الاتصال | من نحن
ANHA

مزكين المناضلة، القيادية والفنانة الثورية

هيفيدار خالد

مركز الأخبار- عاشقة الجبال وصديقة الورود، ناعمة القوام التي طالما ركضت بين الصخور والأعشاب والمغاور، وطالما تردد صدى صوتها في الوديان، فكانت سيمفونية خالدة “لو هفالنو LO HEVALNO” وكم من المرات كانت عذوبة صوتها تنافس صوت البلابل، وفي مرات أخرى كانت تزمجر بغضب في وجه الأعداء والمرتزقة فتهتز ذرى الجبال وحافات الصخور وترتعد الوديان وكانت لبوة غرزان تزرع الرعب في قلوب الجبناء كما تزرع الحب والأمل في قلوب عشاق الوطن والحرية.

مزكين صاحبة الاسم والصوت الجميل، قادت مسيرتها النضالية والوطنية بأغانيها الثورية والفلكلورية التي كانت تغنيها للأمهات وجمال كردستان ومقاومة الرفاق، وللنضال الذي بذل في سبيل حرية الشعوب والإنسانية. ورغم مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على شهادتها إلا أن صدى صوتها وألحان أغانيها “lo hevalno لوهفالنو، “هاوار كوندينو”Hawar  gundîno ما زال في وجداننا.

ميراث من الفن التراثي والثوري

كانت حركة حرية كردستان بمثابة القبلة للكثير من الفتيات في أعوام السبعينات، وسميت فيما بعد باسم حركة حرية المرأة بعد انضمام عددٍ هائل من الفتيات اللواتي انخرطن في النضال وأصبحن من الكوادر الطليعية في الحركة وفي شتى المجالات السياسية، والعسكرية، والثقافية، فمنهن من برعن في فن السياسة وريادة المجتمع، ومنهن من أصبحن قياديات في ساحات الحروب والقتال يرِدْنَ على الأعداء بكل بأس، ومنهن من أبدعن في الفن والغناء الثوري ليضعن بصمة المرأة لروح الثورة وهن يقدن النضال والحرب معاً.

ثورة حرية كردستان بقدر ما كانت ثورة خلاص للشعوب من الظلم والظلام وإخراجها إلى النور، كانت ثورة الفن الأصيل ضد سياسات الصهر العرقي والثقافي. لذا فقد ظهر الكثيرون من رواد الفن والثقافة الكردية في مسيرة الحرية ليعرِّفوا العالم بالثقافة الكردية ونضال الشعب الكردي الذي يبذله من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية.

الشابة الكردية غربت أيدن”مزكين” من باكور كردستان إحدى الرفيقات المناضلات اللاتي صنعن بنضالهن وفنهن الثوري ميراثاً مهماً من الفن الثوري الكردستاني، فعملت على إحياء التراث الكردي الأصيل بصوتها الرائع الجميل، عندما غنت أول مرة وهي في ربيعها الخامس عشر، في عرس عمها الأغنية الكردية HERINE PÊŞ من قصائد الشاعر الكردي جكرخوين فلفتت أنظار الجميع من حولها، وأصبحت الفنانة السائرة على درب الفن الثوري.

من غربت أيدن إلى … هوزان مزكين

فتحت الفتاة الكردية “غربت أيدن” عينيها على الحياة بوادي بشيرية الذي انطلقت منه أولى شرارات ثورة حرية كردستان، في قرية “بيلايدار” التابعة لمدينة باتمان بباكور كردستان في عام 1962م وتربَّت في عائلة وطنية مرتبطة بقيمها المادية والمعنوية. تعرَّفت غربت على حركة حرية كردستان عن طريق القيادي معصوم قور قماز” عكيد” الذي تعرف على الحركة من خلال الرفيق والثوري الكردي “مظلوم دوغان” الذي كان يناضل بين الشعب حينذاك. وقبل حدوث الانقلاب العسكري في 12 أيلول من عام 1980م في تركيا بفترة قصيرة انضمت غربت إلى صفوف حركة حرية كردستان في باتمان مع مجموعة من رفاقها.

وبعد انضمامها إلى نضال حركة حرية كردستان، توجهت إلى ساحة القيادة في أكاديمية “معصوم قورقماز العسكرية” في البقاع بلبنان واجتمعت بقائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان. حيث تلقت هناك دورة تدريبية أيديولوجية وعسكرية، وبعد إنهائها للدورة انضمت إلى الفعاليات التنظيمية للقيام بتنظيم وتطوير النضال الثقافي الكردي في أوربا في عام 1983م فشاركت في نشاطات الثقافة والفن هونركوم ” HUNERKOM”هناك وأصبحت من مؤسسيها، وعرفت حينذاك باسم هوزان مزكين في أوروبا، حاملة الميكرفون وهي تصعد خشبة المسرح بقامتها القصيرة وتغني بصوتها المهيب أمام الجمهور حيث جميع الأنظار تتجه إليها.

