الانتخابات لن تكون نزيهة وبيضة القبان في يد الكرد

ميديا حنان/مركز الأخبار

منذ أن تولى أردوغان أول منصب له في بلدية اسطنبول عام 1998 عُرف عنه عدائه لعلمانية الدولة وسعيه لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية التي حكمت العالم العربي لـ 400 عام، وتسببت بالتخلف والفقر في هذه البلدان. وعندما وصل إلى رئاسة الوزراء عام 2003 بدأ بالتوغل في البلدان العربية من خلال محاولة تتريك البلدان العربية عبر الأفلام والمسلسلات وتبعها توقيع اتفاقيات لتوفير التعليم للفئة الشابة العربية في تركيا، بالإضافة إلى فخره بعدد الطلبة العرب الذين يدرسون في الجامعات التركية.

فشل سياسات أردوغان تجاه الدول العربية

سعى أردوغان منذ توليه السلطة في تركيا لتولي زعامة العالم الإسلامي وتنصيب نفسه خليفة عليهم، وأعلن ذلك بشكل صريح في نيسان عام 2016 خلال المؤتمر التركي — العربي للتعليم العالي الذي عقد في إسطنبول، عندما قال "هناك منظمة التعاون الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى الجامعة العربية"، وتساءل مستنكراً "لماذا نقول الجامعة العربية ولا نقول الجامعة الإسلامية؟!". فهو أظهر بذلك نيته لفض الجامعة العربية وجعل العرب تُبعاً لعله. ولكن البلدان العربية أدركت ذلك فقطعت الطريق أمامه من خلال منع سياسات التتريك التي حاولت تركيا ترسيخها في البلاد العربية وفي مقدمتها عندما أعلنت القنوات التلفزيونية السعودية التوقف عن عرض الأفلام التركية التي تروج للدولة العثمانية التي احتلت العرب.

كما فشلت سياسات أردوغان في التدخل بالدول العربية عن طريق الإخوان المسلمين، فإسقاط نظام الإخوان في مصر كشف الوجه الحقيقي لأردوغان، كما أن العزلة التي فرضتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين على قطر نتيجة دعمها للإرهاب والإخوان المسلمين ووقوف أردوغان إلى جانب قطر، عرّى سياسات أردوغان تجاه الدول العربية، كما أظهرت التقارير عن العلاقات الإسرائيلية التركية في عهد رجب طيب أردوغان عن نفاقه عند تحدثه عن القضية الفلسطينية، ورفض نواب حزب العدالة والتنمية التركي في منتصف أيار/مايو الماضي مقترحاً قدمه حزب الشعوب الديمقراطي بقطع العلاقات مع إسرائيل بعد المجازر الأخيرة في غزة.

كما فشلت سياسات أردوغان في التدخل العسكري بدول الجوار مثل سوريا، وعلى العكس من ذلك كشفت الصلة الوثيقة بين أردوغان وحزبه وداعش وجبهة النصرة (فرع القاعدة في بلاد الشام) ومجموعات إخوان المسلمين في الدول العربية، ونتيجة ذلك تأزمت العلاقات أيضاً بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وهذا ما سبب عزلة سياسية لرجب طيب أردوغان وحزبه وجعله منبوذاً في العالم العربي.

تزعزع الثقة بالجيش التركي

لطالما افتخر أردوغان بجيشه الذي يعتبر ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو، والعديد من الدول المجاورة كانت تخشى من هذا الجيش، لكن هذه الصورة التي كانت مزروعة في أذهان الجميع، انقلبت تماماً بعد العدوان التركي على عفرين، إذ استطاعت وحدات حماية الشعب بأسلحة خفيفة الوقوف بوجه طائرات ودبابات ومدفعية وعشرات الآلاف من جنود دولة الاحتلال التركي ومرتزقته على مدى شهرين متواصلين، وهذا ما سبب نكسة لأردوغان الذي بدأ بإطلاق الوعيد بالهجوم على مناطق سورية وعراقية.

أضف إلى ذلك إن هذا العدوان التركي على عفرين، ولّد السخط لدى المجتمع التركي الذي بدأ يتساءل عن سبب الزج بهم في معارك خارج تركيا لمصلحة أردوغان وحزبه، ما أدى لارتفاع الأصوات المعارضة له ومعه زاد القمع في البلاد، وهذا أدى إلى إضعاف شعبية أردوغان خصوصاً لدى الشعب الكردي في باكور (شمال كردستان) والذي يشكل ما يزيد عن 15 % من سكان تركيا، والتي تؤثر أصواته على تحديد هوية رئيس الدولة التركية المقبل.

