الاتصال | من نحن
ANHA

مكونات منبج يعرفون المرحلة بـ “عصر الديمقراطية”

ملف

نازدار عبدي

مركز الاخبار- قديماٌ، بنى سكان هذه المنطقة لأنفسهم على ضفاف نهر الفرات، حياةٌ متناسبة مع طبيعتهم المتنوعة، بعدها أقدم الظلاميون على جعل هذه الحياة سواداً. فتسير تلك السواد على مسالك طرق متراوحة يميناً وشمالاً، حتى أوصلت بها في السنوات الخمس الأخيرة ألى نقطة مسدودة لا مناص لها من التحمل أكثر. لكنهم لم يفقدوا الايمان، ولم يقطعوا الأمل، بل بدؤوا بعصر جديد وعرفوا ذاك العصر بأنفسهم.

سوريا التي كانت محور النقاش والرأي العام العالمي خلال سنوات الخمس الفائتة، قد أخذت المرتبة الأولى في أولويات السياسة العالمية والاقليمية عام 2017 أيضاً. حيث شغلت في الشهر الأول من العام الجديد النقاشات حول سوريا حيزاً كبيراُ لدى دول العالم وعلى وجه الخصوص تلك المواضيع التي تتعلق بمسألة حلب ومناطق الشهباء، وآخر تلك النقاشات والحوارات كانت متمثلة في اجتماعات أستانا وموسكو. ومقابل هذه المواقف فأن هناك تطور ونضال كبير في الداخل السوري من أجل ايجاد الحل، بل وتفرز هذه التطورات الداخلية نتائج مهمة بهذا الصدد، هذا التطور المتمثل بطريق “الادارة الذاتية الديمقراطية ” والذي انتشر في مناطق روج آفا عامة، اليوم تلقي بثمار نجاحها في مناطق الشهباء مثل مدينة منبج.

مشروع النظام الذي ترسخ في باقي مقاطعات روج افا، اليوم يترسخ في منبج أيضاُ، ليزيد من فرص الأمل في نفوس الشعب بوجود حياة مغايرة كلياُ عن ما عايشوه في ذاك الظلام الذي ذاقوه خلال خمسة سنين، خاصة أن مكونات منبج قد عرفوا هذه المرحلة بأنها “عصر الديمقراطية”، لتكون مثالاً يحتذى بها كل من الباب وجرابلس والرقة وغيرها وتكون السبب في طلب المساندة من تلك المناطق المذكورة لإحلال حياة حرة كريمة فيها.

ونحن في وكالة هاوار قد أجرينا بحث قصير حول مدينة منبج و قمنا بتغطية النظام الذي يتم تأسيسه من قبل مكوناتها عن قرب، حيث أن منطقة منبج التي بنيت على ضفاف نهر الفرات تتميز منذ بداية نشأتها بأنها مقصد للتجمعات السكانية وبناء الحضارة المجتمعية نظراُ لظروفها المساعدة في بناء مثل هذا الصرح، وذلك بحسب الابحاث والنتائج التي خرجت من تلك المنطقة، فهي تحضن الكثير من الأثنيات والثقافات والأعراق التي تعيش مع بعضها البعض، ولكن بحكم الذهنية الدولتية المتتالية فقد طغت ذهنية اللون الواحد والمكون الواحد على الحياة الاجتماعية وأهملت بقية الألوان والمكونات في المدينة.

منبج تاريخياُ

بحسب المكتشفات والابحاث التاريخية التي أجريت في المنطقة فأن منبج كانت قبل الميلاد بألفي عام موطناً لتجمع سكاني بنت حضارة لها، وعلى ضفاف نهر الفرات يمكن رؤية الكثير من آثار تلك المرحلة من التاريخ. وأسمها الحالي مشتق من كلمة مبوغ (في اللغة الحثية) الذي أطلق عليها منذ أقدم العصور. وتغير المصطلح في الفترات الزمنية المتعاقبة التي مرت بها، فقد سميت (نامبيجي) بالآشورية و(نابيجو) بالآرامية وفي ما بعد (مابج) و(نابوج) بمعنى نبع، وسميت بهذا الاسم لوجود عين عظيمة تعرف باسم الروم.

تعاقبت على منبج امبراطوريات “الآشوريين والميتانيين والمقدونيين والروم” جاءت بعدها العصور الاسلامية واستمرت حتى التاريخ القريب المتمثل بحكومات الدولة الحديثة. في دوامة هذه الفترات المتعاقبة شُكلت تجمعات بشرية حضنت أثنيات وأعراق متنوعة ثارت كل منها على الأخرى وتعايشت مع بعضها البعض لفترات طويلة، والشعب الأشوري – السرياني مع الشعب الكردي يعتبرون من سكان المنطقة الأصليين كما هو معروف تاريخياٌ وكذلك هناك في المنطقة، لكن المكونات الأخرى أيضاٌ مثل العرب والارمن والشركس، قد توافدوا الى المنطقة وشاركوا في بناء الحضارة، ألا أنه ونتيجة السياسات التي مورست من قبل الحكومات المتعاقبة فأن الشعب الأشوري – السرياني لم يبقى له وجود في تلك المنطقة، ويقتصر الوجود في المنطقة على الشعب الكردي والعربي بالإضافة الى أقلية من الأرمن والشركس.

