الاتصال | من نحن
ANHA

هكذا يصفون هذه الفترة: عصر الديمقراطيين – 2

نازدار عبدي

منبج – حظيت منبج بعد التحرير بنظام تعددي متنوع، لذلك ينظر الأهالي الذين خرجوا من الجحيم إلى الجنة إلى هذا العصر على أنه عصر الديمقراطية.

تعرضت منبج إلى الدمار لعدة مرات بفعل الحروب والكوارث الطبيعية (الزلازل). الضرر الأكبر لحق بالمدينة حتى قبل بدأ مرحلة الثورة كانت على يد المغول، حيث أزيلت آثار المدينة بشكل تام.

إلا أن المدينة تعرضت إلى نكستها الثانية مع دخولها لمرحلة الثورة واحتلال داعش لها، فإلى جانب تدمير الطبيعة تعرض المجتمع أيضاً لضغط كبير وشهد على الكثير من المجازر.

دمر مرتزقة داعش آثار هذه المدينة. حيث قاموا بتخريب الآثار الباقية الفترة البيزنطية المتواجدة في الحديقة المركزية، إضافةً لمعبد هيرابولوس وقلعة نجم والأحجار الحمراء والأكروبول والتلال التاريخية وغيرها.

أمام وحشية المرتزقة، استطاع أهالي منبج – أصبحوا جزءاً من الثورة بعد الانتفاضة الأولى سنة 2011 – بعد خمس سنوات بالتخلص من الظلمات. لذلك يصف الأهالي هذه المرحلة بالجديدة خصوصاً بعد سنوات من النضال المرير. ويتوج الأهالي انتصارهم هذا بالتأسيس لنظام جديد يبنونه بأنفسهم.

القوات الحامية

يلفت الدمار المنتشر بأنحاء مدينة منبج أنظار الزائرين، إلا أنّه على وجوه أبناء المدينة تظهر صور فرح كبير يرافقه التعلم الجديد، فهم قد استفادوا من تجاربهم بشكل جيد، حيث تأتي قضية الحماية وهنا الحماية الذاتية بالدرجة الأولى.

توقفت عربتنا في مدخل المدينة عند حاجز عسكري. وأكثر ما أثار انتباهاً انتشار عناصر من أسايش المرأة على الحاجز. ففي هذه المدينة التي لم تكن تسمح للمرأة بالخروج من منزلها وحق التحدث كان محروماً عليها، أصبحت المرأة تحمل السلاح وتقوم بدورها في الحماية.

ليس فقط الحواجز العسكرية، فالمرأة تأخذ دورها في تنظيم حركة سير العربات داخل المدينة عبر مؤسسة المرور. وتعملن كلهن بإرادتهن، كما تظهر وجوههن حماس العمل، فلدى كل واحدة منهن حكاية خاصة.

التطبيع

لا تبعد خطوط الاشتباكات عن المدينة سوى 20 كم جنوباً و18 كم شمالاً، على الرغم من أن هذا أمر مخيف إلا أن الأهالي يؤامنون بقدرات قواتهم.

تقول الأم فاطمة أحمد إنه “كنت أقول لنفسي إن المرتزقة سيستمرون بمهاجمة المدينة وارتكاب المجازر، ولكن عندما أخرج في المساء وأرى عربات الأسايش تتجول بشكل مستمر يرتاح قلبي”.

عادت الحياة إلى طبيعتها في المدينة التي لا تزال تحتفظ ببقايا الدمار من عصر الظلام، فالناس يتجمعون بشكل كبير في السوق المركزي، وتقوم مؤسسة المرور بتنظيم حركة السير هناك، وكذلك الأمر تضج المنطقة الصناعية بالعمال والصناع، ويعود الطلبة والمعلمون من مدارسهم، كما تجد أبواب المؤسسات مفتوحة على مصراعيها وكل على رأس عمله.

نظام جديد

الخمسة أشهر بعد التحرير أحدثت تغييرات هامة في منبج. مرحلة جديدة بدأت واستفادة كبيرة تلقتها هذه المدينة من تجربة الإدارة الذاتية. ففي المدينة تجد العديد من الأمثلة المشابهة لما هو موجود في روج آفا. ولكن وعند إمعان النظر في أسلوب الإدارة يتوصل المرء إلى قناعة بأن المدينة تدار بحسب خصائصها وإرادة أبناءها.

