الاتصال | من نحن
ANHA

من أستانا إلى جنيف

تحليل

تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً سياسياً ديناميكياً متواصلاً؛ الأمر الذي يتطلب دائماً وجود ما يشبه طاولة أزمة للتعامل مع مختلف التطورات والمتغيرات السياسية. وبدون تحليل دقيق ودراسة معمقة لا يمكن الحصول على نتائج إيجابية. هناك حقيقة ثابتة في سياسة الشرق الأوسط وهي إ‍ن الذين لا يتمتعون بالفعالية والديناميكية وكذلك الذين يتعاملون ببطء مع المتغيرات هو الخاسرون دائماً. مما لا شك فيه فإن الأولوية هي للسياسات المبنية على استراتيجية صحيحة. وهناك حقيقة أخرى أيضاً وهي أن السياسة التي لا تستند إلى قوة عسكرية ولا تكسب التأييد الشعبي لا يمكنها أن تكون ناجحة.

هاتان الحقيقتان اللتان ذكرناهما آنفاً تتوفران في حركة الحرية وثورة روج آفا. فجدلية نضال الشعب الكردي هنا غنية جداً وملهمة. فلماذا يكسب الكرد؟ أولاً لأنهم كسبوا تأييداً شعبياً منظماً. وثانياً لأنهم يمتلكون قوة عسكرية، ثالثاً لتوفر روح التضحية والإبداع والإقدام، رابعاً لأنهم يمتلكون استراتيجية عسكرية صحيحة وبالتالي يمتلكون كماً وتكتيكات ومخططات سياسية مؤثرة ومنتجة.

خامساً، لأنهم بقدر ما هم منظمين فإنهم يناضلون عن عقيدة وإيمان وإصرار وقبل كل شيء يمتلكون فلسفة ونظرية القائد آبو التي تحولت إلى منارة للإنسانية.

وبالنظر إلى جدلية تطور حركة الحرية على مدى 40 عاماً وتطور ثورة روج آفا يمكن إدراك هذه الحقيقة بشكل جلي.

من المعلوم أن المجموعات المرتزقة مثل داعش والنصرة تتجه نحو الزوال من الآن فصاعداً. ولن يبقى لهذه المجموعات الفاشية أي دور في مستقبل سوريا وتقرير مصير المجتمع السوري، طبعاً هذه المجموعات الإرهابية لعبت وأكملت دورها الخطير والوحشي. ويجب أن لا ننسى أبداً وأن نوفي مقاومة الشعب الكردي حقها في كسر شوكة مرتزقة داعش الفاشية، فالشعب الكردي ووحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية لعبت دوراً رئيسياً مشرفاً في كسر شوكة داعش.

بعد الأوضاع الأخيرة في حلب ظهرت متغيرات جديدة، دولة الاحتلال التركية خانت المرتزقة، وعليه سمحت روسيا لدولة الاحتلال التركية بالتقدم حتى مدينة الباب. ومما لا شك فيه أن جميع حسابات وأهداف دولة الاحتلال التركية تتمحور حول ثورة روج آفا والفدرالية الديمقراطية في شمال سوريا. ولكن الموضوع الأكثر أهمية هو إلى متى ستواصل الدولة التركية احتلالها لمناطق شمال سوريا وبشكل خاص مدينة الباب. ربما تكون قد أغلقت الطريق أمام وحدة مقاطعتي عفرين ومنبج من الناحية السياسية، ولكن في النتيجة فطالما أن الاحتلال التركي للباب لن يكون دائمياً فإن ربط المقاطعات ووحدتها أيضاً سيكون موضوعاً مطروحاً على الدوام. ومن الأمور المهمة في هذا الموضوع هو حدوث تغير في السياسة الروسية وكذلك مواقف النظام السوري وإيران. طبعاً موقف ثورة روج آفا واضح وثابت. الدولة التركية لن تتمكن من إبقاء قواتها في شمال سوريا براحة وسهولة.