تمكنت الرفيقة “مزكين” إلى جانب نشاطاتها الفني، من إدارة النشاطات والفعاليات الحزبية والتنظيمية بين الشعب في أوروبا وتصعيد نضالها الثوري، النظري والأيديولوجي، وقامت بإدارة المؤتمر الأول في بداية اتحاد المرأة الكردستانية الحرة YJWK في أوربا. فقد كانت الرفيقة مزكين ذات سمات شعبية قوية ومرتبطة بثقافتها الكردية والثورية ومحبوبة كثيراً من قبل الشعب لوقفتها الثورية والانصارية بينهم دون أن ترجع أي خطوة إلى الوراء. أكبر مثال على ذلك أنه ورغم صغر سنها كانت تتعامل مع الكبار أيضاً، وهذا يدل على أسلوبها وخطابها القويين ووقفتها الثورية.

مزكين … إحدى معماريات الفن الكردي الثوري

وطيلة فترة بقائها في أوربا ساهمت بكل قوتها في تأسيس فرقة ” koma berxwedanكوما برخدان الغنائية”، التي لعبت دوراً كبيراً في تصعيد النضال الثوري في كردستان، من خلال أغانيها الوطنية والثورية التي سجلتها في تلك الفترة فغدت من المؤسسين الأوائل والحقيقين في هذه الفرقة. لم تكن تنظر إلى ذاتها كفنانة فقط، بل كانت تطور ذاتها من كل النواحي الفكرية والعملية والتنظيمية.

الفنانة “مزكين” التي لقي صوتها العذب صدىً في أجزاء كردستان الأربعة كانت تمارس ثلاث مواهب في آن معاً فهي الفنانة والثورية والمناضلة من أجل حرية المرأة، باعتبارها فنانة مناضلة مزجت فيما بين فنها ونضالها الثوري في سبيل التحرر.

الفنانة، الثورية، والقيادية في ساحات القتال

مزكين صاحبة الاسم والصوت الجميل، قادت مسيرتها النضالية والوطنية بأغانيها الثورية والفلكلورية التي كانت تغنيها للأمهات وجمال كردستان ومقاومة الرفاق. والنضال الذين كانوا يبذلونه في سبيل حرية الشعوب والإنسانية. مزكين التي كرَّست كل حياتها من أجل الفن الثوري الكردي، وبطولات أبطال وطن الشمس والنار، تركت ميكرفونها والتحقت بأسخن ساحة من ساحات النضال في جبال الحرية لتصبح هذه المرة، الكريلا والفنانة والثورية والقيادية لقيادة الحرب والمقاتلين.

الرفيقة “مزكين” كانت أول امرأة مقاتلة في ربيع حركة الحرية التي منحتها القيادة مسؤولية إدارة الإيالة في عام 1990م فقد كانت تقوم بمهامها على أكمل وجه، لذا فقد قضت على ذهنية الرجل المتحكمة في كل شيء وغيرت من سَيْر نظريته التي فرضها وحفظها لمن حوله، ففي المرحلة التي قامت  بإدارة إيالة غرزان وبسبب امتلاكها لقوى كبيرة إلى جانب وعيها الكبير، فقد قامت بالفعاليات الشعبية إلى جانب قيامها بتطوير فن الحرب في حياة الكريلا، حاملة السلاح في يديها إلى جانب آلة “الطنبور” وصوتها الجبلي لتحط رحالها في منطقة غرزان في باكور كردستان ومن ثم بمنطقة تطوان ولتنضم في 11 من شهر أيار إلى قافلة شهداء الحرية في عام 1992م بمنطقة تطوان إثر اشتباكات بين قوات الجيش التركي وقوات الكريلا “قوات الدفاع الشعبي”.

أغاني الحرية التي غنتها الرفيقة مزكين أصبحت سيمفونية الملايين، وقد سطرت العديدات من النساء الكرديات ملاحم بطولية وأساطير النصر على خطى الشهيدة مزكين، لتقول للجميع إن كل هذه الملاحم البطولية كانت نتيجة الجهد والدم والروح التي ضحت بها الرفيقة مزكين والآلاف من شهدائنا.

رحلت لكنها تركت باقة من أغانيها الجميلة

رحلت مزكين عنا إلا أنها مازالت حية تعيش في قلب كل كردي مؤمن بعراقة الفن الثوري الكردستاني، رحلت عنا إلا أن صوتها مازال في أذهاننا، وكيف سننسى الكلمات التي كانت تخرج من حنجرتها فنستمد منها القوة والإرادة والحياة. رحلت لكنها تركت لنا باقة من أغانيها الجميلة، والتي كانت تغنيها بالكردية والتركية مثل “جمه هيزل، أوغلوم شهيد، هفال مظلوم، لو هفالنو، ما كن كازي، هاتن بلافبون شورشكر وبرتزان وهاوار كونديون.”. وبفنها وببطولتها أصبحت منبع إلهام لمَنْ أعطوا قلبهم للحرية، وعرفت كيف تدخل قلوب الملايين بمعرفة قوة التلاحم ما بين الجمال والأخلاق والفن وبروح ثورية.

رغم مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على شهادتها إلا أن صدى صوتها وألحان أغانيها “lo hevalno لو هفالانوا، هاوار كونديون. Hawar gundîno  مازال مسموعاً في قلوبنا.

وتخليداً لذكرى الشهيدة والمناضلة مزكين، ألَّف ولحَّن الفنان الكردي الشهيد سرحد أغنية كردية عنها باسم “مزكينا لهنك مزكينا جلنك” أي مزكين البطلة.

(م)