فرهاد شامي 

يضيق الوقت على الاحتلال التركي بخصوص تنفيذ اتفاقية سوتشي الأخيرة مع روسيا في إدلب، ومن غير الواضح بعد فيما إذا كانت تركيا ستلجأ إلى القوة العسكرية أو المرونة لتنفيذ الخطوة الأولى أم لا، وخاصة أن التردد هو سيد الموقف لدى جميع الأطراف التابعة لتركيا من غير أن تقتنع تماماً لهذه اللحظة أن تركيا ساومت على وجودهم مقابل مصالحها ومن الممكن أن تلجأ إلى بيعهم في أقرب فرصة ممكنة، هذا إن لم تكن قد باعتهم بالفعل.

فالخطوة الأولى التي من المفترض تنفيذها بحلول 15 تشرين الأول الجاري وتنص على سحب السلاح الثقيل من المنطقة منزوعة السلاح لا يزال تطبيقها يمر ببعض الصعوبات التي لن تعيقها طويلاً فيما يبدو، على الرغم من أن الأطراف التابعة لتركيا لم تجد لحد الآن المبرر الكافي والمقنع للإقدام على هكذا خطوة، وهي بعيدة بالفعل في الإجابة على تخوفات جمهورها وتساؤلاتهم فيما إذا قام النظام وروسيا وإيران بإيجاد حجة جديدة للهجوم أو فرض اتفاقيات تكميلية أخرى من الممكن أن تؤدي إلى المزيد من الضغط عليها واستنزافها وفرض واقع جديد عليها، وخاصة أن التصريحات الروسية المستفزة والمتكررة حول مدة الاتفاقية المؤقتة وأهدافها المتمثلة في التخلص من تلك الجماعات،  لم تزعج تركيا ولم نتلمس منها أيّ ردة فعل قد تُبعد الشبهات عن مساوماتها مع روسيا على حساب مجموعاتها المرتزقة، كما لم تتمكن من بعث الأمل في المجموعات المرتزقة حول بقائها العسكري والسياسي في المستقبل القريب والبعيد، في حين يتحدث النظام وحلفاؤه بكل ثقة عن مخططاتهم في تلك المنطقة، حيث شكلت الاتفاقية فرصة زمنية أخرى للنظام لتعزيز مواقعه في أرياف حماة وحلب الشمالية والشرقية والغربية التي كانت من الممكن أن تشكّل ثغرة تستغلها المجموعات المرتزقة لقلب المعادلة العسكرية في حال إطلاق معركة إدلب دون إغلاقها بشكل محكم، وهذا ما جرى ولا يزال يجري، ففضلاً عن تعزيز المواقع على أطراف إدلب، يلجأ النظام بشكل يومي تحت غطاء طائرات الاستطلاع الروسية لتحريك أسلحته الثقيلة وقطعاته العسكرية في المنطقة الممتدة من ريف حماة – إدلب – أرياف حلب، وتسجل تلك التحركات في إطار الاستعداد لمعركة قد تبدو قريبة إن ساعدت الظروف السياسية الإقليمية والدولية النظام.

مما لا شك فيه أن تركيا نجحت في فرض أجنداتها على مجموعاتها المرتزقة وإن فقدت جزءاً كبيراً من احترامها مع اتضاح دورها في انهيار مناطق سيطرة تلك المجموعات الواحدة تلو الأخرى، وهي مجبرة على العمل بكل قوتها لتنفيذ خطوات اتفاقية سوتشي، ولن يعيبها رفض الاتفاقية من قبل بعض الأطراف وستطلب المزيد من الوقت إن لم تستطع الوفاء بوعودها في الوقت المحدد، كما لن تبخل روسيا في منحها المزيد من الفرص لتنفيذ ذلك، حيث من المحال لروسيا الحصول على فرصة أثمن كتلك التي وعدتها تركيا بها في التخلص من سطوة المجموعات المتشددة كالهيئة، وتأمين مناطق النفوذ الروسي وقواعده العسكرية طواعية، وقد تدخل تركيا في معركة وهمية شبيهة بمعركتها الوهمية ضد داعش في جرابلس في عام 2016، تحافظ بها على مرتزقتها الذين جلبتهم ودربتهم، ولتكسب من جانب آخر سمعة جيدة في محاربتها الشكلية الإرهاب المتمثل بهيئة تحرير الشام وحراس الدين، وتعزز وجودها العسكري في المنطقة للحجة ذاتها، ولا نعلم إن كانت روسيا مجبرة على تصديق تركيا في حال قيامها بمعركتها الوهمية وهي –روسيا- أكدت مراراً على ضرورة التخلص الفعلي من الإرهابيين دون الدخول في صفقات جانبية أخرى.

