لزكين إبراهيم

قبل عدة سنوات سيطر الرعب والخوف على العالم مع بروز التنظيمات والمجموعات الإرهابية المتطرفة التي ظهرت بأبشع صور التوحش والرافعة لشعار “جئناكم بالذبح”، والمتمثل بداعش وأخواتها التي شكّلت هاجس الرعب لدى دول الغرب وأوربا بشكل خاص.

وليس سراً أن تركيا طيلة الأعوام الماضية من الأزمة السورية كانت تعتبر رأس الأفعى للإرهاب العالمي، ولكن العالم يتغاضى عن ضرب ذلك الرأس، ويشغل نفسه بذيله الذي تحركه  تركيا من مكان إلى آخر، كلما تلقّت الضربات وضاقت بهم الأرض، واليوم وبعد القضاء الشبه كامل على داعش من قبل قوات سوريا الديمقراطية، جاءت ردة فعل أردوغان سريعة وأعلن أن تركيا ستلعب دور داعش، ولكن ما زاد الأمر سوءاً تمرير إرهابه ضد الشعوب بقناع الشرعية الدولية، ويهاجم الجميع كذئب طليق دون أن يوقفه أحد عند حده، فأوروبا تخشاه  لأنه  يهدّدها بإغراقها باللاجئين علناً وبالإرهابيين بشكل مبطن في حال خرجت عن صمتها.

فأمريكا لا تريد خسارة حليفها الاستراتيجي في المنطقة والدخول في حضن الروس وإيران، وروسيا تستفيد منها في كبح المجموعات المرتزقة والإرهابية كجبهة النصرة وغيرها في سوريا وتصفيتهم بيد تركيا عبر إبرام الاتفاقات العلنية والسرية معها، لذا تصمت كل تلك الأطراف على انتهاكاتها لأن الأولوية لديهم هي مصالحهم، ونفوذهم في المنطقة، وإن كان ذلك على حساب دماء الشعوب، وهنا تظهر الصورة الحقيقية للانحطاط الأخلاقي لسياسات الدول الرأسمالية التي تستخدم السياسة على مبدأ التجارة وتحسب أرباحها فقط دون الالتفات إلى الجانب الإنساني والأخلاقي من وراء سياساتها، وما تجرّ خلفها من مجازر وسفك لدماء الشعوب.

ومعركة عفرين أسقطت الأقنعة عن كافة الوجوه، وأظهرت بشاعة من كانوا يتحدثون عن الديمقراطية والسلام والادعاء بمحاربة الإرهاب، واليوم نرى أن من حاربوا الإرهاب بكل حزم نيابة عن العالم، يعلن أردوغان الحرب ضدهم ويصفهم "بالإرهابيين"! وسط صمت دولي وبمباركة من البعض الذين يشرعنون إرهاب تركيا بحق الشعوب بحجة أنها دولة شرعية معترف بها دولياً!.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل المجازر التي ترتكبها الجيوش المنظمة تصبح قانونية وشرعية في قاموس العولمة وحضارة القرن الواحد والعشرين؟!، فقط لأن هذه الجيوش انطلقت من دولة لها حكومتها ودستورها، دون الالتفات لجرائم هذه الجيوش؟! أليس إرهاب الدولة المنظم أخطر وأشد من إرهاب المنظمات والجماعات على الشعوب؟.

فمصطلح “الإرهاب” الذي يتصدر عناوين الصحف والنشرات الإخبارية لا يزال موضوعًا إشكاليًّا من حيث تحديد مفهومه وتاريخ ظهوره، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، اقترن الإرهاب العالمي في الأذهان بالتطرف الإسلامي، ومن تبعات أحداث 11 سبتمبر أن الدولة السلطوية وجدت في مسمى الإرهاب ذريعة قوية لإحكام قبضتها على الحريات الفردية وحقوق الجماعة دون خوف من لوم أو تأنيب الدول ذات النفوذ، أو من الجماهير المحكومة بالقهر. لكن في المقابل تم تغييب ظاهرة إرهاب الدولة المنظم.

ورغم ظاهرة التوظيف الخبيث للتسمية من قبل النظم القمعية، وتبرير السياسات الاستعمارية بها إلا أن الأصل التاريخي والمعاصر للظاهرة هو إرهاب الدولة ضد الفرد أو الجماعة أو التنظيم السلمي أو الطائفة الدينية أو العرقية، فالمعروف أن الدولة الديكتاتورية القمعية التي تتخفّى في عباءة الديمقراطية الزائفة تملك من الوسائل الأمنية والبوليسية وأجهزة المخابرات والقوات المسلحة، ومن المعتقلات ووسائل التعذيب والاستنطاق ما يفوق بمراحل قدرة الفرد أو الجماعة على الدفاع عن نفسها أو القيام بعمليات إرهابية أو حروب عصابات تزعزع كيان الدولة.

ومع أن كافة الدول والحكومات تمارس الإرهاب بأشكاله  المختلفة، إلا أن نموذج الدولة التركية هو الشكل الصارخ لها والتي وصلت لأعلى درجات إرهاب الدولة من حيث انتهاجها كافة أساليب الإرهاب الممنهج وغير الممنهج، ضد شعبها وضد باقي الشعوب، ضمن حدودها وخارجه، وارتكاب جرائمها كافة ضد ضحاياها بتهمة أنهم إرهابيون!! فتتخذ من السياسية والدين والعلمانية والقوموية وغيرها أساليباً لتمرير إرهابها وإسكات كافة الأطراف التي قد تعارضها.

