خداع للفلسطينيين وعين على الموصل وكركوك

يحيى الحبيب / مركز الأخبار

تحرّكت تركيا في الأعوام السابقة بقيادة رجب طيب أردوغان في مسارات مختلفة بل ومتناقضة، لكنها تهدف إلى تحقيق هدف واحد، هو توسيع هيمنتها ونفوذها في المنطقة، خاصة في دول الجوار. وعانت الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط إجمالاً من ما سمي بسياسة التحرش من قبل الدولة التركية طيلة الأعوام السابقة التي وصفها الكثيرون بالحرباء التي تغير مشاريعها وخططها عند محاولتها التدخل بأي دولة. وفي هذا الجزء سيتم التطرق إلى التدخل التركي في الشأنين الفلسطيني والعراقي.

وصول رجب طيب أردوغان لرئاسة الحكومة عام 2003، ولاحقاً للرئاسة التركية عام 2014، شكّل مرحلة جديدة في السياسة التركية، وتزامن ذلك مع الاحتجاجات في الدول العربية ضد أنظمتها الدكتاتورية أو ما يعرف بربيع الشعوب، وقد سعت تركيا في بداية هذه الاحتجاجات لأن يلعب الإخوان المسلمون دوراً رئيسياً فيها، وهذا ما سيعزز الدور التركي فيها، ويفرض “عثمانية” جديدة على المنطقة.

ومنذ بداية دخوله إلى الساحة السياسية في تركيا، عمل على محاولة كسب مشاعر الأتراك والمسلمين بشعارته المتناقضة مع أفعاله, عمل جاهداً كما وصفه أحد السياسيين على "أن يملأ الدنيا ويشغل الناس ففي كل عرس له قرص" يهوى الخطابة ويطوع الكلمات وتجيش عنده العواطف.

"المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا، والمؤمنون جنودنا”. استعارة بيانية قالها لاستجداء مشاعر المسلمين وهو أيضاً من قال “نحمل مشاعر جيش صلاح الدين الأيوبي وهو يتقدم نحو القدس” لكي يلعب وكعداته على أوجاع الفلسطينيين.

أنه رجب طيب أردوغان صاحب مشروع سلطوي إمبراطوري يمتطي شعار الديمقراطية أحياناً، ويستعين بالإسلام غالباً لاسترجاع المجد, ولا ضرر عنده إذا استخدم الدراما التركية لتحقيق أحلامه، فالمجد والمصالح هدفه أياً كانت الوسيلة.

أردوغان وفلسطين.. شعارات كاذبة للتغطية على أهدافه التوسعية

وانتهج أردوغان في التعامل مع الدول العربية سياسة استجداء عواطف شعوبها، حيث دأب على استغلال كل ما يلامس تطلعات شعوب المنطقة ومن ثم المتاجرة بها والانقلاب عليها، فاستغل ما يسمى الربيع العربي وحوله بدعمه للتنظيمات الإرهابية، إلى خريف عربي أتى بالويلات والحروب على المنطقة، وتاجر بالخلافات الطائفية بين السنة والشيعة وكرس الحقد في العالم الإسلامي، ويستغل القضية الفلسطينية رغم أنه اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

واستغل أردوغان القضية الفلسطينية كشعارات وتهويل في الإعلام على الرغم من ازدهار العلاقات التركية – الإسرائيلية الاقتصادية منها خصوصاً بالرغم من ما تروجه الحكومة التركية، حيث بدأ من سفينة مرمرة والتي جعلها أردوغان وقتها حديث العالم نتيجة تصريحاته اليومية.

واتخذّت قضية الاعتداء على سفينة “مافي مرمرة” أبعاداً خارجية في السياسة التركية، وهو ما ظهر جلياً في خطابات أردوغان تجاه الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث صعّدت تركيا إعلامياً من الحملة المناوئة للحصار الإسرائيلي.

وكان من شروط إعادة تطبيع العلاقات التركية – الإسرائيلية، بحسب ما صرّح به أردوغان أكثر من مرّة: “رفع الحصار الجائر عن القطاع”. وطوال سنوات أزمة سفينة مرمرة ظل الموقف التركي المعادي لإسرائيل محصوراً بالتصريحات الإعلامية فقط.

