الاتصال | من نحن
ANHA

من باطن الأرض…لوحات تظهر حقيقة التاريخ

زانا سيدي

كوباني – من باطن الأرض لوحات وآثار تبين مدى العمق الحضاري لشعوب شمال سوريا، والتاريخ العريق الذي تتمتع به هذه الشعوب، في الوقت الذي تتواجد فيه قوات قادرة على حماية تلك الآثار لأول مرة منذ أكثر من ألفي سنة.

قبل أكثر من 12000 عام عاش الإنسان ولأول مرة حياة اجتماعية ضمن كلانات في منطقة مزبوتاميا أو الهلال الخصيب والتي تشمل بلاد الرافدين، الساحل والشمال السوري، وبعض المناطق الجنوبية من باكور كردستان، وذلك لوفرة المياه في الفصول الأربعة من السنة، بالإضافة إلى توافر مقومات الحياة في هذه المناطق.

الزراعة والكتابة وتربية الحيوان بدأت من هذه المناطق وقد أصبحت مزوبوتاميا منطلقاً للحياة الكومنالية التشاركية، وعلى مر آلاف السنين الماضية تصارعت عشرات الإمبراطوريات والحضارات على خصوبة ومياه هذه المنطقة أو بالأحرى “خيرات” هذه الأرض.

وإلى يومنا هذا وفي ظل الأزمة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط والعالم، وبغض النظر عن هيمنة نظام الرأسمالية والفكر الليبرالي على المجتمعات، إلا أن الشعوب ماضية في البحث عن تاريخها وجذورها، ففي الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ أكثر من 6 أعوام، سعت العديد من المجموعات أو الفصائل والتي كانت مدعومة خارجياً على تشويه حقيقة التاريخ وإخفائه أولاً من خلال هدم الأماكن الأثرية وثانياً من خلال بيع الآثار واللوحات الفسيفسائية للدول الأوروبية مقابل المال.

الفسيفساء أو الموزاييك، مصطلح لاتيني يطلق على إحدى أنواع اللوحات الجدارية أو الأرضية العريقة والخالدة بسبب نوع الحجر الطبيعي الملون الذي تصنع منه اللوحة، بدليل أنها وصلت إلينا منذ آلاف سنين، وتكون من قطع صغيرة لا تتجاوز مساحتها السنتيمتر المربع، وتبلغ سماكتها نصف سنتمتر، وقد يستعمل في إنجاز اللوحة الواحدة أكثر من مادة وخامة طبيعية وصنعية.

تعرف الفسيفساء بأنها فن تزيين السطوح،‏ كالأرضيات والجدران والقبب،‏ بتصاميم مصنوعة من قطع صغيرة من -الحجارة،‏ الزجاج،‏ والخزف تصف الواحدة بجانب الأخرى.‏ وفي العصور العابرة،‏ استخدمت الفسيفساء لزخرفة الأرضيات والجدران.‏ ما جعلها تضيف أيضا رونقا على الحمامات العامة والبرك والنوافير حيث تفسد الرطوبة أشكال الفن الأخرى الأكثر حساسية.

قد يتسأل الكثيرون عن المنطقة الأكثر تواجدا لهذه اللوحات اليوم في زمننا هذا، تعد سوريا وعلى وجه الخصوص المناطق الشمالية من المناطق الغنية باللوحات الفسيفسائية فهي تمتلك ثروة كبيرة ومهمة من لوحاتها الأرضية والجدارية العائدة لأكثر من حقبة تاريخية ولعل أبرزها وأهمها الحقب اليونانية والرومانية البيزنطية والذين دام حكمهم في المنطقة 700 عام، ما يؤكد ثراء هذه الأرض بهذا الفن العريق الخالد، حيث تقاوم تقنيته عوامل الجو المختلفة وتصمد في وجه الزمن لتصل إلى الأجيال المتلاحقة كاشفة مبينة مدى العمق الحضاري الكبير الذي تتفرد بها منطقة شمال سوريا على وجه الخصوص إذ إن كل شبر من أراضيها الحالية يكمن فيه ملمح الحضارة، عاشتها هذه الأرض في مراحل تاريخية مختلفة.

قبل أقل من شهرين عثر مقاتلون من وحدات حماية الشعب في بلدة شيوخ تحتاني على لوحة فسيفسائية تعود إلى العهد الروماني بطول 3 أمتار وعرض مترين، ما جعلت من مديرية الأثار في المقاطعة الاستعانة بهيئة الاثار ومهندسين من مقاطعة الجزيرة، حيث انتشلت اللوحة من الأرض بتاريخ الـ 8 من شهر أيار الماضي، وتمثل اللوحة الفسيفسائية التي أعلنت الإدارة الذاتية في كوباني العثور عليها على الضفة الشرقية لنهر الفرات الملكة هيلين إبان حرب طروادة التي جرت بين الإغريق والطرواديين حوالي 1200 عام قبل الميلاد.

إضافة إلى ذلك فإن وحدات الحماية قد نالت شرف “المحافظ” على تلك الثروة الكبيرة والتي تمجد تاريخ الشعوب في شمال سوريا، بالإضافة إلى القلاع الأثرية التي حررها المقاتلون من المرتزقة الذين عاثوا في الأرض فسادا ودمروا كل شيء عريق يتعلق بتاريخ الشعوب والحضارات، ونذكر منها ” قلعة نجم الواقعة على الضفاف الغربية لنهر الفرات مقابل بلدة صرين جنوبي مقاطعة كوباني، قلعة جعبر والتي أنشئت في عام 1168، قلعة هرقل أو قصر هرقل والذي يقع غربي مدينة الرقة والذي يعود تاريخه إلى عصر خلفاء الراشدين.

وبهذا فإن يوماً بعد يوم تنكشف حقيقة التاريخ المزيف من قبل الحكومات التي حكمت المنطقة على مدى القرون الماضية، والتي حرفت التاريخ حسب سياساتها الاحتلالية والديكتاتورية، بالاكتشاف والحماية السليمة والدراسة الحقيقية تسقط جميع الأطراف التي تحاول تشويه تاريخ الشعوب المظلومة الأصيلة في المنطقة، والخط الذهبي في صفحات التاريخ.

(ج)

ANHA