مركز الأخبار / يحيى الحبيب

كان واضحاً بعد هزيمة المشاريع التركية في الأراضي السورية والشرق الأوسط عموماً، مدى التخبط الذي عاشته القيادة التركية ممثلة برجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، الذي سرعان ما أرتمى في أحضان فلاديمير بوتين الذي سعى لإنقاذ تركيا من ورطتها واستعمالها لتحقيق المكاسب على الأرض السورية. وتلقفت الإدارة التركية التي كانت تعيش أزمة التوجه الروسي هذا كخيار وحيد للحدّ من الخسائر ومحاولة فرملتها، مع التطلع لتحقيق ما يمكن من مصالح دون دفع أثمان سياسية وميدانية باهظة.

على مدار، عام 2017، عقدت 8 جولات من اجتماعات آستانة فيما يخص الأزمة السورية, وعقدت أولى الجولات في 23 كانون الثاني 2017 وآخرها (الثامنة) كان في 21 كانون الأول 2017، ولكن هذه الجولات لم تأتي بحل لمعاناة السوريين ولكنها على العكس من ذلك سعت لتحقيق مصالح كل من روسيا وتركيا وإيران وشرعنت الاحتلال والتدخل عبر إقرار ما يسمى مناطق خفض التصعيد.

آستانه 4 تنهي المعارضة عبر ما سُمي بمناطق "خفض التصعيد"

جولات آستانة الـ8 التي توصلت خلالها تركيا مع الروس والإيرانيين إلى اتفاق من شأنه "تخفيف تصعيد العمليات القتالية" على كامل الجغرافية السورية، هذا ما كان في ظاهر الاتفاق لكن في باطنه كان وقفاً للقتال ضد النظام البعثي.

وكانت جولة آستانة 4 بمثابة إطلاق الرصاصة القاتلة التي أسكتت المجموعات المرتزقة الممولة تركياً، من قبل اللاعبين الإقليميين والدوليين بإعلانهم بدء تطبيق اتفاق "خفض التصعيد". هذه الاتفاقية وأتاحت المجال لحرب على من يسيطر على أكبر مساحة ي سوريا ألا وهو داعش المحارَب دولياً، ليزفّ النظام “الانتصار تلو الآخر” في البادية السورية، ولينتهي المطاف بتحقيق أولى أهداف أطراف الاتفاق الثلاثة، ألا وهو الطرف الإيراني، عبر فتح طريق متصل بري يربط طهران ببيروت، عبر بغداد ودمشق.

في فترة خفض التصعيد النظام يسيطر على أكثر من 65 ألف كلم مربع

أما ما حققه النظام وروسيا فيتمثل بإعلان استعادة أكثر من 65 ألف كلم مربع وفق توثيقات المنظّمات السوريّة العاملة على رصد الحرب على أرض بلادها، وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن المساحة التي كان النظام يسيطر عليها قبل آستانة بلغت 20 % من الأراضي السورية، أما الآن فبلغت 60 %، وهذا كان المكسب الأول والثاني للطرفين المشاركين إلى جانب النظام بشكل علنيّ واضح وظاهر.

تركيا تحتل أراضٍ سورية وتغير ديموغرافيتها

أما بالنسبة للطرف الأخير وهو تركيا، فعندما رأت أنها قاربت على الخروج من الساحة السورية كخاسر أكبر ولكل شيء، بدأت بالانبطاح أمام الدب الروسي وعقدت الصفقات خلال جولات آستانة وضمن إطار اتفاق خفض التصعيد فبدأت مع الروس والإيرانيين بعمليات التغيير الديمغرافي وتسليم الغوطة الشرفية للنظام والإيرانيين مقابل احتلالها لعفرين، واستمرت بعمليات التغيير الديموغرافي مع شريكيها روسيا وإيران، وباتت دمشق وريفها وريف حمص وحماة شبه خالٍ من المجموعات المرتزقة التي تتلقى الدعم من تركيا.

واستغلت تركيا كذلك الاتفاق لاحتلال أراضٍ سورية لم تكن تستطيع الوصول إليها في العمق السوري، وذلك تحت مسمى نقاط المراقبة، وأمدّت تلك النقاط بالعتاد والجنود، وباتت الأرتال تتجمّع في هذه النقاط جيئة وذهاباً، إما عبر المنافذ الحدودية الشماليّة مع إدلب، أو عبر المنفذ الحدوديّ الذي يربط تركيا بريف حلب الغربي عبر منطقة كفرلوسين ومحيطها المجاور الرابط بين سوريا ولواء الاسكندرون.

آستانة 9.. التهجير والبلاء يتجه نحو جنوب غربي سوريا وبحث مصير إدلب

ومع بدء الجولة الـ 9 من اجتماعات آستانة يوم أمس، يتحضر إلى الأذهان سيناريوهات التهجير القسري وبيع المناطق والهجوم على أخرى والتي غالباً ما تكون نتائج لجولات الاجتماعات التي تعقد في العاصمة الكازاخستانية بين ثلاثي  الصفقات (روسيا وتركيا وإيران)، والآن تتجه الأنظار نحو جنوب غرب سوريا "درعا" لتكون الوجهة الجديدة لقوات النظام مدعوماً بالروس والإيرانيين.

وتزامنت هذه الجولة الجديدة، مع سباق بين ثلاثي الصفقات لتعزيز نفوذهم، إذ استعجل الروس لترسيخ مكاسب النظام في وسط البلاد وجنوب دمشق عبر الإسراع من وتيرة التغيير الديموغرافي، فيما جددت تركيا تهديداتها باحتلال مناطق جديدة في الشمال السوري.

الجولات الـ 8 السابقة من آستانة والجولة الجديدة التي تعقد الآن لن تجلب السلام والحرية للشعب السوري، بل أجبرتهم على ترك ديارهم تحت الوعيد الروسي وسمحت للنظام بفرض سيطرته على مساحات كبيرة، وتبقى محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة جبهة النصرة (فرع القاعدة في بلاد الشام) وتركيا والتي تم تجميع المرتزقة على اختلاف انتماءاتهم فيه، محطة مؤجلة بانتظار اتفاقات وصفقات روسية تركية إيرانية جديدة.

(ح)

ANHA