وفي الفترة التي كانت تقول تركيا إنها قطعت علاقاتها مع إسرائيل كان ميزان التبادل التجاري بين البلدين يشهد ارتفاعاً غير مسبوق، حيث كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية كيف كان أردوغان يصعد هجومه الإعلامي على إسرائيل عقب أحداث سفينة مرمرة، فيما كان ابن أردوغان أحمد براق أردوغان (الابن البكر لأردوغان) صاحب شركة MB للنقل البحري يفاوض ويعقد صفقات متتالية مع “تل أبيب”، لم تنقطع حتى في عز ما سمي “أزمة العلاقات التركية – الإسرائيلية” وفي هذا السياق، كشفت الصحيفة النقاب عن مواصلة نجل أردوغان عقد الصفقات التجارية مع إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم يوم 27 حزيران 2016 توصل الطرفين الإسرائيلي والتركي في العاصمة الإيطالية روما، إلى تفاهم حول تطبيع العلاقات بينهما، ووافق عليه البرلمان التركي في الـ 20 من آب 2016، ولكن تطبيع العلاقات خيّب آمال الفلسطينيين واستبعد أردوغان من شروط إعادة التطبيع قضية رفع الحصار. ليس هذا وحسب، بل كتب في نهاية اتفاقية التطبيع، التي وقعت عليها تركيا "القدس عاصمة إسرائيل وأنقرة عاصمة تركيا".

أردوغان حينما كان رئيساً لوزراء تركيا، زار إسرائيل في الأول من أيام عام 2005، على رأس وفد كبير من الوزراء وكبار الموظفين ورجال الأعمال، والتقى مع الرئيس الإسرائيلي موشي كاتساف، ووزير الخارجية سيلفان شالوم ورئيس مجلس الوزراء ارييل شارون.

وفور وصوله، توجه أردوغان إلى مقر الرئيس الاسرائيلي موشيه كاتساف في أراضي القدس التي تسيطر عليها إسرائيل، وزار نصب “ياد فاشيم” المشيد لتكريم ذكرى ضحايا محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية. وعندما التقى أردوغان بارييل شارون في القدس رحب به شارون وقال “مرحبا بك في القدس مدينتنا المقدسة عاصمة إسرائيل”، ولكن أردوغان كان يبتسم لشارون ولم يبدي أية ردة فعل في تأكيد على موافقته على حديث شارون.

استخدم أردوغان القضية الفلسطينية للتغطية على تدخلاته في الدول العربية ويرى مراقبون بأن أردوغان صاحب شعارات كاذبة واستغل أزمة القدس ليعبر من خلالها عن غضبه من الرئيس الأميركي وأن أردوغان يعتبر إسرائيل الممر الرئيسي للأموال والأسواق العالمية، فيما تعتبر إسرائيل تركيا مفتاحاً وموقعاً استراتيجياً للسيطرة على الشرق الأوسط.

ويبقى الملفت للانتباه أن شركات البناء التي تعمل على بناء المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية منذ تسعينيات القرن الماضي هي شركات تركية، مثل شركة "يلمز لار" التركية المختصة في البناء التي تم تمديد رخصتها في إسرائيل سنة 2002 بموجب اتفاق بين السلطات الإسرائيلية ونظيرتها التركية.

بالإرهاب والمياه .. الأعين التركية على الموصل وكركوك

أما في العراق بقيت الموصل وكركوك في نصب الأعين التركية، في الحقيقة أن تركيا عينها على الموصل وكركوك منذ معاهدة سيفر في أعقاب الحرب العالمية الأولى والمتضمنة فصل العراق عن الدولة العثمانية عام 1920والتي رفض يومها الرئيس التركي كمال أتاتورك التوقيع عليها، فالأتراك يعتقدون أن الموصل امتداد طبيعي لهضبة الأناضول وأن الكرد والأتراك الموجودين فيها وكذلك في كركوك هم من أصول تركية !!.

منذ عام 1991 وحتى عام 2003م كانت القوات التركية تشن هجمات متكررة حتى قبل انسحابها قامت بهجوم واسع أسمته (فولاذ). وفي عام 1995م طالب الرئيس التركي سليمان ديميرل بإعادة ترسيم الحدود مع العراق وضم الموصل وكركوك إلى تركيا!!

بعد عام 2003 م تعاملت تركيا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وعقدت العديد من الاتفاقيات معه وأهمها عقود النفط التي بموجبها يتم تصدير نفط الإقليم عبر الأراضي التركية مقابل دولار عن كل برميل على أن تودع مبالغ العائدات في المصارف التركية !! وتعمل في الإقليم 1023 شركة تركية !