بني نظام الإدارة في المدينة على أسس التنظيم والتدريب والتمثيل الشعبي. فهذه الإدارة تتشكل من عناصر أساسية هي المجلس المدني العام والمجالس الشعبية للأحياء والقرى، والأكاديميات التدريبية، وتنظيمات الشبيبة والمرأة، والبلديات والمؤسسات الخدمية، ومحكمة الشعب.

المجلس المدني لمنبج

يعد المجلس المدني السقف الإدارة الأعلى في المدينة. تشكل هذا المجلس بناء على طلب أبناء المدينة في 5 نيسان 2016. قام هذا المجلس بتنظيم أمور المدينة على الرغم من إمكاناته القليلة.

وضع هذا المجلس أنظمة المدارس والمراكز الصحية وهيئة العدل الاجتماعي والمؤسسات المدنية والبلديات ولجان الحماية ولجان إعادة الإعمار، كما رسخ نظام الرئاسة المشتركة في جميع هذه المؤسسات واللجان والمراكز.

يتألف المجلس المدني من ممثلين عن 120 مجلساً شعبياً للقرى وممثلين عن 5 مجالس للأحياء الشعبية، يقومون بتنظيم الشبكة الاجتماعية في منبج. كما يضم المجلس ممثلين ووجهاء عن 64 عشيرة في المنطقة. تطبيق واتخذ القرارات يجري بموافقة جميع أفراد المجلس المدني، وهو ما جعل من المجلس أن يكون السقف الأعلى لإدارة جميع أمور مدينة منبج وريفها.

الأعمال الخدمية

كان من المخطط أن تتحول منطقة منبج التابعة لمحافظة حلب إلى محافظة مستقلة في عهدة النظام البعثي. لذلك فإنك تجد الكثير من الآليات الخدمية فيها. كان النظام يستقدم الكثير من المنتجات الاقتصادية في روج آفا إلى هذه المنطقة، والمثال الأبسط على ذلك هو استقدام القمح إلى هذه المنطقة لحفظها وتمريرها عبر المطاحن الضخمة وتحويلها لطحين. وإلى جانب ذلك شكل المجلس المدني إدارة خاصة بأمور المياه والكهرباء. كما يعمل المجلس المدني بشكل خاص الآن على صيانة العديد من المخازن والمستودعات التي تعرضت للتدمير على يد المرتزقة.

تشكل بلدية الشعب القسم الأهم تقديم الخدمات. في الوقت الحالي تشرف البلدية على جميع أعمال النظام، كما تهدف مستقبلاً للإشراف على جميع المجالات الخدمية في المدينة وريفها. وإلى جانب ذلك، فإن كل مجلس من المجالس الشعبية في منبج تحوي على لجنة خدمية خاصة تقوم بتنظيم الأمور الخدمية.

الأكاديميات

بعد سنوات طويلة من الاحتلال التي تعرضت لها منبج على يد مختلف المجموعات المتطرفة التي حاولت كل منها فرضت ذهنيتها وعقليتها على المجتمع، وجد من الضروري بناء نظام وذهنية جديدة بالتعليم. ولتحقيق هذا الهدف افتتحت أكاديميتين تدريبيتين في منبج (أكاديمية الشهيد إسماعيل للمجتمع الديمقراطي وأكاديمية الشهيد هوزان جان للشبيبة العربية).

يتلقى الشبيبة والفئات الأخرى من المجتمع التدريبات في الأكاديميتين. تجسدت الخطوة الأولى لعمل هذه الأكاديميتين بافتتاح دورات تدريبية لأعضاء المجالس والمؤسسات المنضوية تحت سقف المجلس المدني وأعضاء اتحاد الشبيبة العربية. وتهدف هاتين الأكاديميتين بعد هذه الخطوة إلى افتتاح دورات تدريبية لجميع أبناء منبج.

تعطي هذه الأكاديميات دروساً ومحاضرات مختلفة حول تاريخ سوريا، تاريخ الشرق الأوسط، تاريخ شعوب المنطقة، التعايش المشترك والأخوة الشعوب، الشخصية والمجتمع الحر، تاريخ المرأة الحرة، الثورة السورية ومصادر الأزمة، الفدرالية والأنظمة المناسبة لحل الأزمة السورية، وذلك لتساهم في تطوير الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي لدى أهالي منبج.

