الاتصال | من نحن
ANHA

هناء الصقر، رمز كرامة المرأة العربية 1

Video

وارشين صالح

دير الزور- أية مشاعر وأحاسيس، أية أفكار ومبادئ تلك التي قد تدفع صاحبها للتضحية بجسده وروحه في سبيلها؟ تخيلوا امرأة ضحت بروحها وجسدها من أجل حياة كريمة ولكنها مع ذلك لا تنسى أن توصي أولادها “لا تظلموا أحداً، دافعوا عن الفقراء، وليسامحني الجميع”.

تصاعدت وحشية مرتزقة داعش ولم تتمكن أية قوة من التصدي لها وردعها وبالتالي بثت الرعب والهلع في قلوب البشر. إلا أن مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة جسدوا ولأول مرة من خلال مقاومة كوباني البطولية إرادة إنسانية عالمية وتمكنوا من دحر مرتزقة داعش. هذه المقاومة تصاعدت بشكل رئيسي بطليعة المرأة وتحولت إلى أمل للحياة لجميع شعوب المنطقة، وعززت جبهة الثورة، وعززت بالدرجة الأولى قوة وإرادة المرأة. وقد تجسد ذلك بشكل رئيسي من خلال تحرير مدن منبج والطبقة وسد تشرين وكذلك المقاومة المتواصلة حالياً من أجل تحرير الرقة. وانضمت أفواج النساء من كافة أنحاء العالم إلى جبهة المقاومة، النساء اللواتي لم تتمكن من التوجه إلى جبهات الحرب اكتسبن جرأة وشجاعة كبيرة من هذه المقاومة وجابهن المرتزقة بإرادة صلبة منقطعة النظير.

خلال حملة تحرير الرقة ظهرت العديد من هذه الملاحم البطولية، وإحدى تلك الملاحم الشجاعة والجريئة تلك تجسدت بعزم وإرادة المرأة العربية هناء عبد الكريم الصقر.

هناء عبد الكريم الصقر تبلغ من العمر 49 عاماً من أهالي بلدة الدليم التابعة لمدينة الرقة، هاجرت عائلتها منذ زمن طويل إلى قرية جزرة البوشمس التابعة لدير الزور. وهناء ولدت في هذه القرية ودرست في مدارسها حتى الصف التاسع. وفي عمر الـ 21 تزوجت وأنجبت 7 أولاد (بنتين و5 صبيان).

إلى جانب رعايتها لأولادها افتتحت هناء دكاناً صغيراً أمام دارها لبيع المواد الغذائية وباقي مستلزمات المنازل فيما يعمل زوجها جلال خضر وابنها البكر محمد في أعمال الزراعة.

مثلها مثل آلاف العوائل عانت عائلة هناء من ظلم وقمع مرتزقة داعش اعتباراً من عام 2014. ومع انطلاق حملة غضب الفرات التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية انتعشت آمال الأهالي بالانعتاق من ظلم داعش. خلال المرحلة الثالثة من حملة غضب الفرات وتحديداً في بداية شهر آذار عام 2017 تمكن مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية من تحرير قرية جزرة البوشمس الواقعة شمال غرب مدينة دير الزور من احتلال مرتزقة داعش إلا أن القرية لم تتخلص نهائياً من تهديدات المرتزقة.

داعش داهمت القرية وارتكبت مجزرة بحق الأهالي

مرتزقة داعش الذين تلقوا ضربات موجعة على يد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية عمدوا للانتقام من الأهالي المدنيين. وفي يوم 19 أيار من العام الجاري وفيما كان الضباب يلف القرية داهم مرتزقة داعش بعد ظهر ذلك اليوم قرية جزرة البوشمس، ودون تمييز بين الرجال والنساء أو الأطفال وارتبكوا مجزرة وحشية بحق الأهالي المدنيين.

وبحسب إفادات أهالي القرية فإن مرتزقة داعش داهموا بداية مسجد القرية حيث قتلوا بوحشية أكثر من 35 رجلاً وطفلاً كانوا يؤدون صلاة العصر. مرتزقة داعش جمعوا الأطفال الموجودين في الجامع وصبوا عليهم المازوت ومن ثم أحرقوهم وهم أحياء. كما قتلوا الكبار بسلخ جلودهم أو بالذبح.