وتشير العديد من الدراسات إلى قيام تركيا بتأهيل قوات سنية تابعة لمحافظ نينوى السابق "أثيل النجيفى" على مستوى التدريب والتجهيز، والدعم الفني واللوجستي، من أجل الحصول على الدعم الكافي من المسلمين السنة في العراق وكسبهم إلى جانبه واستخدامهم لأمور استخباراتية أو تنفيذ بعض العمليات، بالإضافة إلى الدعم التركي للتركمان في العراق منذ عشرات السنين.

ورعت تركيا الإرهاب وتعاملت مع المنظمات الإرهابية على أنها دول يتم التفاوض معها، وكانت تخطط بالتنسيق مع هذه المنظمات لاستعادة الموصل، فقصة القنصل التركي في الموصل أثناء دخول مرتزقة داعش، ومعه طاقم القنصلية الذين أعيدوا إلى تركيا بشفافية عالية ودون أذى رغم أن داعش مارس مهنة القتل والذبح والتدمير مع بداية دخوله الموصل، يؤكد التعامل التركي مع الإرهاب.

ليس هذا فقط، بل باشرت تركيا ببيع النفط المنهوب من العراق لصالح التنظيمات الإرهابية وبأسعار زهيدة؛ وقد كشفت المخابرات الروسية تفاصيل عملية البيع والشراء، ناهيك عن التسهيلات الكبيرة التي منحتها تركيا للمنظمات الإرهابية عبر عمليات المرور من خلال أراضيها وتوفير معسكرات التدريب وغيرها من التسهيلات المالية كل هذا على حساب دماء الأبرياء من الشعب العراقي ومصير العراق !!

حتى يومنا هذا مازالت تركيا كلما يتم الإعداد للموازنة في البلد ترصد مبالغ (وهمية) إلى ولاية الموصل وكركوك !!.

وتشير المعلومات إلى أن هناك 14 قاعدة عسكرية تركية و4 قواعد استخباراتية تركية في العراق، وجميعها متواجدة في المناطق التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث تستغل تركيا وجود بعض التركمان في العراق وتدّعي حمايتهم ولكنها في الأساس تسعى لضم كركوك والموصل لأراضيها وهذا ما يفسر اختيار داعش الموصل وكركوك بشكل أساسي لشن الهجمات عليهما عندما اجتاح العراق عام 2014 وسيطر في شهر حزيران من نفس العام على الموصل، ولكنه فشل في السيطرة على كركوك.

وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية قدمت في 12 كانون الأول/ديسمبر من عام 2015 مذكرة احتجاج رسمي إلى مجلس الأمن الدولي حول الوجود العسكري التركي غير القانوني في العراق، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن هذه القوات موجودة منذ زمن وأنه لن يقبل بسحب القوات التركية من العراق.

ولم يقتصر الابتزاز التركي للعراق على العسكري والسياسي بل وصل أيضاً لقطع المياه، ففي خمسينيات القرن الماضي، اقترحت تركيا بناء سد إليسو، وهو مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية، وبدأت ببنائه عام 2006، على نهر دجلة بالقرب من قرية إليسو، على طول حدود محافظتي ماردين وشرناخ في باكور كردستان. وانتهت منه وافتتحته في فبراير/شباط 2018، وبدأت بملء خزانه المائي في أوائل يونيو/حزيران من العام الحالي.

وأثار مشروع السد غضباً دولياً لعدة أسباب، من أهمها انخفاض مستوى المياه المتدفقة إلى سوريا وإيران والعراق إلى جانب تأثر أكثر من 50 ألفاً من سكان المناطق المحيطة بمنطقة السد بباكور كردستان وخصوصاً في قرية إليسو وغيرها من القرى المحيطة التي ستغرق كلياً تحت مياه السد.

والغاية من مثل هذه المشاريع هو زيادة التأثير التركي في العراق وفرض بعض الشروط عليها، إذ تشن تركيا بين الحين والآخر هجمات على الشعب الكردي في باشور (جنوب كردستان) دون أن تبدي الحكومة العراقية موقفاً واضحاً، وآخر فصول التدخل التركي في الشأن العراقي كان عندما قصفت طائرة تركية العربة التي كانت تقل عضو منسقية المجتمع الإيزيدي زكي شنكالي ما أدى لاستشهاده وهو الذي لعب دوراً كبيراً في تخليص الإيزيديين من هجمات داعش المدعوم من قبل تركيا.

غداً: دعم الإرهابيين في سوريا والقضاء على الثورة

(ح)

ANHA