سيهانوك ديبو

ربما من المهم تجميع دوافع المتقاتلين في الحرب العالمية الأولى إن كانوا في جهة الحلفاء أو المحور. بأن للحلفاء فكرتين أو هدفين أساسيين هما نقل الحداثة الرأسمالية من مرحلة التجارية إلى مرحلة الصناعوية بشقيها السياسوي المتضمن فرض فكرة الدولة القومية المركزية على الشرق الأوسط؛ وشقها الأهم الاقتصادي الضامن بدوره في الاستيلاء على النفط المكتشف وقتها في الشرق الأوسط. أما امبراطوريات المحور (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية ومملكة بلغاريا والسلطنة العثمانية) وبخاصة العثمانيين فقد كانت أفكارهم مشدودة أكثر إلى احتلال وتقاسم العالم فيما بينهم. ومن المرجح بأن روسيا القيصرية تُرِكت أن تتحول إلى الشيوعية فاستبعدت من الحرب العالمية الأولى إلى درجة كبيرة؛ مع أنه في تتبع المسار يبدو بأن مكان روسيا القيصرية كان متوافقاً والمحور أكثر بكثير من الحلفاء. أما فيما يتعلق بانتصارات بريطانية في أماكن معينة تحت سيطرة العثمانيين مثلما فعل أدموند اللنبي الذي ما كان له أن يسيطر بتلك السرعة الهائلة لولا تواطؤ اللواء/ الباشا مصطفى كمال  بن (سيلانيك) مع الإنكليز؛ مصطفى كمال المنقول جديداً من ديار بكر/ آمد كمسؤول عن الجيش الثاني فقائداً لجبهة فلسطين. ففي ليلة انسحابه من نابلس دخل فيها اللنبي وهي ليلة(19/9/1917)، وقد أخذ مسار انسحابه من نابلس إلى شرق الأردن فدمشق فحلب فجبال طوروس، وقد كان الانسحاب فجائياً بسرعة البرق؛ كما يؤكد ذلك أيضاً كلٌ من د. علي حسون في كتابه الرجل الصنم ومحمد فريد بك تاريخ الدولة العلية العثمانية.

في فترة تداعي السلطنة العثمانية كان الصراع حفيفاً ما بين حكومة أنقرة (العلمانية) بقيادة مصطفى كمال. وحكومة الخلافة من قبل الباب العالي في القسطنطينية/ استانبول. في إذكاء الصراع ما بينهما تؤكد الوقائع ووثائقها بأن ضغط الحلفاء على الطرف اليوناني وإلزامه بالانسحابات المتتالية كانت السبب الأساسي في أن صوّرت مصطفى كمال بأنه القائد الأسطورة. وهي في الحقيقة لم تكن سوى المسرحيات كمثل معركة سقاريا وأفيون وأزمير. كما تم انسحاب الحلفاء عن أسكى شهر وقونيا لصالح مصطفى كمال واحتلال الإنكليز لاستانبول في 16 آذار 1920. والتي تعتبر كلها كمقدمات ميدانية من أجل عقد مؤتمر السلام أو معاهدة سيفر التي تتألف من 13 باباً و433 بنداً، أعدتها خمس لجان خاصة تفرعت من مؤتمر الصلح المنعقد بدوره في باريس من 29 يناير كانون الثاني 1919والتي أقرّ حينها أيضاً بنشوء كردستان؛ يذكر أنه مثّل الكرد فيه مجموعة من (البكاوات) بقيادة الجنرال شريف باشا. وعملياً يمكن القول بأن مؤتمر الصلح هو أساس معاهدة سيفر في 10 آب 1920 بين إنكلترا وفرنسا وإيطاليا واليابان وبلجيكا واليونان ورومانيا وبولونيا والبرتغال وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا والحجاز وأرمينيا من جهة، والسلطنة العثمانية من جهة أخرى. لكن حكومة أنقرة الكمالية رأت في معاهدة سيفر الموقعة من قبل حكومة استانبول بأنها خيانة مذلة للأتراك وبخاصة بعد أن استمال مصطفى كمال أغلب الكرد إلى جانبه موعداً إياهم بحقوق أكثر من التي تم تنصيصها في سيفر. من المضحك المبكي أن يرسل 72 نائباً كردياً في حكومة أنقرة برسالة إلى الحلفاء يطالبونهم إلغاء معاهدة سيفر؛ كما أنه من المبكي المبكي أن يعلن عصمت إينونو رئيس الوفد التركي إلى لوزان بأن (تركيا هي للشعبَين، التركي والكردي، المتساويَين أمام الدولة، ويتمتعان بحقوق قوميّة متساوية). لتتصرف تركيا في عامين فقط بعد لوزان بقتل أكثر من نصف مليون كردي.