القضاء على المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا في حلب حققت لكل من روسيا والنظام السوري مكاسب هناك مما أكسبها روحاً معنوية، هذه حقيقة ولكن يجب ألا ننسى أن داعش لا زالت تشكل قوة في محيط حلب وعلى أراضي سورية أخرى مثل دير الزور، تدمر في محيط دمشق وحمص، كما توجد جبهة النصرة في إدلب. الرابح في حلب لم يكن النظام السوري وروسيا فقط، بل إن الشعب الكردي أيضاً سطر ملاحم مقاومة بطولية مشرفة في الشيخ مقصود والأشرفية، وعليه فإن مقاومة الشعب الكردي في حلب أسفرت عن انتصارات تاريخية. وعلى هذا الأساس تسعى روسيا إلى الاستئثار بزمام الأزمة السورية، فعندما تخلت أمريكا عن الباب وحلب لصالح روسيا، فإن روسيا استفادت كثيراً من هذا الوضع في المعادلة السياسية. الاجتماع الذي عقد في الآستانة كان نتيجة لهذه المتغيرات والمكاسب الروسية.

فبالنظر إلى حقيقة القوى والشخصيات المشاركة في اجتماع الآستانة يمكن إدراك حقيقة اجتماع الآستانة بشكل واضح. لاحظوا أن أمريكا شاركت في الاجتماع في أدنى مستوى، أي يمكن القول أن التحالف الدولي لم يشارك في الاجتماع، ومن المعلوم أن الاجتماع تم تحت رعاية وإدارة كل من روسيا وتركيا وإيران. من كان حاضراً في الاجتماع أيضاً؟ كان هناك العشرات من المجموعات المرتزقة شاركوا باسم الائتلاف، هذه المجموعات الفاشية مرتبطة بشكل كامل بدولة الاحتلال التركية وبعضها الآخر مرتبط بقطر والسعودية. وعليه كان من الواضح أن اجتماع الآستانة لن يسفر عن نتائج قوية بمثل هذا الحضور وهذا ما حصل. وفي هذه النقطة فإن دور الشعب الكردي مهم جداً، من الواضح أن الشعب الكردي لم يحضر الاجتماع بناءاً على تعنت دولة الاحتلال التركية. حسناً، إذا كانت القوى الرئيسية والأكثر تنظيماً والتي تمتلك مشروع الحل والمتمثلة بالشعب الكردي لم يشارك في الاجتماع، وإذا كان التحالف الدولي لم يشارك في الاجتماع، فأية نتائج يمكن أن تتمخض عن الاجتماع فيما يخص بحل الأزمة السورية. وإلى أي درجة كان المشاركون في الاجتماع جادون في الموضوع إذا أخذنا بعين الاعتبار الخلافات والصراعات التركية الإيرانية، وكذلك مواقف كل من النظام والائتلاف، هذه الأمور كلها واضحة للعيان. من الناحية النفسية يمكن لروسيا أن تقول إنها حققت مكسباً، ولكن على الصعيد السياسي لم يسفر الاجتماع عن أية نتائج، وسيبقى الأمر على ما هو عليه. أما على الصعيد العسكري فقد تقرر إعلان الهدنة المقررة مسبقاً. من شارك في اجتماع الآستانة هو الدولة الروسية والسورية والدولة التركية والإيرانية، أما المجموعات المرتزقة الأخرى الفاشية فكانوا مجرد شركاء وحضروا في الاجتماع بناء على توجيهات سياسة دولة الاحتلال التركية.

قيادات وتنظيمات الشعب الكردي وكذلك مجلس سوريا الديمقراطية وفدرالية شمال سوريا جميعها تحدثت عن هذه الحقيقة مراراً وتكراراً. إن الاجتماعات التي تعقد من أجل الأزمة السورية لن تتمخض عن نتائج سياسية ولا معنى لها بدون مشاركة هذه الأطراف. كما أكدوا أنهم غير ملتزمين بأي شكل من الأشكال بأية قرارات قد تصدر عن الاجتماع. ومما لا شك فيه أن قيادات وتنظيمات الشعب الكردي وكذلك مجلس سوريا الديمقراطية وفدرالية شمال سوريا محقون في هذا الموقف ولهم كل الحق في الإصرار على موقفهم.

