الاتصال | من نحن

هنا عفرين وليست لواء اسكندرون

تحليل

آهين بركات

مركز الأخبار – بعد سنوات من تقديم الدعم لمرتزقة داعش وجبهة النصرة وبقية التنظيمات الإسلامية المتطرفة في سوريا، أكملت تركيا مشروعها لاحتلال شمال سوريا من خلال التدخل بشكل مباشر في عفرين واستخدام سلاح حلف الناتو، وبمباركة روسية لاحتلال عفرين، لكن المقاومة التي قدمتها وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية في وجه التنظيمات الإرهابية، تجسدت اليوم في وجه ثاني قوة في حلف الناتو، تجسدت لتقول كفى تركيا.. هنا عفرين وليست لواء اسكندرون !.

مع بدء تبلور ملامح المرحلة المقبلة في سوريا الذي تحقق نسبياً بعد القضاء على مرتزقة داعش والمجموعات الإرهابية في معظم المدن السورية، وانحسار أدوار دول إقليمية عديدة والمتورطة في الملف السوري، وأبرزها تركيا التي تحاول الاستفادة من الوقت في المرحلة المقبلة، وتوظيفه في خدمة مشروعها الاحتلالي التوسعي في سوريا، ولو على حساب قصف وارتكاب مجازر بحق المدنيين.

فكان تحرير قوات سوريا الديمقراطية لكل منطقة روج آفا وشمال سوريا من بينها منبج والرقة، تعني لتركيا عرقلة أحلامها العثمانية. فأرادت إفشال عملية إيصال مناطق شمال سوريا معاً الذي يسهم في تحقيق مشروع الفدرالية الديمقراطية الذي يعتبر الحل الأمثل للأزمة السورية المتفاقمة، مما جعلت تركيا ترى أن أحلامها العثمانية ستدفن بالكامل بهذا المشروع الديمقراطي. وعلى إثر ذلك، أرادت التدخل هي بنفسها في المنطقة بشكل مباشر، بعد أن عرفت بدعمها للمجموعات الإرهابية على مدار سنوات الثورة السورية.

بعد سنوات من الحصار على عفرين من عدة جهات أبرزها تركيا والمجموعات المرتزقة التابعة لها، بدأ جيش الاحتلال التركي هذه المرة بالتدخل بشكل مباشر في عفرين بعد فشل جميع الهجمات التي شنتها سابقاً عبر مرتزقتها من داعش والنصرة ومرتزقة “درع الفرات”. وأطلقت في 20 كانون الثاني/يناير الماضي هجوماً عنيفاً على إقليم عفرين تحت مسمى “غصن الزيتون” بهدف السيطرة على الإقليم وتهجير سكانه الأصليين وإجراء تغيير ديمغرافي في المنطقة وتوطين مجموعات تابعة لتركيا في المنطقة.

مرت ثلاثة أسابيع على مقاومة العصر التي يبديها أهالي عفرين إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة العدوان التركي، دون أن يحرز جيش الاحتلال التركي أي تقدم، وهذا كان رداً قاطعاً على تصريحات أردوغان بأن العملية العسكرية ستكون حاسمة وسريعة ولكن على أرض الواقع يحدث العكس، لذا يواجه الجيش التركي مأزقاً أمام مقاومة أهالي عفرين لأنه عليه أن يزج بقواته الخاصة البرية بشكل كامل مع مساندة جوية وهذا يكلفه المئات من القتلى وأكثر.

ماهي الأطماع التركية في عفرين؟

تقع منطقة عفرين في أقصى شمال غربي سوريا، وهي محاذية لمدينة إعزاز من جهة الشرق ولمدينة حلب من الجنوب، وتحاذي الحدود التركية من جهة الغرب والشمال.

وعفرين منطقة جبلية تبلغ مساحتها نحو 3850 كيلومتراً مربعاً أي ما يعادل 2 بالمئة من مساحة سوريا، وتبلغ مسافة حدود مقاطعة عفرين مع باكور كردستان حوالي 130 كم من قرية ملا خليل التابعة لجندريسه، وحتى قرية قسطل جندو التابعة لشرا.

والكثير من الأراضي الزراعية في عفرين تقع بمحاذات الحدود بمسافات قريبة جداَ مزروعة أغلبها بأشجار الزيتون وبعضها بالمحاصيل الزراعية الأخرى مثل الخضروات القمح الشعير وغيرها، تعرضت معظمها إلى الحرائق من قبل جيش الاحتلال التركي.

لذا فعند تسليط الضوء على الأهمية الجغرافيا لعفرين، يمكن استنتاج أطماع الاحتلال التركي من خلال رصد النقاط التالية:

– تفصل عفرين بين مناطق سيطرة المجموعات الإرهابية “درع الفرات” التي يدعمها جيش الاحتلال التركي في جرابلس، الباب، وإعزاز إلى الشرق من عفرين ومحافظة إدلب في الغرب، وإن تركيا تريد السيطرة على عفرين كي تحقق التواصل الجغرافي للمناطق التي تسيطر عليها.