بالإضافة إلى الوضع الداخلي في تركيا العثمانية والصراع المتعدد الأقطاب حينه وبخاصة بين حكومة استانبول بقيادة السلطان محمد السادس والصدر الأعظم وحكومة أنقرة كما أسلفنا. وانسحاب أمريكا من مؤتمر الصلح إثر خسارة الديمقراطيين في الانتخابات الأمريكية 1921 وهزيمة ودورو ويلسون صاحب مبادئ الأربعة عشرة من بينها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، والتي كانت تطمح أمريكا من خلالها بشكل كبير إلى لجم طموحات كل من فرنسا وبريطانيا في الشرق الأوسط. ومحاولة الأخيرتين أي باريس ولندن بتطويق الانفتاح التركي السوفيتي وخاصة بعد توقيعهما معاهدة موسكو أو معاهدة الأخوة التي هي معاهدة صداقة وقعت بين الجمعية الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال وروسيا البلشفية بقيادة فلاديمير لينين، في 16 مارس 1921 والتي توجت باتفاقية ثانية أنهى إثرها ستالين كردستان الحمراء 1923. إضافة إلى رغبة الطرف البريطاني بإنهاء عملية المفاوضات بسرعة نتيجة ضغوط أهالي الجنود المحاربين، بالإضافة إلى مشكلة إيرلندا التي أحدثت خلافاً سياسياً بين الساسة الإنكليز، أسهمت هذه العوامل المتناقضة مجتمعة في تمكن الطرف التركي من الحصول على الكثير من مطالبه في لوزان 1923كمعاهدة جديدة هي لوزان الثانية تمييزاً لها عن اتفاقية لوزان الأولى (معاهدة أوشي) الموقعة في 18 أكتوبر/تشرين الأول عام 1912 بين إيطاليا والدولة العثمانية، والقاضية بانسحاب الأخيرة من ليبيا لصالح إيطاليا. فتضمنت "معاهدة لوزان" الجديدة 143 مادة موزعة على 17 وثيقة ما بين "اتفاقية" و"ميثاق" و"تصريح" و"ملحق"، وتناولت هذه المواد ترتيبات الصلح بين الأطراف الموقعة على المعاهدة، وإعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بينها "وفقاً للمبادئ العامة للقانون الدولي". ودام  مسار معاهدة لوزان حوالي ثمانية أشهر بشكل متقطع وتم التوقيع عليها بشكل نهائي في 24 يوليو تموز 1923 في فندق "بوريفاج بلاس" بمدينة لوزان جنوبي سويسرا. ويُذكر بأن مندوب مصطفى كمال إلى لوزان كان كل من عصمت إينونو والحاخام (حاييم ناحوم). وعندما تأزمت المفاوضات بين كرزون -وزير خارجية بريطانيا- وبين عصمت إينونو وكان ناحوم آنذاك مسافراً فأرسل ناحوم برقية أنه قادم وقال في البرقية: (عصمت صديقي، وطوع أمري، ولا يخالف لي كلمة). وفق تأكيدات مؤلف كتاب الذئب الأغبر للكابتن البريطاني ه.س.ارمسترونغ.