تنفيذ الخطوة الأولى من الاتفاقية من قبل تركيا لا يعني بأنها باتت في مأمن في الملف السوري وملف إدلب بشكل خاص، وهي ليست في أحسن حالاتها على مرور الأعوام الستة الماضية، وباتت الآن وأكثر من أي وقت مضى في مأزقٍ حقيقي وحذر، ومدعوة للابتعاد عن المناورة وإقناع الروس بنقل الاتفاقية من حالتها العسكرية البحتة إلى المفاوضات السياسية، كما هي بحاجة الآن إلى القيام بمهمة شبه مستحيلة في تأكيد رهاناتها المرتبكة بخصوص ضبط مرتزقتها وإقناعهم بالسقف المنخفض من المطالب دون إبداء أية ضمانات ملموسة تسهم في بلورة رؤية قد تبعد الخوف عنهم من النظام وحلفائه، وليس بعيداً عن ذلك، فإن أمام تركيا مهمة شاقة تستعرض بها جهدها أمام المتفرج الروسي- الإيراني – السوري، وهي لن تكون بعيدة عن الفشل مع إصرار الطرف الآخر على الحل العسكري في إدلب الذي فيما يبدو لم يغب عن بال الأطراف كلها، تأكيداً على استحالة التعايش بينهم لا في الحاضر ولا في المستقبل، وهو ما لا تستطيع تركيا التكيف معه  على المدى الطويل مع اصطدام أطماعها الاستعمارية بأطماع روسية – إيرانية تبدو أكبر وأكثر ثقلاً وأصالة في الملف السوري إجمالاً، وهو ما سيؤجج الصراع مجدداً مع مرور الزمن، حيث لن تكون التطورات في عموم الملف السوري في صالح تركيا التي دأبت دوماً على تقسيم القضية وتفتيتها أملاً في الحصول على حصتها.

إلى ذلك الحين، ومع قرب انتهاء المهلة الزمنية المحددة لتنفيذ الخطوة الأولى وهي سحب السلاح الثقيل من المنطقة منزوعة السلاح المفترض تشكيلها حتى منتصف الشهر الجاري، فإن بوادر التحرك الحذر من قبل الفصائل المرتزقة للتنفيذ وسحب سلاحها قد ظهرت خلال الأيام الماضية، في حين لا يزال موقف هيئة تحرير الشام غامضاً لحد اللحظة وسط تقديرات بموافقتها المبطنة، فيما تفضل الاستخبارات التركية MIT التي خولها أردوغان الضغط على الفصائل المرتزقة العمل بهدوء من خلال اجتماعات يومية تعقدها مع الفصائل المرتزقة بما فيها هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية من قبلها، وتبقى النقاط المبهمة في الاتفاقية المتعلقة بمساحة وموقع المنطقة العازلة ومسألة الدوريات الروسية والتزامات القوى العسكرية للنظام ومستقبلها ومدتها الزمنية كما هي دون إيضاح، لتزيد على تنفيذ الاتفاقية مصاعب أخرى من الصعب التكهن بفترة وكيفية استمراريتها، أما الميول العدوانية لدى الطرفين –النظام والفصائل المرتزقة- وداعميهم فلن تزيل الأيادي عن الزناد في الفترة القليلة القادمة، لننتظر هوية المبادر في خرق الاتفاقية المحتوم مع اتضاح عدم جدية الأطراف كلها في حل المسألة وفق ما تقتضيه مصالح السوريين أنفسهم، ومقارباتها المعتمدة على فكرة من يربح أولاً وأكثر على حساب الدم السوري.

(ك)