– وجود تل قسطل جندو الذي يقع في ناحية شرا حيث يشرف على باب السلامة الحدودي بين سوريا وتركيا، وبالتالي فإن السيطرة التركية على عفرين تحقق تواصلاً جغرافيا على جميع المناطق الحدودية الواقعة بين مدينة جرابلس غربي الفرات والبحر المتوسط.

– الهجوم على عفرين تعتبره تركيا ورقة ضغط تلعبها تركيا على طاولة المفاوضات في الحل السياسي، كما يمكنها المحافظة على تأمين دعم وحماية للمجموعات الإرهابية الموالية لها في سوريا.

– العمل على تكرار سيناريو لواء اسكندرون، وسلخ مناطق جرابلس والباب وإعزاز مروراً بعفرين وصولاً إلى إدلب لاحتلالها وضمها مستقبلاً إلى الأراضي التركية على غرار لواء اسكندرون.

عفرين لم تكن بمنأى عن هجمات الاحتلال التركي

خلال أعوام ثورة روج آفا وشمال سوريا كانت عفرين نموذجاً للمنطقة الآمنة في حماية وحدات حماية الشعب والمرأة وإدارة مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية، ورغم الحصار المشدد  الذي تفرضه مجموعات المرتزقة من جهة والدولة التركية من جهة أخرى، وما تبعه  من آثار اقتصادية، فإن منطقة عفرين كانت على الدوام الملاذ الآمن لعشرات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات السورية، الفارين من مناطق الاشتباك بين الجهات المصارعة على السلطة في سوريا.

وعلى الرغم من ذلك ما تتعرض له عفرين من هجوم وقصف ليس الأول من نوعه في سلسلة التدخلات العسكرية التركية في الأراضي السورية، والتي تهدف أنقرة من خلاله  تأمين منطقة نفوذ لها في الشمال السوري.

ولم تقتصر هجمات المجموعات المرتزقة التابعة لداعش على مناطق الجزيرة وكوباني، وشملت عفرين أيضاً، وفي عام 2013 بدأت المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا بشن هجمات على قرية قسطل جندو من محور مدينة أعزاز ولكن محاولاتهم باءت بالفشل كما شن مرتزقة داعش بالتحالف مع المجموعات المرتزقة التابعة للائتلاف السوري في أيلول نفس العام هجمات واسعة على منطقة جندريسه من محور (ديربلوط، ديوا وجلمة)، وبعدها تراجعت تلك المجموعات بعد أن كبدت خسائر كبيرة.

وفي شهر تشرين الأول 2013 هاجمت المجموعات المرتزقة  التابعة للواء التوحيد بقيادة داعش على كل من قرى بينه وجلبرة ومعرسكة ومزرعة وقسطل جندو، وكشفت وحدات حماية الشعب في بيان لها آنذاك عن مشاركة 17 تنظيماً لتنفيذ الهجمات على عفرين وهم : 1- لواء التوحيد جناح عبد الجبار العكيدي 2- تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) 3- جيش محمد 4- الربيع العربي 5- أحرار الشام 6-حركة فجر الإسلام 7- لواء بيارق الشام 8- لواء السلطان محمد الفاتح 9- كتيبة الباز 10-  لواء الفرسان 11-  لواء صلاح الدين الكردي 12-  أحفاد صلاح الدين 13-  كتيبة آزادي 14-  كتيبة يوسف العظمة 15-  الجبهة الإسلامية الكردية 16-  جبهة المجاهدين 17-  لواء الفرقان.

واستمر تعرض أهالي مقاطعة عفرين يومياَ إلى الاعتداء والانتهاكات على الحدود المصطنعة بين روج آفا وشمال كردستان “باكور” من قبل الجيش التركي في القرى القريبة من المناطق الحدودية، مثل قرية بيكه، وشنغلة ومروانية وقرية حمام وغيرها، حيث وثقت منظمة حقوق الإنسان في المقاطعة 114 حالة اعتداء و9 حالات وفاة منذ عام 2014 و2015.

واصل الجيش التركي في بين عامي 2015 و2016استهداف المدنيين من أهالي قرى مقاطعة عفرين على امتداد الشريط الحدودي تضمن حالات اعتداء على المواطنين، وإصابات بالرصاص الحي، قتل المواطنين عمداً، احتلال أجزاء من أراضي القرى الحدودية، قطع المئات من أشجار الزيتون.

كما شن جيش الاحتلال التركي أكثر من 576 هجمة على أراضي عفرين خلال عام 2017، مما أدى لفقدان عشرات المدنيين لحياتهم وإصابة العشرات وإلحاق أضرار جسيمة بممتلكات الأهالي وحرق 204 هكتار من الأراضي الزراعية واقتلاع 11337 شجرة زيتون بالإضافة إلى احتلال أجزاء من الأراضي على الحدود.