من المؤكد بأن ما تقدّم لا يعتبر الإحاطة الكاملة لشرح ظروف لوزان. لكن من المهم في خطيئة لوزان الثانية أن يتم التأكيد بأنها كانت اتفاقية بين اللصوص من جهة والسحرة من جهة أخرى. فحينما كان وزيراً للخارجية قال صاحب كتاب العمق الاستراتيجي أحمد داوود أوغلو لأكثر من مرة وبشكل لا يشوبه شائبة في الإصرار على عودة تركيا إلى العثمانية: (لماذا حين تحاول أوروبا بأكملها العمل على توحيد الدول وإزالة الحدود بينها، لا تُنعَت بأنها “الإمبراطورية الرومانية الحديثة” أو “الرومانيون الجدد”، في حين أننا حين ننادي للجمع بين مَن عاشوا تحت لواء دولة واحدة من قرن مضى، نصبح “العثمانيون الجدد؟). ومرة أخرى “إنهم يقولون عنا إننا العثمانيون الجدد.. نعم نحن العثمانيون الجدد”.. خلال لقائه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في معسكر “قيزلجه حمام” بالعاصمة أنقرة.

في الحقيقة بأن انتقال تركيا المنسلخة أو لنقل المنفلتة من السلطنة العثمانية وبعد مرور 95 عاماً من معاهدة لوزان لم يكن إلّا جمعاً ما بين الحكم الدينوي يضاف إليه اليوم الفاشية القوموية التركياتية لتعطي ناتجاً يحمل الخطر الأكبر على الشعوب في تركيا أولاً وعموم الشعوب في الشرق الأوسط. والنظام التركياتي بجميع مراحله إن كان تحت غطاء العلمانية أو حتى اليوم في عباءة الإسلاموية المتطرفة. فإن تركيا لديها هدف واحد في وثيقة واحدة اسمها (الميثاق الملّي) وكل الشعوب في نظر تركيا يجب أن يتم إما شطبها نهائياً كما حالها والشعب الكردي؛ أو استعبادها كما حالها والشعب العربي، أو حلمها في الانتصار على عدوها التاريخي المتمثل بالفرس. في الحقيقة كل شعوب الأرض هي بالضد من تركيا في نظر حكامها وبشكل كبير في نظر سلطانها العثماني الجديد أردوغان؛ الذي يتحدث اليوم بشكل معلن عن حلب والموصل ويغمّز إلى مصر والسودان والخليج في وقت لم يزل دم عفرين ودماء شعب سوريا يسيل من فمه. 

لكن تاريخ 24 يوليو تموز لا يقتصر على تاريخ لوزان فقط. فقد حدث من قبله وفي التاريخ نفسه من العام 1920 قيادة الكردي يوسف العظمة لمعركة ميسلون ضد الانتداب الفرنسي. كما أنه في التاريخ نفسه بعد تسع عقود من اتفاقية لوزان إذْ أنهت لجنة الصياغة للعقد الاجتماعي في الإدارة الذاتية الديمقراطية من العام 2013. هذه الإدارة أكثر من أرّقت أحفاد العثمانية ولم تزل؛ طالما كانت ولم تزل في هذه الإدارة الذاتية أمل الخلاص من الأزمة السورية والحل الديمقراطي الأمثل للأزمة السورية. وما بينهما، وما بينها فإن التاريخ مليٌّ مؤكدٌ بأن الطرق باتت واضحة فإمّا أن نكون أحراراً وإما أن لا نكون سوى عتّالين لأجندات غيرنا. الدماء التي كانت جارية في لوزان2؛ باتت فاسدة؛ وبات أصحابها غير مهيئين أن يستمروا محتلين مستبدين سلاطنة بالضد من القوة الكبيرة والتنظيم المجتمعي الضامن لإرادة الشعوب التي تصر على العيش المشترك وعلى أخوة الشعوب في عقدها الاجتماعي. فهكذا نحيا؛ وهكذا –فقط- مُقَدّرٌ لنا العيش. بخاصة إن المستبدين لم ينتصروا ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تنهزم الشعوب.

ANHA