجهضت جنينها إثر العمل الوحشي.

وكما عثر أهالي قرية كوركا فوقاني التابعة لناحية موباتا على جثة امرأة مجهولة الهوية في العقد الثالث من العمر مرمية داخل أحد المنازل، ظهرت عليها آثار التعذيب وقطع لشرايين يديها، كما ظهر على عنقها آثار للخنق.

وبحسب ما أفادت به مصادر من قرية شيتكا التابعة لناحية موباتا فقد اغتصب المرتزقة امرأتين، بالإضافة لخطف 13 شابة من القرية بحجة التحقيق معهم، وكما اختطف 3 شابات من قرية عبيدان التابعة لناحية بلبلة وحتى الآن مصيرهم مجهول.

الأمر الذي يندى له الجبين هو أن مرتزقة جيش الاحتلال التركي اغتصبوا 3 فتيات قاصرات في الخامسة عشر من عمرهن، كما يقوم المرتزقة بنزع الأقراط من آذان النساء بأياديهم.

زواج قاصر

ولعل قصة الطفلة ياسمين البالغة من العمر 12 عاماً، هي واحدة من مئات القصص والمآسي التي عاناها أهالي عفرين وبقيت طي الكتمان، ياسمين الفتاة التي أجبرت على الزواج من مرتزق يكبرها بعقدين من الزمن، ورغم رفض الأهل تزويجها عنوة، إلا أن المرتزقة أخذوها من بيت ذويها الواقع في ناحية شيه بعد تهديدهم بالقتل إن رفضوا.

ويعتبر الاغتصاب جريمة بموجب القانون الدولي الذي أصدر من قبل المحكمة الجنائية الدولية في شباط عام 1998.

انتفاضة المرأة بوجه المحتل

عرفت طعم الحرية قبل الاحتلال، لم تبقَ صامتة في ظل الاحتلال أيضاً، فالعديد من النساء تعرضن للضرب والإهانة نتيجة وقوفهن في وجه مرتزقة الاحتلال التركي ومحاولة منعهم من اعتقال أولادهن وسرقة ممتلكاتهن، ومنهن "س- م" وهي واحدة من اللواتي انتفضن في وجه الاحتلال ومنعت المرتزقة من اختطاف ولدها، وتسكن هذه الأم في إحدى قرى شيراوا وعرفت بين أهالي القرية بقوتها وتوجيهها أهالي القرية لأن يكونوا يداً واحدة في وجه الاحتلال.

وهناك أمثلة حية أخرى على نضال النساء في عفرين في ظل الاحتلال، ولعل أبرزها المظاهرات النسائية التي خرجت في جندريسه قبل أشهر نتيجة اعتقال المرتزقة الرجال في الحارة التحتانية، إذ انتفضت النساء على مدار يومين متتاليين في وجه الاحتلال ومرتزقته دون خوف أو تردد.

حماية حقوق المرأة في القانون الدولي

لقد أثیر الكثير من الجدل حول قدرة القانون الدولي على منع استخدام العنف ضد النساء في فترة النزاعات والصراعات المسلحة وفي الفترة التي تلي تلك الحروب، باعتبار أن القانون الدولي لازال قاصراً عن تحقیق تلك الحمایة.

ونستدل هنا ببعض من تلك القواعد أو القوانين أو الاتفاقات التي من المفترض أن تحمي المرأة أثناء النزاعات وزمن الحروب.

موضوع حماية النساء في الوقت الحاضر سواء كان في نطاق القوانين الداخلية أو الدولية يحتل مكاناً واسعاً وبارزاً وإن ما يدل على ذلك هو أنه توجد فقط في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين، ما يقارب (40) مادة من إجمالي (560) مادة تخص النساء.

وبالرغم من أن هذه القواعد أصبحت دولية إلا أن الانتهاكات ازدادت وكثرت بشكل كبير، وكان قد أصدرت الجمعية العامة في عام 1974 الإعلان المتعلق بحماية النساء والأطفال أثناء الحالات الطارئة والمنازعات المسلحة.

وكذلك ما اعتمدته اللجنة الفرعية التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر منذ عام 1991 القرار 1989/24 بشأن حقوق الإنسان في وقت النزاعات المسلحة.

ولكن وجود آلية لتحقيق العدالة، لا يعنى الاستطاعة على تطبيق ذلك عملياً، حيث لا يزال هناك من لا يحاسب على حالات الاعتداء الجنسي أو الاغتصاب خلال النزاعات.

وعلى الرغم من وجود قرارات للأمم المتحدة تنص بوضوح على وجوب التزام الدول بتقديم الرعاية الصحية لمن يحتاج إليها من الضحايا في مرحلة ما بعد الصراعات، فإنه لا يتم تخصيص الموارد الكافية لمعظم المرافق لحماية حقوق المرأة.

(آ أ)

ANHA