وهذا ما يفسر أن أردوغان وبعد قمع على مدى سنوات للكرد ونعتهم بالإرهابيين بدأ يتملق مجدداً في محاولة منه كسب الشارع الكردي في باكور، إلا أن الشعب يعلم علم اليقين أن وصول أردوغان إلى الرئاسة مجدداً يعني تدمير مدن كردية أخرى عدا التي تم تدميرها، واعتقال ساسة آخرين والاستمرار بالقوانين العرفية ومنع التجوال في المناطق الكردية، وتشير استطلاعات الرأي أن الكرد لن يصوتوا لأردوغان وحزبه بل سيصوتون لحزب الشعوب الديمقراطي ومرشحه للرئاسة صلاح الدين دميرتاش الذي اعتقلته سلطات أردوغان منذ ما يزيد عن عام.

قطع منابع النفط عن تركيا وتدهور الاقتصاد

دخلت تركيا في مستنقع المآزق الاقتصادية، ولم يعد بإمكان أردوغان الانتظار أكثر من عام كامل لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، لأن تفاقم الأزمة الاقتصادية قللت من شعبية أردوغان، لذا يخشى أردوغان من ضياع أصوات المؤيدين له حتى في حزبه، لذلك أعلن إجراء الانتخابات المبكرة.

وفي الأساس فإن انخفاض قيمة الليرة التركية أمام العملات الأجنبية بدأ فعلياً عام 2015 عندما لم يتمكن حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات العامة في حزيران 2015، من الحصول على أغلبية الأصوات التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً. وزاد الانخفاض أكثر بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، ومع تصريحات أردوغان وتهديده بالتدخل في السياسة النقدية للبلاد فقدت الليرة التركية حوالي 20 % من قيمتها، بسبب تخوفات المستثمرين وعدم ثقتهم بأردوغان وسياساته الاقتصادية.

والوضع الاقتصادي يشكل هاجساً لدى حزب العدالة والتنمية، لأن الأزمة الاقتصادية تتفاقم في ظلّ تدهور الليرة التركية وتراجعها أمام الدولار، وفي الوقت ذاته تشهد العلاقات التركية أزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية أضف إلى ذلك الموقف الأوربي المناهض لتركيا، الأمر الذي قد تتبعه عقوبات اقتصادية، تنبئ بتدهور الحالة المعاشية للمواطنين الأتراك، وهذا بطبيعة الحال سيؤثر على الأصوات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية.

كما أن تدخل أردوغان عسكرياً في سوريا، كلفه الكثير، فأردوغان الذي عقد الصفقات مع داعش منذ احتلالها لمساحات واسعة من العراق وسوريا، واستفاد كثيراً من شراء النفط من داعش بأسعار رخيصة، حيث كان لتركيا الدور الرئيسي في تبييض أموال داعش، وادعى أن الفضل في التطور الاقتصادي الذي تشهده تركيا يعود لسياساته، ولكن منذ أن تم إبعاد داعش عن الحدود التركية، توقف تدفق النفط من مناطق داعش إلى حزب العدالة، وبالتالي بدأ الاقتصاد التركي بالتراجع كونه فقد أكبر الممولين، كما أن تركيا التي كانت تشتري النفط بأسعار زهيدة من داعش، كانت في نفس الوقت تبيعه الأسلحة والمعدات العسكرية، وكانت تحصل على موارد اقتصادية إضافية، لكن مع القضاء على داعش في منبج عام 2016 فقد أردوغان هذا المورد أيضاً.

وإلى جانب ذلك، كانت تركيا تستفيد من الدعم الأمريكي المقدم للمجموعات المرتبطة بتركيا تحت اسم المعارضة المعتدلة، ولكن توقف أمريكا عن تقديم هذا الدعم أجبر تركيا على تقديم دعم مالي لها على حساب الشعب التركي، كما أن احتلالها وعدوانها على عفرين والشمال السوري تسبب لها بخسائر اقتصادية كبيرة.

من أين حصلت عائلة أردوغان على هذه الأموال !

كشفت صحيفة بيلد الألمانية عن الفساد في عائلة رجب طيب أردوغان الذي لا يتجاوز دخله السنوي رسمياً 50 ألف يورو، بينما أولاده الأربعة "يغمرهم المال". وأشارت المجلة إلى أن أولاد أردوغان الذين معظمهم لا يعملون رسمياً، يعيشون في منازل فاخرة ولديهم مشاريع ربحية خاصة لا تتميز بشفافية.

وتملك عائلة أردوغان، حسب المجلة، خمس فيلات في مدينة اسطنبول تقدر قيمتها بستة ملايين يورو وجميعها تعود إلى ملكية ولدي الرئيس التركي أحمد وبلال.

وبحسب تقارير لصحف تركية، فإن أحمد أردوغان، الذي لديه مشروع خاص في قطاع النقل البحري، تقدر ثروته بـ80 مليون دولار على الأقل.

كما كشفت تقارير أن شركة النقل التابعة لنجل الرئيس التركي، بلال أردوغان، تنقل نفط إرهابيي "داعش". وبلال أردوغان متهم بتهريب النفط، الذي كان مصدره مناطق سوريا والعراق التي احتلها داعش، إلى بلدان آسيا إلى درجة أن وسائل إعلام محلية لقبته بـ"وزير نفط داعش".