وما يثير السخرية أن تركيا تمارس إرهاب دولة علني وتتهم كل ضحاياها بأنهم إرهابيون، ووصل بها الأمر لاتهام كل من يتعاطف أو يدافع عن ضحايا إرهابها بأنهم إرهابيون!! فحتى الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت على لائحة الاتهام بالإرهاب لدى تركيا لأنها تدعم الكرد في سوريا، وكل دولة أوربية تدعو تركيا لوقف مجازرها وانتهاكاتها التي لم يعد بالإمكان التستر عليها توجه إليهم تركيا تهمة الإرهاب.

فتركيا خلطت كافة الأوراق ببعضها وبات مفهوم الإرهاب ضبابياً وقلبتها رأساً على عقب، فباتت إبادة الشعوب بحسب القاموس التركي على يد الدولة شرعياً بينما انتفاض الشعوب دفاعاً عن نفسها هو الإرهاب، وبات احتلال أراضي باقي الشعوب شرعياً ودفاع الشعوب عن أرضها إرهاباً، ومعارضة سياسات الدولة أو حاكمها أو انتقاده إرهاباً!!.

وتحت تهمة الإرهاب أو دعمه أو الدعاية له زجت تركيا بالآلاف من السياسيين والبرلمانيين والصحفيين والحقوقيين والمناضلين في السجون، بالإضافة إلى عمليات التصفية والاغتيالات الممنهجة بحق عدد آخر.

إذاً تركيا التي باتت تمثل رأس الهرم في الإرهاب الدولتي الممنهج في القرن الواحد والعشرين تستخدم اليوم مصطلح الإرهاب كشماعة لتبرير كافة مجازرها، وكل ذلك يجري أمام أعين العالم المتفرج دون أن يحركوا ساكناً لأن تركيا “دولة شرعية” بحسب القانون الدولي، وإرهابها يعد مبرراً لأنها “دولة”. أما ضحايا إرهاب هذه الدولة فيتحولون إلى إرهابيين لأن من تقتلهم هي الدولة!!

وعدوان تركيا الأخير على عفرين يمثل قمة إرهاب الدولة بانتهاك سيادة دول الجوار أولاً واحتلال أرض الغير ثانياً وارتكاب المجازر بحق المدنيين والأطفال ثالثاً وتدمير البنية التحتية للمدن وتدمير أثارها التاريخية وأماكنها المقدسة رابعاً واتباع سياسات التهجير الجماعي والتطهير العرقي بحق الشعوب والسعي لتغيير ديمغرافية المنطقة، وغيرها الكثير من الانتهاكات التي تدخل كلها تحت خانة الإرهاب والجرائم بحق الإنسانية، ورغم ذلك يواجه بصمت دولي وعالمي ودون محاسبة من أية جهة.

وعليه فإن إرهاب الدولة يشكل أخطر أنواع الإرهاب وهو الأكثر تناقضاً مع مبادئ ومعايير القانون الدولي، وأسوأ ما في هذا النوع من الإرهاب أن من يقوم به هي الجهة المنوط بها حماية الناس، حيث أن الوظيفة الأساسية للدولة -أي دولة- هي حماية الناس، كما أن السلاح المستخدم في هذا النوع من الإرهاب هو ذلك الذي اشتراه المواطنون بأموالهم وبالضرائب التي دفعوها، فإذا به يُستخدم لترويعهم وقتلهم، أما الضالعون بهذا النوع من الإرهاب فهم الأقدر على الإفلات من العقاب، وإرهاب الدولة هو أعلى أشكال الإرهاب، كونه يعدّ شرعيًا وفق القانون المحلي، وهو يمارس من الأجهزة الحكومية الرسمية، ما يجعله إرهابًا منظمًا تجيزه الدولة. ويشمل إرهاب الدولة “الاحتلال، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب والإبادة الجماعية ويتجاوز في عنفه ووحشيته مختلف الأعمال الإجرامية العمدية ضد الشعوب والدول. ليصل إلى سحق الدول وشعوبها وسحق حضاراتها وثقافتها وهوياتها على مرأى ومسمع من الضمير الإنساني”، وكل هذه الأمور تمارسها تركيا اليوم دون حرج أو محاسبة من أحد.

بطبيعة الحال هناك توجه عام في وسائل الإعلام الكبرى، إلى الإغراق بمصطلحات وتعابير تؤدي إلى تشويه الحقيقة، وهذه الظاهرة ساهمت بشكل أساسي في خلط الأوراق في الوعي الجماهيري العام، بحيث أصبح هناك خلط خطير بين النضال التحرري الوطني وبين الإرهاب، وعليه أصبح الدفاع عن الحرية والكرامة واسترداد الحقوق المسلوبة إرهاباً، وأصبح العدوان على الفرد والجماعة والوطن حقناً للإرهاب!.

كلنا يعلم أنه وفي عام 2014 تم تشكيل تحالف دولي يضم أكثر من 20 دولة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب والذي تمثل  بتنظيم داعش، وكان له دور إيجابي للقضاء عليه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا عن إرهاب الدولة؟؟ أليس هناك حاجة اليوم لتشكيل تحالف مماثل في مواجهة إرهاب الدول أيضاً؟ أم أن الدول بصفتها الشرعية ستبقى تتملص من المحاسبة على جرائمها وانتهاكاتها؟ وإلى متى سيبقى المجتمع الدولي ينتهج إزدواجية المعايير في مواجهة الإرهاب؟

ANHA