بعد اجتماع الآستانة الذي آل إلى ما آل إليه استفادت روسيا من الفراغ الحاصل إبان تغير الرئيس الأمريكي وسعت إلى إدارة حملة جديدة. والهدف الثاني لروسيا هو عدم إبقاء الأطراف والمجموعات التي لم تشارك في الآستانة خارج المساعي السياسية في هذه المرحلة، بل مناقشة القضايا السياسية مع هذه المجموعات. وانطلاقاً من سياساتها ومصالحها رأت روسيا ضرورة مشاركة الكرد في الاجتماع الثاني. ومن المعلوم أن 14 تنظيماً ومجموعة شاركت في اجتماع موسكو الثاني. هذه المجموعات بمعظمها إما كانت تحت تأثير النفوذ الروسي أو مقربة بشكل أوبآخر من روسيا. والأهم من كل كذلك هو مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي، وكأنها أرادت أن تناقش القضايا بينها وبين حزب الاتحاد الديمقراطي. وبحسب ما نشر للرأي العام فإن روسيا طرحت مسودة للدستور السوري في الاجتماع. ومن حيث الشكل والموضوع فإن هناك نقاشات سياسية وتفاوضية جادة. ولكن بالنظر إلى مضمون بنود مسودة الدستور ومن خلال التمعن في الإطار العام ورغم وجود بعض النواحي المقبولة فإنها لا تستجيب لمتطلبات حل الأزمات والقضايا الموجودة وتكتنفه العديد من النواقص. ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي طرحوا بدورهم مشروع فيدرالية شمال سوريا وطرحوا مشروعهم البديل. طبعاً هذا الاجتماع أيضاً لم يسفر عن نتيجة وما كان له أن يسفر عن أية نتيجة أصلاً، فلا يمكن حل قضية الدستور في اجتماع واحد بل هذا أمر مستحيل. ولكن تبقى للاجتماع نواح إيجابية لجهة طرح القضايا للنقاش والتفاوض والحوار.

مما لا شك فيه أن المشروع المقبول بالنسبة للشعب الكردي وبقية المكونات المتعايشة في سوريا مثل الكرد والعرب والآشور والسريان والتركمان والشيشان والشركس هو مشروع فيدرالية شمال سوريا. مشروع فيدرالية شمال سوريا يشكل أيضاً نموذجاً لحل لجميع قضايا ومشاكل سوريا. وكما تمكن أبناء ومكونات شمال سوريا من تنظيم صفوفهم وأعلنوا الفدرالية يمكن أن تعلن 3 أو 5 فدرالية مماثلة في باقي مناطق سوريا، وعليه يتم إعادة بناء سوريا ديمقراطية وفدرالية.

إذاً هناك موضوع المشروع الذي قدمته روسيا وكذلك مشروع الفدرالية الديمقراطية في شمال سوريا، ويبدو أن هذان المشروعان سيكونان محور النقاشات مستقبلاً، ولكن يمكننا أن نقول ما يلي: في النقطة التي وصلنا إليها لا يمكن حل أي من قضايا سوريا من خلال ذهنية الدولة القومية، ولا حتى يمكن إيجاد حلول ترقيعية. المشروع الأصح والأنجع هو المشروع الذي يعبر عن جميع المجتمعات والأديان والثقافات وبالتالي بناء مجتمع ديمقراطي وحر تعيش فيه جميع المكونات بأخوة استناداً إلى نهج الأمة الديمقراطية، أي بناء سوريا جديدة فدرالية ديمقراطية، أي بمعنى آخر الفدرالية الديمقراطية في شمال سوريا.