في القرن الثالث بعد الميلاد دخلت المسيحية كدين إلى المنطقة، أما الاسلام فأنه وحسب التاريخ المكتوب حالياُ قد دخل الى المنطقة في السنة (637) ميلادي، وخلال سنة 1879 م قدمت مجموعات من الشركس الذين تم تهجيهم قسراً من موطنهم في قفقاسية (القوقاز) وسكنوا في منبج، وكذلك الأمر بالنسبة الى الأرمن الذين هربوا من بطش الدولة العثمانية ومجازرهم في مناطق الأناضول وشمال كردستان بمجموعات غفيرة في منبج، كما توافد مجموعات صغيرة من التركمان الى المنطقة خلال الحكم العثماني.

اتحاد الشعوب أنهى سلطة الحكام

النقطة المشتركة بين جميع الشعوب التي سكنت هذه المنطقة والتي أعطتها خاصية مميزة تكمن في أن كل مكون قد أحتضن المكون الذي توافد من بعده وآواه، لكن وبالتزامن مع هذه الميزة فأن كل سلطة قد جلبت معها مجازر ودمار أيضاٌ، فآخر تلك السلطات التي كان لها أثر في المنطقة هي سلطة حزب البعث الحاكم في سوريا، والتي تلت من بعده سلطة مرتزقة داعش في السنوات الأربع الأخيرة التي استندت في قوتها على تركيا.

حتى سنة 1931م كان احصائية السكان في المدينة تقدر بـ 3800 شخص، وفي عام 2004 كانت الاحصائية 100 ألف، و في عام 2011 وصل العدد الى 500 ألف شخص.

عشائر وشخصيات

في هذه المدينة التاريخية تبرز طبقتين اجتماعيتين، إحداها عشائري والثاني مثقفين، حيث أن أكثر الجهات المؤثرة على المجتمع تنقسم على هذين الطبقتين حيث يتماشى الجميع على كلام ونصح الطبقتين، لذلك تكون الأثنان بارزتان في الحالة الاجتماعية.

وقسم كبير من هذا المجتمع هم مثقفين وطلاب علم، حيث يحتوي على عدد من الشعراء الذين ذاع صيتهم في المنطقة والعالم، ألا أن النظام كان يستخدم كلا الطبقتين في منافعه ومصالحه السياسية حينذاك.

العرب والكرد والشركس ينظمون أنفسهم وفق مفاهيم عشائرية، وكمثال على ذلك فإن في المنطقة يتواجد العشائر العربية الكبيرة كـ “البو بنا، عون، بني سعيد، بو سلطان، الجيسات، الغنايم، النعيم، الحمدون، هندي، بو خميس، عميرات، و….ألخ، حيث يزيد العدد عن 65 تجمع ما بين عشيرة وأفخاذ عشائر، أما العشائر الشركسية فهي “حتقو، ماراتقو، كتاو، لعيش، بخواشا، أول وبيدانوقا، أما العشائر الكردية فيه البرازية والكيتكا”.

قبل 2011

كان النظام البعثي من أجل أدارة كافة مؤسساته وعلى وجه الخصوص الأمنية والعسكرية في كوباني كان يختار من منبج للقيام بالمهمة، وبذلك كان ينجح في خلق الخلافات والتناقضات من قبيل مفهوم (السيد أو السلطة – العبد أو المجتمع المستبد) بين المكونات في المنطقة حيث أثرت سلباً على منطقة منبج.

بعد 2012

أن العشائر والمثقفين في منبج لم يلعبوا دورا في الثورة السورية بل بقوا في الخلف، لذلك لم يكن بمقدورهم اللعب كقوى ريادية في تنظيم مجتمعهم وإدارتها وأصبحوا بأنفسهم هدفاً للمجموعات المرتزقة التي تتالت على حكم واحتلال المدينة حتى قدوم داعش. فمجموعات الجيش الحر ومرتزقة جبهة النصرة (جفش) كانت قد أسكتت هاتين الطبقتين أبداً، لكن داعش قد أثرت بشكل سلبي كبير على تلك الطبقتين، حيث قامت في البداية بإغراء العشائر من ثم عملت على ضمها أليه عنوةً و إجباراً، لدرجة أنها استخدمت القتل والذبح في التخويف من أجل الانضمام.

وبالرغم من تواجد عدد لا بأس به من المثقفين في المدينة حالياً ألا إن داعش قد قتلت العشرات منهم خلال سنوات احتلاله للمدينة.

نهاية الظلام

ضد تلك الهمجية التي مارسته المجموعات المرتزقة ومناصريهم، فإن مكونات منبج لم يتوانوا عن النضال أبداً وبها حرروا مدينتهم، والمواطنين الذين أجبروا في الهجرة عن مدينتهم أبان سيطرة المرتزقة عليها قد جمعوا شملهم وشكلوا قوتهم العسكرية مثل “جبهة الاكراد، شمس الشمال، ومن بعدها تجمعت فصائلها تحت سقف بركان الفرات، وفي النهاية تم تأسيس مجلس منبج العسكري، لتعلن في الأول من شهر حزيران 2016 حملة تحرير المنطقة من رجس داعش، وفي النتيجة قد حررت المنطقة بالكامل بتاريخ 12 آب 2016.

بعد التحرير تأسست الادارة المحلية للمدينة من قبل مكوناتها، والآن تهدف الى إحياء جذور المجتمع الفراتي المتنوع القديم، ولذلك عّرَفَ أهالي منبج هذه المرحلة بـ”عصر الديمقراطيين”، لكن مازالت أثار خوف الماضي المعاش باقية في مخيلتهم لذلك يهربون من عدسات الكاميرا.

غداً : عصر الديمقراطيين

ت(آ- ر)