مقاومة أم

توجه مرتزقة داعش فيما بعد إلى منازل المدنيين بما فيها منزل الأم هناء الصقر. في تلك الأثناء كانت هناء وأولادها وزوجها موجودين في المنزل. حين علموا أن مرتزقة داعش يداهمون منازل المدنيين اصطحب زوج هناء أربعة من أولاده الصغار إلى خارج القرية فيما بقيت هناء و3 أولاد آخرين في المنزل.

الطريقة التي داهم فيها مرتزقة داعش منزل هناء كانت تدل على أنهم كانوا يستهدفون المنزل عن سبق ترصد. فقبل أن يصل المرتزقة إلى المنزل كانوا يرددون اسم هناء.

باقي القصة المفجعة تسردها لنا أمل خضر وهي ابنة هناء وتبلغ من العمر 16 عاماً والتي لا زالت تحت تأثير هول الفاجعة.

’أمي لم تسمح لنا بالخروج‘

فور وصول داعش إلى القرية سارع والدي مثله مثل باقي الأهالي إلى اصطحاب أشقائي الصغار إلى خارج القرية. أنا وأمي وشقيقي محمد وشقيقتي نهلة بقينا في المنزل. توجه اثنان من مرتزقة داعش باتجاه منزلنا. من بعيد كانوا ينادون باسم والدتي وعيونهم تقدح شراً. فقالت لنا والدتنا ’لا تخرجوا من المنزل‘ وأغلقت علينا باب المنزل.”

مشاعر أم وشجاعة منقطعة النظير

عندما اقترب المرتزقة من منزل هناء، أغلقت هناء باب المنزل على أولادها وطلبت منهم عدم الخروج من المنزل فيما خرجت هي بنفسها لمواجهة المرتزقة. الأم هناء تجابه المرتزقة وتبدي موقفاً حازماً ولا تسمح لهم الاقتراب من المنزل. في تلك اللحظات تبرز مشاعر الأم وغريزة الدفاع عن نفسها وعن أطفالها وتصل إلى أعلى مستوياتها، كما تبرز إرادة وعزم امرأة استنشقت هواء الحرية. في هذه الأثناء كان الأولاد داخل المنزل يراقبون ما يجري في الخارج. وفي الخارج كانت امرأة شجاعة تواجه اثنين من المرتزقة المسلحين المتوحشين، شجاعة الأم وبسالتها أثرت كثيراً على الأولاد.

تقول أمل خضر ابنة الأم هناء “قال المرتزقة لأمي ’أنت تساعدين الخنازير‘ فردت عليهم والدتي بجرأة وشجاعة؛ ’أنتم الخنازير، وحذاء مقاتل قوات سوريا الديمقراطية أفضل منكم‘”.

قتلوا أولادها

مع احتدام الحديث بين الأم والمرتزقة خرج الابن الكبير محمد خضر من المنزل، فعمد المرتزقة إلى إطلاق النار عليه فور خروجه من المنزل وأردوه قتيلاً، خاصة أنهم سمعوا كلاماً جريئاً وقاسياً من الأم، ومن ثم غادر المرتزقان المنزل، إلا أن غضب الأم وحقدها على المرتزقة كان وصل إلى ذروته.

رد فعل الأم

وتتابع أمل سرد أحداث تلك اللحظة “بعد أن قتل المرتزقة شقيقي أداروا ظهرهم لأمي وغادروا. إلا أن أمي توجهت وهي غاضبة إلى المنزل وحملت بندقية صيد كانت في المنزل ولحقت المرتزقين وقتلتهم.

في هذه الأثناء مرت مدرعة للمرتزقة بالقرب من المنزل وبدأت بالهجوم “كانت المدرعة تحمل 7 مرتزقة. عندما شاهدوا والدتي وهي تقتل المرتزقين بدأوا بإطلاق النار عليها، واستشهدت والدتي”.

مقاتلو ق س د وصلوا إلى القرية

بينما كان عناصر مرتزقة داعش يداهمون القرية وصل مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية وتصدوا للمعتدين. عناصر المرتزقة الذين استهدفوا المدنيين فروا من القرية، وبالتالي نجا العديد من أهالي القرية من مجزرة داعش. ابنتي هناء اللتان شهدتا المجزرة بتفاصيلها نجتا أيضاً من المجزرة بمساعدة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية.

جثماني الأم والابن وريا الثرى بمساعدة مقاتلي ق س د

بعد أن وصل مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية إلى القرية وفرار مرتزقة داعش، حملت العوائل جثامين أبنائها ليواروا الثرى، كما ساعد المقاتلون في دفن جثماني الأم هناء وابنها محمد إلى جانب بعضهما البعض في مقبرة القرية.

(ك)

ANHA