طبعاً المرحلة لا زالت مستمرة، فلا زالت بعض المناطق السورية تعيش حالة حرب ومن ناحية أخرى هناك مساعي لحل الأزمة السورية سياسياً عبر الحوار والتفاوض. وحتى الآن ليس من المعروف ما ستؤول إليه المواقف الأمريكية بعد تغير الرئيس الأمريكي، حيث يجري الحديث عن نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إقامة مناطق آمنة، ومن الأهمية بمكان معرفة عدد المناطق الآمنة في سوريا ومكان إقامة هذه المناطق. كما أن مواقف روسيا والنظام السوري مهمة أيضاً. أما فيما يتعلق بثورة روج آفا فهي عبرت منذ البداية عن إرادتها الحرة المتمثلة بنهج الخط الثالث وستواصل على هذا النهج من الآن فصاعداً. وكما أن جميع السياسات والصراعات تؤثر إحداها على الأخرى فسيكون للشعب الكردي أيضاً وكذلك سيكون لثورة روج آفا تأثيرها. والأهم هو الدفاع عن الإرادة الحرة في جميع الظروف، مع الأخذ بعين الاعتبار مشهد وحقيقة الواقع في سوريا وإن روج آفا سوف تسعى تنفيذ مشروعها.

بعد اجتماعات استانا وموسكو يتم الحديث الآن عن اجتماع جنيف 4 حيث من المقرر أن يعقد اجتماع جنيف 4 نهاية شهر شباط. وفي الوقت الراهن فإن جميع الأطراف تراجع حساباتها وفقاً لاجتماع جنيف. قصة اجتماعات جنيف 1 و2 و3 معروفة. جميع تلك الاجتماعات فشلت، ومما لا شك فيه أن هناك أسباب عديدة لفشل هذه الاجتماعات، ولكن مما لا جدال فيه هو أن السبب الرئيسي لفشلها هو عدم مشاركة ثورة روج آفا والشعب الكردي.  فإذا كان اجتماع جنيف 4 سيكون مثل الاجتماعات السابقة وبنفس التوجهات والمواقف فإن نتائج هذا الاجتماع أيضاً لن تختلف عن سابقاته. روسيا وأمريكا تقولان حتى الآن إن الكرد سيشاركون في جنيف 4 ولكن من غير المعروف إلى أي حد ستلتزم كل من روسيا وأمريكا بقراراتهما ومواقفهما. ولكن ما نعلمه جيداً أن الكرد أحق من غيرهم في المشاركة في اجتماع جنيف، لماذا الكرد أحق من غيرهم في المشاركة؟ لأن الكرد هم الأكثر تنظيماً، وتأثيراً وقوة إضافة إلى كونهم يمتلكون مشروعاً للحل. وعليه فإن أحقية وأولوية المشاركة في اجتماع جنيف يجب أن تكون للكرد. وإذا لم يشارك الكرد هذه المرة أيضاً في اجتماع جنيف 3 فإن هذا الأمر سيكون أولاً إجحافاَ كبيراً بحق الكرد كما أن هذا الاجتماع لن يتمخض عن أية نتائج. الشعب الكردي لن يسلم مصيره لأولئك الذين ينظمون اجتماع جنيف ويقصون الكرد من المشاركة. الشعب الكردي وكذلك باقي مكونات الفدرالية الديمقراطية في شمال سوريا من العرب والسريان والآشوريين والتركمان والشركس والشيشان سيواصلون نضالهم، ويسعون لتنظيم صفوفهم ويدافعون عن إرادتهم بكل قوة. كما سيواصلون نضالهم السياسي والدبلوماسي، بمعنى أنها لن تكون نهاية العالم بالنسبة للشعب الكردي، فالشعب الكردي من خلال النضال الذي بذله حتى الآن والمكاسب التي حققها سيلعب دوراً كبيراً في تقرير مصيره وكذلك مصير جميع المجتمعات المتعايشة في سوريا وسوف يواصل أداء هذا الدور بشكل لائق.

(ك)