الهجوم بغرض طرد السكان الأصليين وإجراء تغيير ديمغرافي

استكملت تركيا حشد جنودها ودباباتها على حدود مقاطعة عفرين وتجهيز مرتزقتها وسحبهم من إدلب، وبدأت بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير المنصرم بشن العدوان على عفرين، مستخدمة كافة قوتها وأسلحة حلف  شمال الأطلسي والدبابات والمدرعات الألمانية، والطيران الحربي. وأدخلت خلال الأيام الأخيرة قبيل الهجوم أعداداً هائلة من عتادٍ وذخائر إلى المستودع الموجود في جبل شيخ بركات الواقع  بريف حلب الغربي، وذلك بالتنسيق المباشر مع جبهة النصرة ومرتزقتها المتمركزين في قلعة سمعان ودارة عزة وغيرها من المناطق المجاورة لعفرين.

وتدعي تركيا رغبتها في إنشاء منطقة آمنة وإعادة 3 ملايين ونصف سوري داخل تركيا إلى هذه المنطقة التي تحتضن بالإضافة إلى سكانها حوالي نصف مليون نازح من مختلف المناطق بينها مناطق تحتلها تركيا ومرتزقتها في سوريا، وقد أدلى أردوغان بتصريحات واضحة وصريحة عن نيته في توطين أكثر من 3 ملايين سوري في عفرين بعد طرد أهلها منها.

هجوم تركيا على عفرين هو الجزء الثاني من هجوم داعش على كوباني

السياسة التي يتبعها أردوغان في عفرين هي نفسها السياسة التي اتبعها في كوباني باسم داعش وتعتبر هذه الهجمات استكمالاً للهجمات الإرهابية السابقة التي استهدفت شعب سوريا والتي كانت داعش تمثل ذروتها، والدولة التركية تمارس السياسة الفاشية من خلال التهجير الذي يعمد على توسيعه في المنطقة وتنفيذ الإبادة العرقية بحق الشعوب في المنطقة وتحاول ضخ الحياة في معاقل داعش الذي شارف على الهلاك. ويمكن اعتبار الهجوم على عفرين هو استكمال لهجوم مرتزقة داعش على كوباني عام 2014.

إن العملية تمت بتوافق تركي – روسي فتركيا كانت بحاجة لضوء أخضر لضمان نجاح عملياتها وخاصة الجوية، وروسيا قد منحت ضوءً أخضر لتركيا للهجوم على عفرين، وكان هناك تفاهم واتفاق بين تركيا وروسيا على أن تتقدم تركيا في عفرين بينما يتقدم النظام في إدلب، حيث انسحبت المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا والتي كانت تتمركز في إدلب وبدأت بالهجوم على عفرين ما أتاح الفرصة للنظام للتقدم في إدلب وفق المخطط الذي تم الاتفاق عليه.

كما أن التنسيق التركي مع روسيا برز بشكل مباشر من خلال توجه رئيس الأركان والمخابرات التركيين إلى موسكو حيث ذكر وزير الخارجية التركي أن بلاده تُجري مشاورات مع روسيا وإيران لتمكينها من استخدام المجال الجوي السوري.

لكن المقاومة التي تبديها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ضمن قوّات سوريّا الديمقراطيّة اللتان تمرّستا في المقاومة والدفاع تحت كافة الظروف والشروط والتي ظهرت جلياً في حملات تحرير منبج والرقة وغيرها من المناطق في شمال سوريا من مرتزقة داعش، ظهرت في أعلى مستوياتها في عفرين ضد العدوان التركي، لذا المجازفة التركية في عمليتها العسكرية في الشمال السوري، ستغدو مقبرة لها.

فشل العدوان التركي على عفرين

لم تقف قوات سوريا الديمقراطية مكتوفة اليد، أمام العدوان التركي، بل تخوض دفاعاً مشروعاً ضد هذه الهمجية، متخذة من روح التضحية والفداء لحماية شعبها من الاحتلال التركي لتؤكد للرأي العام، أنه وبالرغم من أن تركيا دفعت بكل إمكاناتها العسكرية والتقنية، مستخدمة أسلحة حلف الناتو والمدرعات والدبابات الألمانية لإبادة الشعب، إلا أنها عجزت عن تحقيق أي تقدم عسكري حقيقي على الأرض وتكبدت خسائر فادحة في العدة والعتاد في الاشتباكات المستمرة منذ 20 كانون الثاني/يناير المنصرم.

كما أن لجوء تركيا إلى استهداف المدنيين واستخدامهم أسلحةً محرّمة دولياً في عفرين يدل على أنها فشلت في حربها ضدَّ أهالي عفرين، وفاجأت أنقرة التي كانت تتوقّع “احتلال عفرين في أيام معدودة”. على حد زعم تصريحات أردوغان.

وبالرغم من التصريحات والحملة الإعلامية الكبيرة لجيش الاحتلال التركي بأن حربهم على عفرين ستكون مؤقتة وكانوا يتخيلون بأنهم خلال أيام معدودة سيحتلونها، غير أن المقاومة البطولية لقوات سوريا الديمقراطية كانت المفاجأة الكبيرة لهم.

والدلالة الأكبر على فشل الاحتلال التركي هو لجوئها إلى استخدام الطيران الحربي والأسلحة المحرمة دولياً (النابالم) في استهدافها المدنيين وارتكاب مجازر بحقهم خلال فترة عدوانها، والتي راح ضحيتها وفق مصادر طبية رسمية في عفرين، المئات من المدنيين بين شهيد وجريح.

(ج ر)

ANHA