الشبيبة

من الملفت خروج شباب منبج لأول مرة إلى الطليعة وترديدهم لجملة “حان الوقت لنكون رواد الحلّ”. من خلال اطلاعنا اكتشفنا أن الشبيبة توصلوا إلى مفهوم البحث عن الحل في ظل تكون التناقضات والأزمات والابتعاد عن جوهر الثورة والمطالب الأساسية للتغيير الجوهري. وعلى هذا الأساس وسعت حركة الشبيبة العربية الديمقراطية من شبكتها في منبج، حيث كونت هذه الحركة تنظيماً يتألف من عشرات الشبيبة، وتعمل سقفها شبكة من العقول الشابة تقوم بتشكيل اللجان التنظيمية والرياضية والثقافية والفنية والتدريبية في مختلف مناطق منبج.

رغم أن هذه الحركة تضم عدداً كبيراً من الشبيبة العربية، إلى أنها انتمى إليها عدد من الشبيبة الشركس والكرد والتركمان أيضاً. أجاب عضو الهيئة الإدارية في الحركة أحمد ولو على تساؤلاتنا على الموضوع قائلاً “لدى شبيبتنا الآن مختلف أنواع الخبرات، لقد التف الجميع حول هذه الحركة العربية لأنها كانت الوحيدة. لكن هدفنا الآن هو أن نقوم بتوسيع نشاط الشبيبة ونعمل على تأسيس سقف سوري جامع، حتى يستطيع الشبيبة من جميع المكونات الانضمام لها”.

المرأة

تنظيم المرأة لنفسها ضمن النظام الإداري في منبج كانت إحدى النقاط التي لفتت أنظارنا. حيث تجتمع النساء في السقف الأعلى للمجلس المدني وتشكلن إدارتهن الخاصة كما تمارسن دورهن كعضوات أساسيات في المجلس. فضلاً عن تطبيق نظام الرئاسة المشتركة في مجالس القرى والريف والأحياء وحتى المجلس المدني، لتفتح الطريق أمام تحقيق الأرضية المناسبة لتحقيق المساواة في المجتمع المنبجي الذي بقي يعاني من الخناق لقرون.

يقول المشرفون على المجلس المدني إنه مع تحرير المدينة شهدنا على العديد من القضايا والمشاكل العالقة الخاصة بالمرأة، لذلك فإن الخطوة الأولى التي رأينا من الضروري اتخاذها هو افتتاح دارة المرأة.

تنظم المرأة نفسها في جميع المؤسسات المتواجدة في منبج، إلا أن دار المرأة يبقى مؤسسة خاصة فيهن. فهذا الدار قام بتجميع ملفات جميع النساء اللواتي تعرضن للعنف خلال السنوات السابقة، حيث يهدف الدار لإعداد كتاب عن جميع هذه القضايا. ومن ناحية أخرى فإن بعض القضايا الخاصة بالمرأة يتم تحويلها من دار المرأة إلى لجان الصلح أو محكمة الشعب ليتم وضع الحلول المناسبة لها هناك.

محكمة الشعب

من لجان الصلح إلى محكمة الشعب يظهر لنا شكل جديد من التنظيم العدلي. فقد تأسس في 14 كانون الأول من العام الماضي مجلس المحكمة الاجتماعية في مدينة منبج. باشرت هذه المحكمة بشكل فوري بعملها واستطاعت حتى الآن من حلّ 125 قضية. هذه المحكمة استطاعت من أن تكسب ثقة أهالي المدينة لرفع دعاواهم إليها من أجل حلّها.

أثناء تجميع كل الأجزاء مع بعضها البعض، نستطيع أن نفهم أكثر لماذا أطلق الأهالي وصف “عصر الديمقراطيين” على هذه الفترة. فهذه المرة الأولى التي يقوم فيها الأهالي بإدارة شؤونهم بأنفسهم، ويحلّون قضاياهم ومشاكلهم بأنفسهم دون أن يكون مرتبطين بأي قوة أخرى. كما هي المرة الأولى التي يتحدثون فيها بلسان طلق وحرّ، فحينما يتبادل الأهالي أطراف الحديث في الشارع وفي أي مكان يقولون لبعضهم “الديمقراطيون جاؤوا، الديمقراطيون هم من حققوا لنا هذا”.

النهاية

(ك ش)

ANHA