لا يمكن أن تكون الانتخابات نزيهة في ظل قانون الطوارئ

في ذات اليوم (18 نيسان 2018) الذي أعلنه فيه أردوغان إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة في 24 حزيران الجاري، أقر البرلمان التركي الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية، للمرة السابعة تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر أخرى، والتي كانت قد أعلنت عقب الانقلاب الفاشل في تموز/يوليو 2016.

كل أطياف المعارضة التركية والمتابعين للوضع في تركيا وحتى الأمم المتحدة أكدت أن الانتخابات في ظل قانون الطوارئ لن تكون نزيهة وسيتلاعب بها أردوغان وحزبه اللذان يسيطران على كافة مفاصل الدولة.

المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين قال عن الانتخابات في ظل قانون الطوارئ: "من الصعوبة بمكان أن نتخيل كيف يمكن إجراء انتخابات تتسم بالمصداقية في بيئة تتعرض فيها الآراء المعارضة للحزب الحاكم لعقوبات قاسية". وندد الحسين بتمديد القيود المفروضة على حرية التعبير والاجتماع وتأسيس الجمعيات. ودعا "الحكومة التركية إلى رفع حالة الطوارئ على الفور، حتى يتمكن جميع مواطنيها من المشاركة بالكامل وعلى قدم المساواة في تسيير الشؤون العامة وممارسة حقهم في التصويت وإمكانية انتخابهم من دون قيود غير مبررة".

القانون الانتخابي يسهل عمليات التزوير والغش ويتيح للأمن التدخل

قبل تمديد حالة الطوارئ بأسبوع، وافق البرلمان التركي على قانون يعيد تنظيم قواعد الانتخابات وهو تشريع يفتح المجال للتزوير ويهدد نزاهة الانتخابات.

ويتيح القانون رسمياً تشكيل تحالفات انتخابية والذي استغله أردوغان بالتحالف مع حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهجلي من أجل ضمان أصوات حزبه للفوز في الانتخابات، أضف إلى ذلك فإن القانون يتيح للمجلس الأعلى للانتخابات سلطة دمج دوائر انتخابية ونقل صناديق اقتراع من دائرة لأخرى، كما سيتسنى تقديم بطاقات اقتراع لا تحمل أختاماً من لجان الانتخاب المحلية، ويسمح القانون أيضاً لأفراد الأمن بالدخول إلى مراكز الاقتراع إذا طلب ذلك منهم ناخب

وكافة هذه القرارات التي أقرها البرلمان التركي الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية، تشير إلى مدى تخوف أردوغان من الانتخابات القادمة، فتركيا تعيش عزلة من المحيط نتيجة السياسات الخاطئة ودعم أردوغان للمجموعات الإرهابية وتدخله عسكرياً في دول الجوار، والتدهور الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد وقمع الحريات وإسكات الإعلام والزج بالمعارضين في السجون وفصل كل من لا يعلن ولائه لأردوغان. وبالتالي أقر حزب العدالة هذه الانتخابات من أجل أن يكون قادراً على تزوير نتائج الانتخابات وأن ينقل صناديق الاقتراع إلى خارج الدوائر التي لا يحظى فيها بدعم قوي وغيرها من الأمور التي سيلجأ إليها حزب العدالة يوم الانتخابات.

بيضة القبان في يد الشعب الكردي

إن أردوغان فقد الكثير من الأصوات المؤيدة له نتيجة سوء سياساته، وحتى تحالفه مع حزب الحركة القومية الذي تعرض للانشقاق لن ينفعه كون هذا الحزب أيضاً فقد حوالي 50 % من أصواته بحسب بعض الاستطلاعات، لذا فإن بيضة القبان تبقى بيد الشعب الكردي في باكور (شمال كردستان)، والكرد بعد أن شن أردوغان عدواناً على عفرين لن يصوتوا لأردوغان حتى المحافظين الكرد سيصوتون لحزب الشعوب الديمقراطي ومرشحه للرئاسة صلاح الدين دميرتاش.

وأشارت بعض الاستطلاعات بعد انتخابات عام 2007 إن مصدر 20 % من أصوات أردوغان حصل عليها من الكرد المحافظين، إلا أن سياسات أردوغان على الكرد في تركيا وقمعهم المستمر وشن عدوان عسكري على مناطق الكرد في سوريا والعراق أفقد أردوغان تلك الأصوات، وبالتالي فإن الكرد بجناحيهم العلماني والمحافظ لن يصوتوا لحزب العدالة والتنمية، ويقول المتابعون للوضع في تركيا، إن الشعب الكردي في تركيا قادر على الإطاحة بأردوغان بعد أن شن العدوان على عفرين.

(ح)

ANHA